عيون العرب - ملتقى العالم العربي

العودة   عيون العرب - ملتقى العالم العربي > عيـون القصص والروايات > روايات و قصص الانمي > روايات وقصص الانمي المنقولة والمترجمة

Like Tree26Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #6  
قديم 02-17-2018, 01:50 PM
 
{ صدمة متأخرة }

صدمة متأخرة



شعرت بيده تهزني و بصوته القلق يقول :
_ كلآرا .. عزيزتي , استيقظي فالوقت ظهيرة !!. كلآرا ؟!
تمتمت بتعب بداخلي : أشعر بأن عظامي متفتتة , لماذا يجب علي الاستيقاظ ..؟!
وضعت يد باردة على جبيني فانتفضت أنا .. سمعت تأوه ثم حركة قلقة ..
_ يا ألهي كان يجب أن أعرف , حرارتك مرتفعة جداً .. كلارآ صغيرتي قولي شيئا ..
همست بتعب : أنا ... عطشى ...
_ سأجلب لك الماء حالاً و سأتصل بالطبيب . لا تتحركي...
سمعت صوت خطواته خارجاً . فتأوهت بعمق ... ظهري صدري و رأسي و ساقاي و كل شيء يؤلمني .. تباً لهذا الجسد الضعيف ... مالذي يجري لي ؟! ..
وآه .. أريد التحدث لأمي فقط .. أين هي ؟!
استندت لمرفقي و ناديت بصوت مبحوح عالي : أمــــــــــي ؟!... أمـي ؟!.
ثم نهضت بتعب بالغ و ظننت بأني سأسقط لكني تحاملت على نفسي ملتصقة بالجدار .. أصبح الجدار صديقي... مشيت خطوات بطيئة و ناديت أمي مجدداً ... ترى كم الساعة الآن ... هل هي بالعمل و تركت جيني بالحضانة ؟!. ومالذي يفعله والدي عندي .. أليس لديه عمل أيضاً... آه لا صحيح , لقد لكم مديره و استقال .. ربما هذا من حسن حظي .. أشعر بأني مريضة !.
_ ياااربي !!!... كلآرا !!!.
فتحت عيناي جيداً لأراه يهرع نحوي و يمسك بي جيداً... صرخ بي : مالذي تفعلينه يا فتاة ! هل أنتِ بوعيك ؟!.
قلت متذمرة : لا أريد العودة للسرير , لكن بما أننا متفرغان أنا وأنت , أجلب جيني من الحضانة لنهتم بها...
حدق بي مصدوماً ... : حبيبتي أنتِ تهذين ...!
نظرت إليه و قلت ببرود : حسنا ربما أنت لم تجد عملاً بعد .. لكنك جيد جداً بالعناية بالأطفال أبي , سوف ترى .. اتصل بأمي و أخبرها ... آه اتركني قليلا لأجلب كنزتي حتى أذهب معك ...
لا أدري لمَ شحب وجهه بشدة وكأنه رأى شبحاً .. حملني فجأة و عاد بي للسرير...
قاومت معترضة : لماذا تحملني !! أبـــي !! أنزلني .. هل اتصلت مديرة المدرسة بك وأنت غاضب مني ؟!.
_ يا ألهي ساعدني ! , حبيبتي أبقي هنا لدقائق فقط... أنت محمومة .. سيأتي لوك فوراً...
حدقت به باستخفاف .. أنا محمومة .. آه أبي مالذي يجري له ... ثم من يكون لوك هذا ؟!..
قال مجدداً برعب وهو متردد بمغادرة الغرفة : لا تتحركي سأعود حالاً ..
_ ماذا ؟ هل تخشى أن أقفز من النافذة مثلا !!. سأنتظر هنا أبي و أين عساي أذهب....
هز رأسه مرعوباً و عيناه واسعتان بلونهما الأزرق الفاتح ... ثم اختفى ... بقيت ادندن لنفسي و أفكر بما سأتناوله على الغداء , ربما أمي ستجلب معها شيئا لذيذا كما تفعل دوماً ... اممم سأخمن . من المطعم الفرنسي , فهي تحبه جداً...
دخل فجأة رجل طويل , خيل لي رؤيته بمكان ما ... حدق بي بريبة ثم اقترب خطوتين و والدي خلفه يهمس له بشيء ما ..
_ مرحباً كلآرا , تبدين مرهقة .. دعيني أقيس حرارتك...
بينما هو يضع المقياس بفمي , نظرت لأبي و ابتسمت له ففزع هو !! أهذا ما تسببه ابتساماتي ؟!. من الأفضل أن أصمت فقط !
قال الطبيب بعبوس : حرارتها شديدة , يجب أن أعطيها حقنة ثم تتناول الدواء و الماء لتعود للنوم والراحة.
اقترب مني أبي و مددت له يدي الأخرى خائفة من الأبرة التي أخرجها الطبيب من حقيبته .. أمسك والدي بيدي يدعمني ..
قلت له بتوتر : أنا أكره الإبر .. أريد الحديث عن أي شيء .. >< .. ما رأيك , مالذي ستجلبه أمي معها اليوم... أنا أراهن أنه المطعم الفرنسي وأنت...
تمتم والدي بشيء ما و انحنى ليقبل رأسي ... مابه ؟! يبدو خائفاً جداً و حساساً...
حدق بي الطبيب بغرابة , و سألني بهدوء : كلآرا , أتعرفين من أكون ؟!
بادلته التحديق و قلت مخمنة : صديق لـ والدي ...!
_ حسنا... تخمين جيد... لكني أقصد .. ما اسمي ؟!.
ضيقت جبيني اتفرس به , ثم هززت كتفي و قلت ببرود : لا , لم اتشرف بعد ..
رأيت عيناه يتوسعان صدمة ... ثم وقف ليشير لأبي ... خرجا معاً و تحدثا طويلا في الممر اسمع همهمتهما ... ثم عاد الطبيب بينما لمحت أبي يذهب باتجاه الردهة...
اعطاني الطبيب الدواء بصمت ... ثم تبسم بوهن و قال بخوف : أنتِ تعانين صدمة عزيزتي... بعد النوم المريح سوف تتذكرين كل شيء...
_ حقا ؟!. حقيقة أشعر بالنعاس , مالذي وضعته بالحقنة هاه...
ابتسمت له بمزاح فتوتر قليلا لكنه ابتسم , ورتب على رأسي ثم غادر... وضعت رأسي على الوسادة و نمت بعمق ..~
فتحت عيني بعد وقت ما , و رأيت ظل شخص واقف في زاوية الغرفة يراقبني ... ركزت النظر ولم أرى من ظلامه شيء سوى عيناه الزرقاء المنطفئة الهادئة ..
تساءلت من يكون .. اشار بيده بملل وكأنه يقول عودي للنوم .. التفتُ على جانبي وقد اعطيته ظهري ثم عدت للنوم ... ياله من حلم غريب !.
_ كلآرا حبيبتي ..
همهمت بسعادة و همست : نعم أبي..
_ ألن تستيقظي ؟ , أنه وقت العشاء ..
فتحت عيني بدهشة , عشاء !. والدي يعاني مشكلة جدية بالنظر للوقت , رفعت جسدي قليلا و شاهدته يمسك بـ جيني واقف عند طرف السرير ... قلت بهدوء :
_ ماذا ؟!.
رفع حاجبيه و قال بهمس بينما يبعد قبضة جيني الصغيرة عن فمها : الساعة السابعة ليلاً .
نظرت ببطء إلى النافذة , الجو مظلم بالخارج .. قلت بتوتر طفيف : أعطني بعض الوقت ..
لكنه بقي واقفاً بتوتر ينقل ثقله من ساق لأخرى .. سألني بخفوت و عيناه ترتجفان علي :
_ هل ... هل تدركين .. أين أنتِ ؟!.
صمتُ وحدقت به بتركيز , قلت بهمس وأنا ألف شعري بربطة صغيرة : ما شأن هذا السؤال ؟!.
رد بصوت متوتر حقاً : قولي فقط كلآرا ...!
_ في منزل جدي أبي... أهناك خطب ما...
حدقت به بتوجس وأنا أشعر ببرودة غريبة داهمتني , لاحظت مرور نظرة رعب في عينيه ثم هدأ و قال بهدوء شديد :
_ منزل جدك , من ؟!.
كنت ألعب بأصابعي وعيناي مركزتان بعينيه , قلت وأنا اخفي ارتجافه : جدي براين .. هل أنت مرهق أبي ؟!.
أجابني بابتسامه مضطربة : لا .. سننتظرك بالمطبخ .. كوني حذرة حبيبتي .. آه هذا مقعدك قرب السرير...
كانت عيناه متوسعتين بشكل غريب وهو يراقبني ,بينما أنا ضيقت جبيني و جعدت أنفي عدم رضى وأنا أحدق بالكرسي المتحرك الذي نسيت أمره .. بدا وكأني لم أره من دهور... !
_ أجل أبي " همست له ثم جهزت ابتسامه خلال ثانية وأنا التفتُ إليه..
قال بهدوء وهو يبعد يد جيني عن فمها المتلهف مجدداً : حسنا , يبدو بأن جيني لن تنتظرك حتى تنضمي إلينا .. لكني سأفعل , أرجوك لا تتعجلي.
ثم التفت و خرج بصمت , ظللت أحدق بظله الذي اختفى , ترى مالأمر .. لمَ يبدو مرعوباً جدا وكأنه حدث أ.........
و قطعت أفكاري سلسلة من الأحداث الرهيبة و الآلام .. الركض على الدرج ... ظل طويل بعيون حمراء ... طرت لاصطدم بالجدار و أهوي .. شخصين يتجادلان في الظلام ....!!
شهقت وأنا أحاول التنفس جيداً... ما كان هذا ..؟! ومالذي حدث بحق الآله...؟! هذا ليس حلماً... لا أنا واثقة .. وعندما... وعندما يحدث شيء مجدداً بل لن أجعله
يحدث وسأصمد بقوة نعم... نعم .. ثم أن قدمي بخير , أشعر بها جيدة....
لكن ما أن وضعتها على الأرض لمستها فقط ارتفع منها الألم بشكل رهيب فشهقت مجدداً و رفعتها وأنا أمسح عليها شبة باكية من شدة غيضي ..

تمالكت نفسي و أخذت أنفاس كثيرة عميقة و مرتجفة ... ثم جلست على المقعد المتحرك و ذهبت إلى المطبخ....
بعد العشاء و في الردهة الدافئة بالطبع لاحظت نظرات والدي الغريبة المتوترة إلي .. و قال طالباً مني ألا أذهب غداً للمدرسة , فوافقت بلا مبالاة حقيقية ...
وفكرت بنفسي أنني سوف أكون في أسوأ وضع لتأخر دراستي أكثر وأكثر... طلب والدي هذا لم يأتي إلا من قلقه علي.
بما لم يتبقى على الاختبارات الفصلية سوى شهرين ... لم انتبه إلا عندنا نهض والدي وبين ذراعيه جيني النائمة ليصعد للأعلى ..
ذهبت لغرفتي ثم بدلت ثيابي بصعوبة لأن قدمي كانت تؤلمني , تناولت الدواء و تجهزت للنوم من شدة التعب
حتى عقلي لم يكن يعمل جيداً لأجل التفكير بتلك الأمور الغامضة ... دخل والدي اطمئن علي و غادر بتردد ..

كنت غارقة بظلام النوم .. حتى سمعت صوتاً .. شخص ما يهمس .. و همس آخر يرد عليه... كانت الأصوات الخافتة و البعيدة تأتي من الممر خارجاً... فتحت عيني بثقل شديد و حاولت النظر بتعب الى الباب .. الممر مضاء و هناك ظل... بل ظلين متوقفين يقطعان الضوء القادم من أسفل باب غرفتي...
حاولت التركيز على الهمس .. لكن صمتا فجأة ... كنت مرهقة لحد الموت .. لذا عدت للنوم سريعاً جداً ...
ايقظني والدي مجدداً , وقال بأن الطبيب "لوك" هنا يريد رؤيتي .. عبست لكن قلت بتهذيب : سأكون حاضرة خلال دقائق...
كانت قدمي مخدرة هذا الصباح , فارتديت بنطال واسع أسود وقميص أبيض من فوقه كنزة حمراء اللون ثم قصعةُ شعري الداكن المتناثر و الذي كان في حالة رهيبة ...عندما نظرت في المرآة كدت اشهق , توسعت عيناي ... يااه وجهي مرعب .. أبيض رمادي شديد الشحوب وكأنه رخام . وعيناي حولها هالات من السواد كما أن لونها مخضر بشكل غريب !!...
بالتفكير قليلا .. لون عيناي لا يفتح بهذا الشكل إلا عند الهلع .. أو أن المصيبة التي حدثت هي قوية جداً لواقعي ..!!
بينما شعري الداكن لا أريد التحدث عنه... أغمضت عيني لثوان طويلة ...لم أنتبه سوى طرقات لباب غرفتي ..
قلت بصوت عالي : قادمة أبي...
في الردهة , وبعد تناول بعض القهوة .. أخذ الطبيب "لـوك" كل وقته في التحديق بي .. ثم سألني بضع أسئلة سخيفة لا أدري ما علاقتها بوضعي ... كـ... متى تنامين وهل تستيقظين لفترات في الليل ؟! , وماذا تأكلين ؟! , وهي تشربين الحليب يومياً وكم الكمية ؟! , ما رأيك بالمدرسة ؟! , و سألني عن دوائي وغضب قليلا عندما رأى أن بعض الحبوب يفترض أن لا توجد بسبب نظامي .. مما يعني أنني فوتها !!.
بعد فترة صمت و راحة جلب والدي العصير لهم , ولي كأس ضخمة من الحليب الدافئ ... قبلته على مضض ><" لأجله فقط .. ثم جلب جيني من كرسيها لتجلس على حجره .. كانت جيني مفتونة بالطبيب ولأن والدي يجلس على المقعد المجاور له فأخذت تحاول بهمة لمسه و الضحك معه .. يالا الفتاة الجريئة هذا وهي طفلة ..
لكني مسرورة لأن هذا الطبيب حول انتباهه لها وأخذ يداعبها قليلا و يريح والدي منها ..
قال "جاك" بعد ثوان من تأمل شكلي : امم .. كلآرا , أريد أخبارك بأنني ..و لوك وجدنا آحم مُدرسة خاصة سوف تقوم بتعليمك بعض الوقت في المنزل...
توسعت عيناي و شعرت بهما تحترقان من شدة دهشتي "مدرسة" ؟؟!! ... قال "جاك" بسرعة قبل أن أنطق النيران التي تكوني بداخلي :
_بالطبع سوف تذهبين للمدرسة .. لكن أنتِ تدركين حقاً بأنك متأخرة كثيراً جداً .. وهذه السيدة سوف تساعدك في دروسك السابقة...
تحدث "لوك" قبل أن استوعب ما قاله أبي : أنها ممتازة جداً و طيبة للغاية كما أنها ستخفف عن والدك حمل جيني .. هي آمم مدرسة و مربية ماهرة... .
قاطعته بصوت يرتجف لا أدري لمَ : مهلكما كلاكما !.. أني لا أعاني مشاكل بالدارسة لأنني .. لم أبدأ حتى !!!
قلت الكلمتين الاخيرتين بصوت حاد ثم أكملت بسرعة : ..و جيني !! من أخبرك بأنها تحتاج لمربية ؟! , وكيف اتفقتم على هذا دون أخباري .. أبي ؟! , أنظر إلي هل أنا طفلة ؟!.
رد علي والدي بضيق : لا لست كذلك , بل أنتِ معـ...مصابة !! وتحتاجين للمساعدة شئتِ أم أبيتِ .. كفي عن هذا الكبرياء الأحمق...
قبل أن يكمل كان قد صدمني بقوله وكأنني تحت عجلات سيارة , اهتج صوتي ببكاء وغضب وأنا أقول مقاطعة : أنا أعرف تماماً ما ترمي إليه ... لكن أعطني بعض الوقت... كي .. اعتاد .. أقسم لك بأنني سأكون جيدة كفاية ولأساعدك...
_ بربك كلآرا !! كيف تساعدينني ؟! ما هذا الهراء الذي تتفوهين به ؟!, أنا من يجب عليه أن يهتم بكما ..! أنت قادرة بالفعل على الكثير , لكن... يجب عليك تقبل الواقع أرجوك...
كتمت دموعي بقسوة وحاولت بجهد ألا أنظر بحده نحو الطبيب الصامت الذي يحتضن جيني يهدئها ... قلت بجرأة وقحة :
_ وبالطبع هذه السيدة ذات المواصفات الطيبة حد الشفقة علينا لم تكن سوى اختيارك هاه ؟!.
_ كلآرا....!! " صرخ أبي مستنكراً .
بينما رد الطبيب بكل هدوء أعصاب : أنها فقط مرشحة و الخيار الآن يعود إليك...!
_ أخرسس !! ..." لآ أدري و أقسم بهذا كيف نطقت بهذه الكلمات .. أنا لست عادة من النوع المتفجر هكذا ...
صرخ بي أبي مجدداً وهو يقف : كلآرا !! , هذا يكفي ... لقد أرعبتني ليلة الأمس بما يكفي طوال عمري!! , لقد فقدتِ ذاكرتك لفترة و ظننت بأننا في العاصمة !. لقد أفزعتني !, أنتِ تعانين من مشاكل عدة وهذا بسبب عنادك و تكبرك على الحقيقة , الآن فقط عيشي كفتاة عادية و تقبلي ماحدث لك... و سوف تأتي المربية رغما عنك... وسوف تفتح عينيك ...
درات بي الغرفة و أبيض الجو فجأة ... لا , لن يغشى علي ... لأول مرة في حياتي كلها... سبعة عشر عاماً لم يصرخ بي قط ... لم أكن أسمع سوى صوته الناعم الهادئ... و لكن الآن .... أبي ..... أنه... يكرهني.... أو... الأقل يكره ما صرتُ عليه.....
لا ... رباه.... هذا لم يحدث ....تباً !, الأمور التي لا تعجبني أنكرها... أنه محق !! .... آآه آه يجب أن أخرج من هنا ...قبل أن....
حركت الكرسي المتحرك و خرجت سريعاً جداً أكاد أطير من سرعتي...
_ آه كلآرا.... مهلا .. عزيزتي !!!
_ تحتاج أن تكون وحدها ,جاك...
...بالكاد رأيت باب غرفتي , دخلتها بسرعة و أقفلت الباب بهدوء ألا يصد صوت ... حتى لا يظنني مجنونة تضرب الأبواب ...! ... بقيت ثانية فقط خلفه ... ثم أخذت أشهق ... و سالت دموعي ... وضعت يداي بقوة على فمي المحتقن أكتم الشهقات لا أريد أحد أن يعرف أو يسمع صوت بكائي... ظللت أشهق طويلا و دموعي المالحة ملئت وجهي .. بينما عيناي محمرتان جداً كما شعرت و حرارتهما تحرقني كليّ...
مالذي أخطأت به ..؟! أني أحاول أن أكون جيدة كفاية ...؟! أقسم بأنني أحاول جهدي أن أعيد نفسي القديمة.... آه أريد أمي ... تراءت لي صورتها مشوشة جداً.... لكن بشكل ما حاولت الشعور بها فبكيت أكثر و أكثر... حتى مر وقت طويل ربما ساعة ...كان الوقت لا يزال صباحاً .. وفكرت بأن حمام طويل سوف يهدئني فأنا لا أزل حانقة و أن رأيت أحداً فسأعود لغضبي و صراخي....!
فتحت باب غرفتي و انصت ... لم أسمع شيئا... هل غادر ذلك الأحمق الطبيب ؟!... لا يهم....
كان الحمام قرب غرفتي لا يفصل سوى أربعة أمتار ... قطعتها بسرعة و ملابسي بحجري... دخلته و أقفلت الباب و قربت الكرسي الصغير البلاستيكي الذي وضعه لي والدي هنا – تحت الدوش ...
بعد عشرون دقيقة أو أكثر خرجت و شممت رائحة طعام طيبة .. بالرغم من هدوئي بعد الحمام لم أرغب بتناول الطعام الآن ... أريد قرآءة كتاب ما .. أو النوم طويلاً ....
بسرعة تسللت لغرفتي و أقفلت الباب خلفي.... آوه !!
كانت هناك صينية طعام ساخن لذيذ فوق الطاولة قرب سريري.... شعرت بالغصة وبعيوني تبدأ الاختراق... لكني تماسكت بقوة فأنا لا أريد العودة لأخذ حمام آخر... اقتربت من الطاولة .. و وجدت , رز أبيض لذيذ , ستيك لحم مشوي , بعض الحساء الأبيض الذيذ بالفطر و قطع خبر محمص وعصير فاكهة بارد , وعصير برتقال طازج , و كأس ما و طبق صغير به فاكهة صغيرة ....
طرفت بعيني كثيراً .. قلت بصدمة : هذا جديد ...! حسنا .. هل يحاول أن يهدئني ؟! .
حملت الصينية الكبيرة بحذر بالغ و ضيق لأنها ثقيلة , ثم فتحت الباب لأخرج ... بعدها بثانية وقبل أن أقطع الممر بعربتي هذه ظهر والدي من طريق المطبخ .. أولاً فزع وهو يحدق بي.... تباً دائما أفزعه ... من عذره فوجهي مرعب وشكلي بائس...!!
_ لا يا ألهي...!
" آووه" قلت بقلبي وأنا أكشر بلا قصد .. اقترب مني بسرعة و أخذ الصينيه بينما هو يحدق بي بصدمة طفيفة ... كنت لا أنظر إليه بل إلى الأسفل ... عما ما أقول و كيف اعتذر....
لكن لساني نطق شيء مختلف تماما وبصوت خافت شبة مبحوح : دعنا نأكل معاً ...
_ أجل. بالطبع حبيبتي... .
دخلت المطبخ بعربتي هذه التي أكرهها كره ال... من الأفضل ألا تعرفوا ... و اصطدمت !!
بأول كرسي طراخ ! , لكني بسرعة ابتعدت بتوتر بينما سمعت صوت تأوه والدي القلق... قلت بتعثر : آوه لا مشكلة !.
و توقفت قرب الطاولة التي كانت مرتفعة قليلا بالنسبة للكرسي الذي أجلس عليه .. وضع والدي الطعام أمامي بهدوء ثم مشى قرب الفرن ليسكب له بعض الشاي... أخذت المعلقة وبدأت الأكل بلا شهية فقط لأجله ... بينما هو يتكأ يراقبني للحظات ..
قلت بعد دقيقة وأنا أنظر بحثا عن آوانٍ أو فوضى في المغسلة كما تعلمون... فوالدي لا يمكنه طبخ كل هذا خلال ساعة :
_ ممم .. هذا لذيذ , هل صنعت كل هذا ؟!.
رد بهدوء شديد : آوه لا .. جلبت سلطة الفاكهة و الرز واللحم من الخارج .. هل , اعجبتك الشوربا والعصير ؟!.
قلت بسرعة وأنا أنظر له نظرة خاطفة : آوووه لذيذ جداً , أعرف بأنك تجيد هذا أكثر مني .. حقا...
كنت أعرف بأنه الرز والستيك اللحم من الخارج كما هو واضح لذا من البداية ركزت على تناول الشوربا كثيراً حتى يسعد هذا أبي مع أنني فاقدة لشهيتي وأفكر بالنوم...
بعد دقائق سريعة انتهيت فتناولت العصير و الفاكهة بسرعة كبيرة كدت أغص , بينما أشعر بالتخمة ~~" .. بعدها استرخيت بالكرسي الغبي و انتظرت بهدوء مراقبة نقاط العصير في كأسي ..
مرت ثوان ثم تحرك والدي وسحب كرسيا لقربي .. جلست عليه و قال هامسا بلطف : هيه حبيبتي كلآرا أنتِ تعلمين بأنك و جيني أغلى وجودي أليس كذلك ؟!.
التفتُ إليه و هززت كتفي برقة أي معلومة قديمة ... كان يحدق بعيني بغرابة و تركيز .. ثم أمسك بيدي يلاعبها وهو ينظر للأسفل ... قال مجددا بهدوء : يقول لوك بأنه عرض حالتك على بروفسور في طب الأربطة و العظام يعرفه ماهر جداً و يعمل بالمدينة .. قال هذا الرجل بأن هنالك أمل ما بعودتك إلى طبيعتك بعد الفحوصات .. سيأتي لرؤيتك بعد أيام.. آمم ما أريك أنتِ ؟!.
طرفت بعيني و قلت بجمود : لا بأس بالتأكيد من المحاولة...
قال مبتسما بشكل واهن : أنها ليست محاولة صغيرتي , أنا واثق بأنك ستشفين كلياً .. لا تضعي قط في عقلك بأني أنا سأظل هكذا طوال حياتي ..!
قلت بنفسي "فات الآوان فقد تركزت الفكرة ببواطن عقلي ! " ... ابتسمت ابتسامه غريبة و قلت بهدوء : لست أدري لكني واثقة بأفكارك أبي .. وعندما تقول شيئا ما أشعر بأنه سيحدث .
اتسعت ابتسامته بينما برقت عيناه بدموع خفية ثم مال نحوي و ضمني بقوة وهو يقول بسعادة :
_ آوووه فتاتي القوية الحبيبة , أنا أحبك يا صغيرتي وسامحيني على صراخي عليك...
ضمته بقوة لأني شعرت بأنه بحاجة هو أيضا للدعم , آه والدي العزيز ... قلت اتمالك دموعي :
_ لا يوجد شيء أسامحك عليه , أنا بلهاء أبي اعذرني .. أني لا أفقد أعصابي هكذا .. فقط كنت متوترة...
تركني وهو يكاد يضحك , قال وهو يقرص أنفي : أنتِ لستِ بلهاء , هذه إهانة لي أيضاً لأنك تشبهينني وتفكرين بكل المصائب التي لا يتخيلها أحد .. أنا أعرف بأن خيالك جامح عكس شكلك !.
ثم أخذ يقهقه ... خيالي جامح عكس شكلي ... طيب يا أبي .. !
قلت ببرود : تذكر بأني اشبهك ...
_ ليس في الأفكار...!
_ و ما أدراك ! , أنت مخيف و غامض و تفعل ما يحلو لك... لا أدري كيف لكنك تعتني بنا بشكل ممتاز !.
حدق بي غير مصدق وهو يكتم ضحكة قال : طيب ما رأيك بهذا , أنت شريرة مع أنك تبدين بريئة ..! هاه تغلبي على هذا...
هززت رأسي وقلت مصدومة : أنا لستُ كذلك ..
_ بلى ! أنت ترعبيننا و خاصة لوك يخاف منك ! آوبس لا تقولي له هذا !.
ثم ضحك بسعادة , قلت بعبوس : وكأنك تقول أنني أشبة الوحوش ! , ثم أن الطبيب لوك طيب جداً وأنا لا أكرهه ...
_ آوه هذا تحسن جيد ..^^ هو صديق طيب ..
_ أجل....
ثم أخذنا نثرثر كثيراً ولم يجلب أبي سيرة المدرسة الخاصة أو المربية مهما كانت ارتحت لهذا لأني أريد التفكير بهذا لاحقاً وحدي ..
ثم خرجنا للحديقة , عاد والدي ليوقظ جيني من غفوتها ويجلبها هنا لنلعب .. و ظللنا نلعب و نضحك حتى غربت الشمس ... فعدنا للداخل و بدأت أنا ووالدي بتحضير عشاء بسيط ..
قلت لوالدي بأني أريد الذهاب غداً للمدرسة , فوافق هو بعد تردد طفيف .. ثم غادرت للنوم باكرة بعد أن جهزت حقيبتي , كان الليلة ساكنة على نحو غريب ولم أعد اسمع همسات غريبة أو أي شيء... هذا جيد يبدو بأنني اتحسن من الهلوسة و التخبط في الظلام ..!
استيقظت فجراً قبل ظهور الضوء , فاغتسلت بأسرع وقت قدرت عليه , ولبست جينز مناسب وكنزة رمادية , تناولت المسكن ثم أعدتُ ربط الضمادات حول كلا قدمي .. جففت شعري سريعاً و عندما دخلت ممر المطبخ المقابل للردهة خيل لي سماع صوتٍ ما في الردهة .
دفعتُ نفسي بسرعة إليها وحدقت بالمكان المظلم الهادئ ... ركزت بصري بتوتر وقلبي يخفق خوفاً .. لكن لم يكن هنالك من شيء.... هلوسة مجدداً , تباً .. لكن قلبي يقول شيئا آخر .. هناك شيء مريب وخطير يجري في زوايا الظلام حيث لا يشعر أحد .. أقفلت عقلي سريعاً عن التفكير في ذلك الحدث الذي جعلني أركض على الدرج...!!
أني لن أفكر فيه و تمنيت لو محيَ من ذاكرتي الغبية هذه التي تحتفظ بأشياء لا معنى لها ... أنه حلم و هلوسة ممزوجة بأصاباتي العديدة ونفسيتي الغريبة و أظهرت لي تلك الأمور ...لخوفي الفضيع على جيني و والدي... آمممم سأذهب للمطبخ الآن...!
صنعت لي بعض القهوة وشربتها بسرعة قبل أن يفيق والدي و يعاتبني عليها , ثم صنعت الشاي و بعض الخبر المحمص والبيض .... وبينما أنا منهمك بوضع الجبنة فوق الخبر شعرت بشيء خفي يمر من ورائي فلتفتُ بسرعة ولم أرى سوى الممر!!
ذو الأضاءة الخافتة والسكون المريب ..!
ارتفعت ضربات قلبي بقوة , هناك أشياء بالمنزل !!! ... أشباح !! , شياطين .. وحوش مهما كانت فهي ليست جيدة !!!
هززت رأسي و تنفسي ينقطع من التوتر .... هلوسات ..... هلوسات ..... هلوسات !!!
_ كلآرا ؟!
_ آآه !! , شهقت بقوة وأنا ألتفت بسرعة لأجد والدي يحدق بي مصدوماً قليلا واضح بأنه للتو يستيقظ من بدلة نومه الداكنة وشعره المتناثر ..
_ حبيبتي ! ماذا تفعلين في هذا الوقت الباكر؟!.
قلت بعد أن تنفست جيداً : لقد اكتفيت من النوم , أفضل أن أكون باكرة ..
_ اوه . طيب صغيرتي انتظريني سأعود بسرعة...
اختفى والدي بسرعة و تابعت أنا تناول فطوري بصعوبة من شدة توتري .. و رأيت خطوط الفجر تظهر بوضوح مع أصوات العصافير ..
أوصلني والدي للمدرسة وبالطبع جلبنا جيني النعسة معنا... ظل يدفعني حتى أدخلني المبنى متجاهلاً كلياً نظرات الطلاب المندهشة ... حدثني قليلا يمطئنني بينما هو قلق على جيني في السيارة وحدها .. و ارتاح عندما رأى تلك الآنسة "ماري" التي اعطتني الجدول تتعرف علي من بعيد و تأتي نحوي للمساعدة ..
حيت والدي سريعاً و قالت بأنها ستهتم بي وليس هنالك داعٍ للقلق... أومأ والدي و غادر بسرعة بعد أن وعدني بالحضور لأصطحابي باكراً...
مر الصف الأول بهدوء ولم يزعجني أحد وهذا اراحني كثيراً... ثم كان هناك صف الحساب لكنه بعد عشرة دقائق يبتدئ ... فتوقفت أنا في الممر الكبير أو "البهو" الذي يمرون من عنده حشود الطلاب و الاستاذة نحو الدرج الكبير أو الممرات الأخرى الصغيرة ...
وبينما أنا اشرب الماء وأتأمل جدولي المعقد شعرت بوخزة في قدمي المصابة جعلتني ارتجف لثانية , آه مالأمر لقد تناولت الدواء قبل ساعتين !!
رفع عيني وأنا أنظر بعيداً إلى لا شيء... لكن ... كان هناك شيء.... وشيء ملفت للنظر و مرعب...!!!
انقطعت حشود الطلاب لفترة ورأيت ذلك الظل المتكأ بعيداً جداً في أول المدخل , لكني لم أخطئ عيناه .. كان هو ... لقد عرفته .. في تلك الليلة التي أحاول محوها من الذاكرة ... صاحب العينين الغريبتين الحادتين وكأنه على وشك الدخول بصراع ما ..
لكن هذه المرة كان هناك هدوء ما به ... ليته يقترب من الضوء قليلا ... عيناه المنطفئتان هذه المرة تحدقان بي .. حسنا !. نحن نتبادل التحديق من أكثر من عشرة ثوان وهو بلا شك يعلم بأنني أراه يحدق بي , لكنه كما يبدو لا يهتم سوى انتبهت أم لا لنظرته ..
ياله من وقح .. !! آوووه لقد تحرك قليلا اخيراً. .. . اقترب من الضوء و ... آه !!.
فتحت فمي بلا قصد ثم سرعة ضممت شفتي بقوة ... غريب... غريب جداً .. أنه و تبا لهذا جيد المظهر... آه لاعترف بالحقيقة أنه ذو وسامة مذهلة , غريبة , فريدة , لا معقولة و.... تبدو خطيرة ... بالتأكيد أي عقل موجود بهذا الجسد الطويل الممشوق ...
ملامحه حادة الأطراف , عضلات ذراعيه و صدره بارزة من التيشيرت المناسب الذي يرتديه , يرتدي الرمادي بنفس لون عينيه الداكنة في هذه اللحظة و بنطالة الجينز الأسود .. بينما لآ أثر لـ ... حقيبة مدرسة , أو جاكت معه بالرغم من بروده الصباح !!.
كان يضع أحد يديه على حزامه و يده الأخرى مستريحة بجانبه .. عندما رفعت بصري إلى وجهه مجدداً .. آوه مبيّض البشرة بشكل مميز وكأن الشمس مسلطة على وجهه الجامد هذا شعره حالك السواد وناعم كما يبدو من استرساله حول وجهه وجبينه .. أنفه مستقيم جميل وشفتين مطبقة بصمت ولكن بلا عبوس... و آخ ..
كان لا يزال يحدق بي .. آوه لم اعتقد بأن شخص مقعداً مثلي ملفت جدا لانتباهه !!
ضيقت جبيني و ارتجف قلبي وأنا ألقي بنظرة خاطفة حولي , أهناك من أحد لـ... ربما النجدة في حالة ما قرر هذا المجهول مهاجمتي ...! لا أدري ما السبب لكنه لا يبدو لطيفاً... أبداً...
عدتُ بالنظر إليه و كأنني لمحت شبح ابتسامه هازئة ! , هل لاحظ توتري...؟! ولما يحدق بي هكذا هذا المعتوة الوسيم ؟!
قلت برعب وأنا أحسب المسافة نحو المدخل إلى الصفوف : ماذا تريد ؟!.
نظرت إليه بتوتر و صدمت برعب عندما دقق النظر بي بعبوس شديد وهز بكتفيه وكأنه يجيبني من تلك المسافة البعيدة... حرك رأسه بخفه بلا مبالاة وتحرك شعره الداكن ... بينما ومضت عيناه بلون ذهبي خطير وكأن أفكاره تغيرت...!
لكني أجفلت وحاولت التحرك بسرعة غير أن أوراقي التي بحجري سقطت متناثر على الأرض , عظيم !!... عظيم للغاية !!.
شخص ما تحرك من جانبي وانحنى ليلتقطها كلها بحركة واحد .. ثم استقام ...
نظرت لعينين زرقاوين فاتحتين جداً كلون سماء الفجر... كان هذا الآخر ... اللعنة أني لا استيقظ من الكوابيس بسهولة والهلاوس بدأت تتحقق .... كان هو الشاب الآخر في الظلام أنا واثقة... هو الذي كان يشاجر ذلك الآخر..
قلت بسرعة وبخوف شديد وكأنني محاصرة : ماذا تريد ؟!!!
تراجع خطوة عني لأنه كان قريب جدا ... وبدا هو أيضا واضح الوسامة والهالة المخيفة التي تحيطه , بشرته البيضاء و تقاسيمه الحادة و شعره ... مهلاً... شعره بني ذهبي فاتح قليلا ... وملابسه كان أيضا تيشيرت خفيف أزرق داكن وبنطال جينز أسود .. !!
مد لي بأوراقي بينما أنا أشعر بأنني محاصرة وعلى وشك الدخول بمعركة ..
سمعت صوته يقول شيئا .. وتأكدت بأنه نفس الصوت الحاد الذي كان يزمجر بالظلام .. أريد أن أتحرك وأن أهرب لست واثقة مما , لكن لا أريد من تلك الهلوسة كما أظنها أن تكون حقيقية ..!! لم أكن مرعوبة منه لكني خائفة مما حدث أن يكون حقيقياً جداً...
شعرت بالبؤس .. كم أنا جبانة مرعوبة لا استطيع مواجهة ما حدث ..
_ هيه ؟!
سرت كهرباء قوية بجسدي , فحدقت به مجدداً , يبدو ألطف قليلا , بالرغم من عبوسه هذا الغريب... مد لي بأوراقي وهو يراقب وجهي بنظرات دقيقة ..
خطفتها منه بسرعة و أخيراً تحرك دمي بذراعيّ وبدأت أو خطوات الهروب للنجاة ... وحاولت تحريك العربة لكنها لم تتحرك أنش واحداً حتى ... تبا ما الخطب ؟!.
انتبهت أنني أما عتبات صغيرة للمدخل الآخر .. أنه ليس الممر الذي جئت منه...!
_ تماسكِ سأرفعك..
_ ممـ... ماذا ؟!.
شهقت وأنا أشعر به خلفي يمسك بالعربة , قلت برعب : لا .. لا .. اتركني... مهلاً...
صعد بي الدرجات وأنا مسحوبة الانفاس خوفاً كأنه لا وزن لي... وضعني أرضاً بهدوء ثم جاء أمامي ليقف. ..
_ استرخي فقط , أنا لا أعض .. حالياً.
أضاف كلماته ببرود مع ابتسامة ساخرة للغاية اضافت لوسامته كماً رهيباً . رغم هذا لم يكن مرعباً كذلك الآخر ذو العيون المميتة , نظرت إليه بتوتر أولاً ثم عدلت نظرتي سريعاً للحده , كان هناك بعض الطلاب يسيرون بعيداً ولم ينتبه أحد لهذا الشخص الغريب...
حسنا أن حاول فعل شيء فسوف أصرخ إلى أن أسمع أصوات تحطم الزجاج !!
_ نصيحة إياك أن تفعلي ما تفكرين به مهما كان .
وذكرني هذا بصوت غريب أتى من الغابة في ظلام الليل ... أكان هو ... قلت بخوف وأنا أتراجع عنه قليلا : ماذا ؟!.
_ تراجعي أكثر وستسقطين على رأسك !.
توقفت بسرعة , الدرج خلفي...!! , اقترب خطوة وبدا طويلاً جداً .. قال وهو ينحنى قليلا نحوي :
_ اعتمدي علي , سأوصلك بسلام لصفك ..
هززت رأسي خوفاً وأنا أشهق : لا .. ابتعد .. سأذهب بنفسي .
_ مشكلتك هي .. عدم الثقة بأي شيء... حتى نفسك .
قام بدفعي برفق وسهولة إلى الأمام بينما تشنج كل جسدي , قلت بصوت يرتجف : ما شأنك ! , أتركني قلت لك...!
_ صدقيني أنتِ لن تواجهي كل هذا وحدك كلآرا.
تنفست بصعوبة من كل نبراته الباردة والواثقة , اعتصرت دماغي استرجع اللحظات المخيفة التي أحاول قتلها منذ زمن ... لقد ذكرت اسماء في تلك المحادثات القاسية .. اسم... آه ... كان هناك "دانييل"....! لكنه ليس هو ... "ليونارد"... هذا الذي خلفي .
وهم يعرفون اسمي .. وكانوا بمنزلي ... مع.... شيء آخر ...!
_ آآووه , تنهدت بضيق وخوف .. كل شيء حقيقي ! . والآن مالعمل ؟؟!.
_ ما كانت هذه ؟, استسلام للحقيقة .
سمعت نبرته الساخرة فرددت بحده : أنا لا استسلم لشيء .
دخلنا الممر الكبير الذي به عدد كبير من الطلاب والفصول , ولاحظت بأن أغلبهم التفت ليحدق , ليس إلي أنما... إليه هو...
همس بشيء ما وكأنه يحدث نفسه ثم عاد الجميع للانشغال بأنفسهم... وكأنه لا وجود لنا .. هذا يعجبني...!
توقف أمام أحد الفصول و مشى من جانبي بكل ثقة وكبرياء ليفتح الباب , كانت حركاته سلسة رشيقة وجميلة مثل وجهه ..
نظر نحوي وقال بهدوء بينما أنا أدفع نفسي للدخول : نحن في نفس الصف...
اوقفني هذا رغماً عني وحدق به بتعب لطوله الشديد , قلت بحده : ماذا ؟!.
_ دعينا نجلس و سأحدثك عن نفسي ..
_ لا التحدث إليكم ولا رؤيتكم , فقط ابتعدوا عنا .. فقط هذا كل شيء.
لمعت عيناه بشكل مخيف وتحرك أمامي للصف توقف جانباً و لزم الصمت وعيناه تراقبانني بتركيز يرعب .. تحركت بضيق و صرتُ خلف أحد الطاولات الخشبية وحاولت أن أتأكد من أوراقي ... لكنه تحرك بعد سكونه الغريب و جاء ليجلس إلى جانبي..!!!
نظرت إليه بخوف أولا ثم تمالكتُ نفسي... قلت بتوتر وكأني أخشى أن ينقض علي ويقتلني : ألم أقل ابتعد عني ؟!.
_ قلتها حتى الآن ثلاث مرات , وكان من الواضح أنني اتجاهل ما تطلبين يا آنسة .. فعندي واجب أقوم به .. لذا اهدئي.
فجأة تملكني فضول مريع لكل شيء... قلت بتلعثم : مالأمر ؟!.
نظر في عيني بتأمل غريب وعبوس , فهمس : أمور .. وليست أمر واحد .. لكن المهم الآن أن تهدئي اتفقنا.
لكني عدتُ وقلت : لقد .. رأيتكم من قبل . أنت تعرف أين ..
كنت أريد التأكد من تلك الفضاعة التي حدثت , وضع يديه فوق الطاولة و قال بهمس طفيف : جيد وسيء بنفس الوقت .
قلت بسرعة : ما كان اسمك ؟!.
_ ليونارد , يمكنك مناداتي بـ ليون فقط ان احببت .
هززت رأسي مستنكرة وهمست وأنا أرى طلاباً يدخلون : نحن لسنا اصدقاء , كما أني أشكر لك اهتمامك الغريب لكن...
قاطعني ببرود وسخرية : هذا ليس المطلوب . و لا يمكنني تركك قريباً .. سواءً اعتدتِ على وجودي أم لا ..
قلت بغيض : يمكنني جعل والدي يلكمك بقوة ..
_ لست اوافقك الرأي , في الواقع أظنه سيكون إلى جانبي عندما يعلم السبب... لكن....
نظر إلي بجدية اخافتني ... وأكمل : لكن .. يمكنك أن تكوني أكثر تكتماً إلى أن نحل المشكلة.
بلعت ريقي وقلت : أنت و رفيقك ذاك ..!
_ رفيقي ذاك يدعى دانييـل .. وهو لا يحب أن تخرج الأمور عن السيطرة.
قلت برعب وقلبي يضرب بقوة : أنا خائفة على والدي وأختى الصغيرة ..أنـ...
قاطعني بلطف غريب هذه المرة : قلت قبلاً ألا تقلقي بشأنهما أبداً أنهما أكثر حظاً منك .
نظرت إليه بشكل كسير بائس , كنت أعلم هذا .. لمَ عليهم تذكيري بأن حظي لعين ؟! ..
تابع فجأة برقه أكثر وهو يميل برأسه : أعلمي بأني هنا للمساعدة , أنا لستُ العدو !.
ضاق جبيني قليلاً , وللبرهة نتبادل النظرات ... في الواقع هو لا يبدو شخصاً سيئا .. مع أنهم أخافوني حد الموت في البداية !!
دخلت معلمة الحساب وهي تحيي الصف بمرح شديد قاطع الجو الغريب الذي يحيطنا .. فنظرت نحو هذا الفتى الغريب الذي يبدو أكبر من عمره بكثير , والوسيم بشكل يخيف أيضاً .. بادلني نظرة نهائية ثم اسند ظهره لمقعده ... حاولت الاسترخاء طوال الصف لكني لم أقدر ... كنت أمسك القلم ويدي ترتجف وعلمت بأن حياتي لن تعود قط.... قط إلى ما كانت عليه...!
أنا لن أكون بخير , يا ألهي ساعدني...!
__________________


.
.
.
داوي جراحي وأسكب عليها بلسما
وأعني على مضيِ الأيام، وعالج جراحي كي لا تزيد فوق ألامي ألماً
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-17-2018, 01:56 PM
 
( شيء خاطئ وعيون زئبقية )

شيء خاطئ وعيون زئبقية


دوى صوت خطواتي في المنزل الشبة مظلم وكأن الوقت الغروب , قلت مفكرة بدهشة , لقد شفيت بسرعة غريبة وأنا أقف على قدمي ...
حدقت بالدرج الطويل المفضي للطابق الأعلى المظلم بشكل أشد ..
ناديت : أبي .. ؟!
لكن لم أتلقى رداً ... كان الصمت شديداً .. صعدت الدرج بتوتر غريب انتابني .. مالأمر , أين أبي ؟!.و أين جيني ؟!.
مشيت بالممر في العتمة وخوفي يزداد .. مررت من نافذة الممر و سمعت صوت غراباً عالياً فوق الشجرة قرب النافذة , حدقت بضيق في الغراب الأسود الذي بادلني التحديق بعينيه السوداوين .. فتشاءمت منه و شعرت بالسؤ ...
تبا .. أني لا اعتقد بهذا !... لكني على حافة الرعب !.
ناديت بأنفاس مقطعة وأنا أحدق بالممر الذي يغرق بالظلام أكثر وأكثر : أبي ؟! أ...أبي ؟!.
مرت ثانية ثم سمعت صوت اجابني ..." تا...تاتا ... تاا ..."
شهقت وقلبي يقع من مكانه : جينـــييي !!
وركضت بالظلام أناديها : جيني ... حبيبتي , أين أنتِ ؟!... رباه جيني ..
رأيتها تزحف داخل غرفة ما مفتوح بابها , فهرعت خلفها اتخبط , لا أدري كيف لكن الطفلة وهي تزحف أسرع مني وأنا أركض !!
دخلت خلفها شبة ميتة من الرعب أتذكر الوحش ذو العيون الحمراء قد يقتلها...!
لكن ما رأيته شيء آخر تماماً...
كانت الطفلة تزحف نحو شخص ما واقف أمام النافذة التي يطلع منها القمر المكتمل الكبير ..ولم أرى ملامحه .. لكنه رجل كبير بمعطف بني , أنحنى هو و حمل جيني برقة ... شعرت به يحدق بي عندما اعتل منتصباً.
مد إلي بيده ... كانت تتدلى منها سلسلة فضية ناعمة للغاية , بنهايتها عقدة ما ... لم أفهم ....!!
حدقت به جيداً , ماذا يريد ؟!.. لكن الصمت كان مطبقاً هنا , .. كما أنني لاحظت لون عينيه الذي برق فجأة .. عينان خضراء رمادية عميقة ... وابتسامه صغيرة جداً...
_ آ آ ه ه ...!!
شهقت منتفضة بقوة هزت كل أوصالي...
_ آوه آسفة جداً , هل أنت بخير ؟!
انتبهت للخشب الذي أمام أنفي , دار رأسي لثانية ثم رفعته لأعود للواقع ... حدقت بفتاتين واقفتين قربي .. أحداهما بشعر أشقر داكن والأخرى بشعر بني محمر قصير , ينظران نحوي وكأنني مجنونة صعقت بكهرباء !.
قالت الفتاة الشقراء بأسف مجدداً : آسفة , كنتِ نائمة بعمق وقد انتهى الصف منذ وقت طويل..!
لكن الفتاة الأخرى قالت بصوت رنان منفعل قليلا : لكني لست آسفة !, بدا لي أنك تواجهين كابوساً , كنت ترتجفين فترة طويلة قبل أن نعيدك للواقع...
ثم ابتسمت بذكاء .. فحدقت بها رفيقتها بخجل وقالت بينما أنا اعدل شعري المنفوش وارتب قميصي :
_ آمم المهم الآن كيف تشعرين تبدين شاحبة ..
بللت شفتي واستعدت انفاسي لأقول بهدوء : آوه شكراً , أنا بخير...
قالت الفتاة ذات الشعر القصير بلطف : هل تحبين أن تشربي معنا شيء ما ؟.
ترددت وأنا أنظر لهما , لست واثقة .. أيمكنني هذا . أشعر بأني أود العودة للبيت لأطمئن على جيني و والدي ..متأكدة أنه ليس الذي بالحلم الغريب...! وياله من نوع غريب من الغرابة !.
_ لا أظن أنـ...
قاطعتني الفتاة نفسها : صدقيني , ليمون بارد ممتاز جداً .. بالمناسبة أنا لونا وهذه ستيلا . أنت كلآرا صحيح ؟!
حدقت بهما بتوتر , عقلي يعمل بكد وتعب ... حسنا...
ابتسمت بوهن و قلت : تشرفت , لونا , ستيلا .. حسنا لا بأس بالنسبة للعصير.
سارت لونا بجانبي و ستيلا أمامنا .. وهما يبطئان السير لأجلي .. فحاولت ألا أبدو بائسة متعبة .. بينما أحداث الحلم تدور بعقلي .. جلسنا في المطعم الذي كان واسعا جداً ومكتظا ً بالطلاب والأصوات .. حدقت بالساعة بينما ذهبت ستيلا لجلب العصير .. كانت الساعة الثانية عشرة ظهراً , كما أنه بقي صف واحد فقط لمدة ساعة و أعود للبيت...
شعرت بأني غائبة عن البيت منذ شهر ... أود بشدة رؤية أبي و جيني ... لكني لا أريد أن أكون حمقاء .. سأهدأ .. كل شيء بخير... ذلك كان مجرد حلم ...
_ إذن .. كنا معاً في صف الحساب ^^.
كانت لونا تبتسم لي , فبادلتها الابتسام .. قالت وهي تنظر حولها بحماس : هي , كان بجانبك شاب ما غريب , أعني جديد .. هل تعرفين من هو ؟!.
التفت نحوها فكانت تغمز لي مازحة .. شاب , من ؟!... عمل عقلي بتعب أكثر ولم اتذكر شيئا...
لكني عدت للنظر متظاهرة بالتفكير بعيداً نحو الشرفات التي تطل على الخارج . واتسعت عيناي , لقد رأيته و تذكرته فوراً , وكان هو أيضاً يحدق بي بعبوس وعيون حادة ضيقة ولامعه من هذا البعد ...! كان يتكأ وحده على جدار جانبي حيث لا يراه أي أحد ألا من موقعي أو قريب ...
اللعنة ! , قلت بقلبي وأنا أعض شفتي ... ماكان اسمه ... تبا كنت آمل بأن كل شيء حلم أو كابوس .. أو هلوسة غبية...
كان يحدق بي بذقن مرفوعة وبرود , وكأنه يعرف ما أفكر به ويقول ساخراً شئت أم أبيت هذا كله حقيقي ..
_ آه ..
_ ماذا ؟!... إلى أين تنظرين ؟!.
قالت لونا بفضول وهي تحاول النظر حيث أنظر , قلت لها بتوتر : آه لا شيء... فقط أردت فجأة العودة للبيت...
نظرت نحوي بعطف وقالت برقة : آه لا عليكِ بقيت ساعة واحدة , لنا جميعاً , آوه صحيح أريني جدولك لأرى أن كنا بنفس الصف , أنا وستيلا نأخذ نفس الدروس ونستمتع معاً .. ماذا عنك ؟.. سيكون جميلاً أن كان لديك صف تاريخ بعد قليل...
أريتها ورقة الجدول بهدوء وقلت بتهذيب : شكراً , هذا لطف منك .
_ آوووه ... تقريباً نفس الجدول . لديك تاريخ بعد قليل , هذا رائع .
ابتسمت لها , و أقبلت علينا ستيلا بأكواب العصير .. شربنا قليلا , لكن الفتيات كما هو واضح فضوليات لأمري .. وأخذن يسألنني من أين قدمت وأين أسكن و من هم أفراد عائلتي ..
من الجيد أنهن لم يسألن شيئا عن أصابتي .. أو مالذي حدث .. فقط كنت كالطالبة الجديدة الآن !.
سرنا لصف التاريخ كان واسعاً وعدد الطلاب ليس كثير جداً .. كما أن المقاعد متفرقة بشكل عامودي , جلسنا أنا والفتيات بمستوى واحد .. ودخل الطلاب ليشغلوا مقاعدهم .. ضاحكين مثرثرين مع بعضهم ..
وفجأة دخل ... ذلك الشاب الغريب , ساد صمت غريب لثوان , ثم عاد الكل للكلام بصوت اهدأ قليلا وبحماس متوتر وعيون فضولية إليه ...
آخ تذكرت اسمه .. ليونارد... طيب .. لا أزال لا أفهم مالذي يريده ...
سار ببطء وبرشاقة بين المقاعد مر من جانبي متجاهلاً إياي تماماً و جلس خلفي بصمت ... لقد تصلب جسدي وتوترت كثيراً بسببه .. لكني حاولت الاسترخاء أكثر وأكثر وأحاول أن استعيد حواري السابق معه....
أني مرهقة وما كان علي النوم في الصف , ولما لم يوقظني هذا الابله خلفي .. تركني نائمة وخرج .. , المهم ماذا كان يقول لي... آه ... آه ... شيئا ما عن... محاولة حل مشكلة ؟! , وأنه للمساعدة هنا....!
أني لا أرى فيه شيئا يساعد =.=" ...
دخل استاذ التاريخ , رجل بدين لطيف ... و بدأ الشرح من فوره , ولم يلاحظ وجود طلاب جدد .. هذا جيد بالنسبة لي... لا أحب أن يلاحظني أحد .. سيكون هذا مريحاً جداً...
مر الصف بسهولة وسلام .. ثم قرأ الاستاذ الاسماء وانتبه لي و ذكر كذلك اسم ليونارد ..لكنه لم ينطق اسم العائلة .. هز رأسه عندما رآنا ولم يعلق على شيء... فتاة مقعدة تبدو كالأشباح , وفتى غامض يبدو كمصاص دماء ..!
عندما هممت بالحركة , سمعته يقف .. ثم اقترب إلى جانبي الآخر من جهة الجدار ... همس وهو ينظر بعيداً وكأنه لا يحدثني :
_ سأدفعك أنا , اطلبي من رفيقاتك الذهاب , أن سألن عني . قولي بأني صديق قديم ..
رفعت رأسي أنظر إليه , آخ عنقي !.. أنه طويل . المهم أني سمعته لا حاجة للنظر إليه .. التفتُ لأنظر نحو الفتاتين اللتين تحدقان بنا بتوتر و غرابة ...
ابتسمت لهما وتحركت قليلا , فاقتربتا وقالت ستيلا : لقد انتهينا أخيراً الاسبوع المقبل ستبدأ الاختبارات التقويمية ... هممم هل نخرج الآن ؟!.
ابتسمت بتوتر وألقيت نظرة سريعة على الذي خلفي قرب النافذة , قلت بأسف أنظر إليهما : أجل لكن , هو سيرافقني...
نظرن نحو بخجل , ثم قالت لونا : آه , هذا صديقك .. صحيح !.
قلت سريعاً : أنه مجرد ... صديق قديم . سيساعدني ..
هزت الفتيات رؤوسهن تفهماً , فمن الواضح جداً لهن أن ليونارد غير مهتم أبداً سوى بالمساعدة... كما أن وجهه لا يوحي بأنه مستمتع بالأمر ...!!
قالت لونا بمرح : حسنا إذن . نراك غداً ^^
_ إلى اللقاء كلآرا...
ودعنني و خرجن سريعاً , ارتحت لهاتين الفتاتين الطيبتين ... وشكرت الله , لا تبدوان من أصحاب الفضول الشديد بل فضول طبيعي يمكنني التعامل معه...
سأحدث والدي عنهما و سيسعد هو و يرتاح قلبه أن رآني أشق طريقي الطبيعي في الحياة !.. آه ياله من وضع ...
دفعني ليونارد فجأة فشهقت وتمسكت بقوة ... قلت بتوتر : هاي , من فضلك .. استطيع دفع نفسي .
_ كلا , ابقي هادئة ..
رد علي ببروده فصمتُ وهو لم ينطق كذلك , عند العتبات كان يرفعني وكنت مصدومة جداً منه , أنه يرفعني بكرسيي وكأن لا وزن لي ..! كأنه يرفع كتاباً عن الأرض .. ثم يضعني بسرعة وخفة قبل أن يلتفت أحد نحونا ...! أنه غريب جداً ... ترى ما يكون ؟!
أصبحنا في الباحة المتربة ... أوقفني بمكان ممتاز بعيد عن سير الطلاب وقريب من البوابة حيث أرى السيارات ...
تركني و سار قليلا ليقف في ظل شجرة يراقبني بنظراته الغريبة الدقيقة .. وكأنه يتوقع أن أتحول لدودة أرض أو ماشابه !!
_ هاي كلآرا !.
التفت بسرعة نحو مصدر صوت هادئ لطيف , فرأيته .. أنه أليكس .. الفتى الهادئ... رأيته يترك رفاقه و يتقدم إلي ...
دهشت وهو يرمي لي بقطعة شوكولا من مسافة قصيرة ... امسكت بها مبتسمة بمرح ..
قلت ضاحكة : آه شكراً ..
_ كيف حالك ؟!.
توقف بجانبي وهو يراقب السيارات ...
_ أفضل , وأنت ؟!.
ابتسم وهو يرد : جيد جداً , مع أنك تبدين شاحبة مرهقة , لكنك قد تحسنت .. كيف كانت الدروس ؟!.
مع أنه في الخامسة عشرة لكني أشعر بأنه أكبر مني بكثير... تنهدت وقلت بهدوء : لا بأس بها ...
بالطبع لن أذكر بأني نمت في آخر الصف ...حدثني قليلا عن دروسه وكم كانت مملة تجلب الصداع , ثم تحدث عن الجو الملبد بغيوم بيضاء لا تنذر بشيء سيء ... بعدها بثوان سمعت صوت والدي ينادي ..
كان يقف بالسيارة أمام البوابة تماماً .. جعل هذا بعض الطلاب ينزعجون .. لكنه لم يبال بهم بل اشار إلي بيده وقد رسم ابتسامه صغيرة ... تسائلت هل جيني معه ؟!
قال أليكس : سأساعدك ..
وأخذ يدفعني برفق نحو السيارة , في حين خرج والدي .. التفت بي وانحنى والدي يريد حملي , وأمام الفتية مستحيل ..
قلت بسرعة وخجل : لا .. لا أبي أنا أرفع نفسي ...
تراجع أليكس يكتم ضحكة من تعابير وجهي ... لكن والدي طبعا لم يستمع لي .. بل بسرعة خاطفة رفعني و وضعني على المقعد الجلدي البارد ... حدقت به بغيض لكنه تجاهلني و أخذ الكرسي... تقدم أليكس وقال بمرح :
_ اراك لاحقاً , كوني بخير ...
_ شكرا لك أليكس ..
أقترب أبي وصافح أليكس وشكره وعرض عليه أن يوصله أيضا , لكن أليكس رفض لأنه سيذهب مع رفاقه للدراسة بمكان ما ... صعد والدي وراء المقود و تحرك بسرعة ...
_ هاي حبيبتي , كيف كان يومك ..؟!
_ جيد جداً , كان اليوم لطيفاً ..الدروس لا بأس بها وقد تعرفت إلى بعض الفتيات.
تعمدت البدء بالثرثرة وحذفت ذكر ليونارد الغامض وتلك الأحاديث المخيفة ..!
نظر نحوي نظرة خاطفة وابتسم بحنان, علق قائلا وهو يحدق بالطريق : آوه هذا رائع .. سترين أنه يوما عن يوم ستتحسن الأوضاع بكل شيء... الزمن كفيل بعلاج الجراح.
_ واو يالها من حكمة عميقة . لا بأس أنت محق ..
ثم هززت رأسي وقلت فجأة : مهلاً ... أين جيني ؟!.
قال أبي بارتياح : نائمة بالمنزل .. للتو تغذت ونامت تلك المزعجة الصغيرة ..
سألته بهدوء : ماذا عن عملك ؟!.
_ أني جيد تماماً بالأمور الادارية ..تعرفين هذا عزيزتي كما أن الوظيفة رائعة والمرتب ممتاز .. أنه لا يجعلني امتيازاً لشيء لأنه صديق قديم لوالدي .. لكن السيد فرانس رجل قدير جداً .
غاص قلبي فجأة وقد عادت ذكرى الحلم ... والد أبي... هو من كان بالحلم ...!! آووه .. لأن ...لون عينيه مشابه تقريباً لعيني أيضاً... ما ... ما شأنه ؟! , وما .. كان يريد.... وما شأن جيني ؟!...
تقلصت معدتي اضطراباً , فحاولت أن اهدأ ... يجب أن اهدأ ....
حدق بي أبي وقال بتردد : حبيبتي ؟!.
هززت شعري ونظر إليه احاول الابتسام و طمظانته ...وصلنا للمنزل وقدم لي والدي بعض الطعام , ثم صعد ليطمئن على جيني ...
دخلت بغرفتي وضعت حقيبتي ولم أبدل ملابسي ... فقط غسلت وجهي و لملمت شعري مجدداً .. ثم أخذت بعض كتبي للدراسة بالردهة ...
قفزت من كرسيي إلى الأريكة الواسعة بسعادة دون أن يراني أحد و يهلع .. ثم وضع كتبي على الطاولة وقربتها مني ... بدأت أحل الواجبات ... ثم ظهر أبي يمشي بسرعة ...
حدقت به وهو يفتح بعض الأدراج بعصبية يبحث عن شيء ما ..
قلت بتوتر : ما لأمر ؟!.
قال آسفاً بهدوء : آوه لا شيء مهم , أظنني وضعته بمكان ما ونسيت ..
_ ماذا ؟!
_ مفتاح الغرفة .. آه غرفة الرسم , بها أموراً أريد رؤيتها... لكنها مقفلة ولا أدري أين اختفى المفتاح !.
ضيقت جبيني .. غرفة الرسم .. اقترب مني و ألقى إلي بجهاز الاستماع الخاص بـ جيني ...قال
_ ابقي هذا معك قليلا حبيبتي .. سأبحث بعض الوقت...
أومأت بهدوء وهو ذهب نحو غرفة المكتب .. عندما عدت لمحاولة حل واجباتي , واجهتني الصعوبة وكنت أحدق فاغرة لا أفهم شيئاً ... تأوهت بحنق ! .
أني بحاجة ماسة فعلاً لمدرس خاص أو مدرسة مهما كانت !!... وهم كانوا على حق .. تباً !.
أغمضت عيناي بقوة و حككت جبيني , بعد ثانية سمعت شيئاً... فتحت عيناي بسرعة و حدقت بالجهاز اللاسلكي !.
لقد سمعت صوت تكة ما .. كأنه نافذة تفتح أو باب أو....
" تاتتا .. دوي .. مما.. ماما... تاتا... بابا...! آبا ... "
شعرت بكهرباء تضربني ... جيني مستيقظة , و كأنها تتحدث مع نفسها .. أو....
_ أبيييي !!!
ناديت بصوت عالي... فسمعت صوت خطواته السريعة راكضة .. دخل فزعا وهو يقول بعيون متسعة :
_ ماذا ؟! مالأمر... كلآرا ؟!
_ جيني ...!
فكرت قد يكون الأمر سخيفاً ... لكني تابعت بصوت مضطرب بينما والدي يحدق بي وكأنني قد جننت :
_ آه جيني ..لقد استيقظت كما يبدو , اسمعها تتكلم .. لقد افزعتني قليلاً ..
_ آوه !.
تنهد والدي ثم قال وهو يتحرك خارجاً : سأجلبها إن كانت مستيقظة ..
بعد دقيقة عاد و جيني تصفق بمرح بين ذراعيه ومعه بطانية صغيرة ولعبتها البلاستيكية وضعها على الأرض فوق بطانيتها وسلمها اللعبة .. ثم نظر نحوي وقال بوقار :
_ سأذهب لصنع القهوة , أتحبين أن تشربي قليلا ؟!.
قلت بهمس : أجل ..
أخيراً لا يعترض على شرب القهوة .. تابعت بريبة خافتة : آممم بقليل من السكر والكريمة... ربما ؟!.
أومأ موافقاً و غادر , عدت لمحاولة حل واجباتي بينما جيني تزعجني بصوتها ولعبها , آه لقد بالغت في ردة فعلي مجدداً لم يكن هناك من شيء مقلق ..
نظرت نحو الصغيرة ابتسمت لها فضحكت و قبضت على شيء ما في الأرض ثم وضعته بسرعة خاطفة بفمها , أنا صدمت رعباً وسقط فكي وأنا أحدق بها ... هي على بعد مترين تقريباً ... لذا وبلا تفكير كثير لانقذ الطفلة ..
قفزت من مكاني إلى الأرض إلا بي قربها مددت ذراعي أسحبها إلى حجري و أمسك بوجهها بين يدي وهي أخذت تقاومني بعصبية وقد أقفلت فمها بأحكام !!
صرخت بصوت مرعوب : جينيييي ! افتحي فمك ! مالذي بلعته ؟!... افتحي فمك يافتاة...!!
وحاولت أن افتح فمها ونجحت ثم سحبت بأصابعي ما كانت تحاول بلعه ... كانت قطعة فضية صغيرة .. تشبه جرس صغير جداً !
حدقت به ما هذا ؟!
دخل والدي فجأة وهو فزع قليلا وكأنه سمعني ... هرع نحونا وكان مرعوبا مني أكثر مما حدث لجيني ...
_ يا ألهي ! كلآرا مالذي حدث ؟!
_ لقد أخرجت هذا من فم جيني ...
و ألقيت القطعة الفضية بيده , حدق بها قليلا بدهشة ثم نهض واقفا و رفع جيني من بين يدي ليضعها جانبا بسلام وكانت هي على وشك البكاء وعيونها الجميلة الواسعة تلمع بالدموع .. ثم ساعدني على الوقوف والجلوس مجدداً...
_ هل تأذيت ؟! كيف اصبحت بجانبها ؟...عليك الحذر كثيراً حبيبتي.
_ أني بخير أبي لكن جينـي أ....
وقاطعنا صوت صراخها العالي و موجة بكاء شديدة فلتفت إليها أبي بسرعة و حملها يهدهدها بين ذراعيه لكنها لم تسكت بقي تبكي بحرقة وصوت عالي ... فجأة صدر صوت هسيس من المطبخ !
قال والدي فزعاً : القهوة !!!
قلت بسرعة : اعطني جيني ...
سلمني إياها رغما عنه و هرع يركض للمطبخ . كان الله بعون والدي .. أنه يعمل و يهتم بنا وبالمنزل بنفس الوقت !! .
تبا متى اشفى ><...!
صرختُ متألمة عندما أخذت جيني تشد شعري بقوة بكلتا يديها وهي تصيح غضبا مني ربما لأني اخذت ذلك الشيء من فمها المتلهف !!
_ جيني !! آآخ توقفي عن هذا ><!!
امسكتها بأحكام لكن دون قسوة و حاولت تهدئتها ..
_ ياحبيبتي الغاضبة ! هل أنتِ غاضبة مني ؟ , آوه كم أنا سيئة كلآرا فتاة سيئة .. جيني الفتاة الأجمل على الأطلاق ..
أخذت تحدق بي بريبة وأنا امسح دموعها عن خديها الممتلئين المحمرين ..واقبلها بحب واضمها إلى قلبي .. ياحبيبتي ~
بعدها بشكل غريب هدئت وأخذت تلمس وجهي بلطف وتحدق بعيني بتركيز تتعرف إلى حالتي وشعوري نحوها ...
فابتسمت لها واظهرت اسناني ... فاستغربت وهي تكور قبضتها لتدخلها بفمي ..
_ اوه مهلك يافتاة !... هنا يجب ان تتوقفي هاها ها ..جيني !.
ودخل والدي وهو يمسك بصينية القهوة يحدق بنا ..فابتسم بحب و وضع الصينية جانباً ليأتي وليجلس بجانبي ليضمنا معاً أنا و الطفلة ...
_ مالذي تفعلنه أجمل فتاتين بالعالم ..؟! هاه كم أحبكما ..
ما أجمل هذا الشعور , يجب أن احتفظ به بالذاكرة لأطول أمد .. نهض والدي وحمل جيني السعيدة به ليجلس على أريكة مفردة قربي والصغيرة على ركبتيه , ثم سكب القهوة و مد لي بالفنجان ..
ظل هو وجيني يمرحان ويتحدثان معا و أنا عجزت عن المذاكرة لصعوبة ما أجده .. فالدروس هنا مختلفة وأشعر بأنها أكثر صعوبة ودقة ... كما أني لم أحب المدرسة كثيراً مع أن بعض المعلمين تعاطفوا مع حالتي أنني جديدة وفوت علي نصف الفصل الدراسي فقال لي أحدهم أنهم سيأجلون بعض الامتحانات الدورية من أجلي .. وهذا جيد .. لكن الصعوبة ستبقى كما هي...!
أتى المساء , قام والدي بتسخين بعض الطعام الذي جلبه مجهزاً و صنع العصير بينما أنا أعد السلطة وجيني خلفي بكرسيها الخاص ترميني أحيانا باللعبة كي التفت إليها فقط .. كما أنا تنادي أبي و تظل معلقة على الكلمة " بابابابابابابابباب...."
إلى أن يرد أبي عليها برقة : نعم يا ملكة روحي....
أو من تلك الكلمات الجميلة حتى تفرح و تصمت بعض الوقت , لتعيد الكرة برميي باللعب ><"...
بعد العشاء اتصل أحدهم واستطيع ان اخمن من يكون ..
كنا بالردهة وجيني نسعِه جداً تشرب الحليب من الزجاجة فوق اريكتها وهي على وشك النوم .. اخيراً سينام مصدر ازعاجنا !
بينما أتأمل منظر الأشجار في الخارج من جانب الستار , كان والدي يحدث الطبيب "لوك" بالهاتف كلاما عادياً وتبادل تحيات ..
ثم فجأة سمعت أبي يقول بجدية : ماذا ؟! , غداً ..
ألقى إلي بنظره سريعة جداً وكأنه لا يريدني أن انتبه له لكن عيناي تركزت عليه ..
_ آه بالطبع .. بعد المدرسة , هممم ... من ؟!
فجأة تغير صوت أبي ليكون حاداً فلتفتُ إليه بكامل جسدي بقلق ... نطق كلمة "من" بعصبية !!
رأيته شاحباً وعيناه ضيقتان حادتان .. تنفس بحده وقال بصوت حاد لكن منخفض وهو يلقي بنظرة قلقه إلى جيني النائمة :
_ آوه لا . لا . لا ... لو سمحت لوك .. لم نعرف هذا ولا أظننا نريده .. لا يمكنك فعل هذا بي !!.
فتحت فمي بقلقٍ ودهشة ... مالذي يحدث ؟!
كان والدي غاضباً بالرغم من أدب كلامه .. قال مجدداً : هي من اقترح هذا ! , عفواً لكني لا أعرف اختك !!!
خفق قلبي بقوة توتراً ... هي ! أختك ...! من .. وعما يتحدثان ><!! اكاد أموت فضولاً وقلقاً...!
_ تعرفنا ربما !.. لقد وضعت بعقلي سيدة عجوز ذكية .. لا شابة غريبة , آسف لوك , لكني لا أعرف عائلتك تماماً ..ولا أعلم بأن لديك أختاً حتى .. ولا أظن بأن فتاتيّ يعرفان ويتوقعان هذا...
صمت والدي فترة طويلة وهو لا ينظر إلي لقد أعطاني ظهره وأنا أعرف عندما يفعل هذا .. فهي حانق جداً ولا يريد من ابنته رؤيته هكذا ...!
لكني رأيته من قبل كثيراً وأني معجبة بجانبه هذا , فلست قلقه .. عندما لا يكون غضبه نحوي ^^"!
قال فجأة وكأنه يقاطع المتحدث : غداً سوف نرى كل شيء ! , إلى اللقاء لوك .
و أغلق السماعة وبقي ينظر بعيداً لفترة ... بعدها التفت واتجه إلى جيني ليغطيها جيداً , رفع رأسه إلي وقال بهدوء :
_ سأبقيها هنا قليلا فهي غافية قد تستيقظ إذا حملتها... ابتعدي عن النافذة حبيبتي , قد تصابين بالبرد...
أومأت بصمت أغلقت النافذة واسدلت الستائر ثم اتجهت نحو المقاعد ..
_ ما رأيك بحليب ساخن...؟!
وافقت بهز رأسي وأنا أحدق به , فسارع بالخروج ... عاد بعد دقيقة معه حليب ساخن بلا اضافات وفنجان قهوة صغير له ...
شربت قليلا وأنا أراقبه يضع فنجانه على الطاولة ويمشي يدور في الردهة ينظر إلى التحف الصغيرة ..
قال فجأة وهو يقترب مني و يرفع شيء بيده : هذه .. أنها جزء من شيء ما لم أعرف ما هو احتفظي بها قليلا حبيبتي أنها فضية خالصة ..
و وضع بيدي تلك القطعة التي حاولت جيني التهامها .. جرس صغير جداً بحجم ظفر اصبعي الصغير .. قربته لأذني وهززت قليلاً لكني لم اسمع شيئا ..
_ لا أظنه صدفة حبيبتي !
حدقت بأبي و وجدته يقاوم الضحك , حسنا ! هل كانت حركتي بلهاء >>"...
_ ظننت جرس ما ...
_ لست واثقاً , سنرى لاحقاً .. آه يجب أن تنامي الآن .
نظرت لساعة يدي , الثامنة مساءاً .. قلت بهدوء : لا بأس , لكن أخبرني من كان المتصل ..لوك صحيح ؟! , ماكان يريد...؟!
حدثته بهذا بسرعة قبل أن يماطل أكثر ...
قال بتردد وهو يجلس على الأريكة القريبة , : غداً يريد رؤيتك بالمستشفى مع الاخصائي الذي حدثنا عنه ..
حسنا أني أعلم تماما أن لوك تكلم مع أبي بموضوعين .. الأول يعنيني وحدي والثاني يعنينا جميعاً....
فقلت بهدوء وأنا أهز رأسي : حسنا لا بأس... و...
ضيق عينيه وحك جبينه ثم خطف فنجان قهوته وجرعه بسرعة .. خفت عليه فالقهوة لا تزال ساخنة جداً..!
_ تلك ال... المربية لـ جيني وال... المدرسة لك بنفس الوقت .. ظهرت أنها .. أخت لوك , حسنا وهي امرأة شابة و بحسب ما يقول فقد تخرجت بشهادات عالية من الجامعة , تباً ..هذا لا يهمنا !.
شتم بقوة و نهض واقفاً .. دار حول مقعدة و زفر بقوة ثم هدئ نفسه بسرعة وعيناه على جيني النائمة ثم إلي ...
حسنا أنا كنت مصدومة لكني بقيت صامتة انتظره ينهي ما يقول...
_ تلك المرأة تعلم بالطبع عنا أخبرها لوك كل شيء... وهي متفرغة حسنا و تريد القدوم ظنا منها أنها تناسب الوضع . وهذا لن يروقني على العموم هي تبدو حمقاء لتتعامل مع أطفال , تعرفين نساء المدينة !! أنا لن أسمح لها بأن تدخل بيننا و تهتم بكما !.
حدقت به فكانت عيناه زرقاء جداً حانقة ... قلت بتردد : هل قلت بأنها هي من اقترح هذا...؟!
_ أجل .. حاول لوك المراوغه لكنه مضطر لأخباري لأن اخته ستأتي غداً... آوه حسنا لن يحدث ما يتوقعونه...
و حدق بشرّ في الفراغ , فهززت رأسي قائلة بنفسي نفس جملته .. أنا لا أحب الدخلاء الماكرين خاصة ..! لقد توقعت مثل والدي سيدة بدينة لطيفة ذكية و محترمة .. وليس شابة قادمة من المدينة كي تعتني بفتاة مقعدة و طفلة رضيعة لم تبلغ السنة !
جهزت لي بضعه ثياب كي استحم سريعاً بالرغم من برودة الجو .. لكني اشعر بالاختناق .. صعد والدي بجيني للأعلى ...
قبل أن اتحرك صدر صوت رنة طفيفة لا تكاد تسمع من جيب بنطالي... دسست يدي واخرجت القطعة الفضية ..حدقت بها , اقسم بأني سمعت رنة ما ... وضعتها قرب أذني و انصت كل حواسي...
سمعت صوت تكة خفيفة من النافذة خلفي , فلتفتُ بسرعة...
كان المكان بالخارج شديد الظلام وكأننا تجاوزنا منتصف الليل , لكن فجأة خفت الظلمة و ظهر ضوء النجوم الخافت ... ضيقت جبيني ... واقشعر جسدي... شيء ما .. أشعر بوجوده .. مر سريعاً جداً فأظلم الجو بسرعة و عاد ...!
شعرت بشيء غامض ثم فجأة رن الجرس الصغير من تلقاء نفسه أقسم بأني لم احركه ... صدر صوت كـ .. ترن...!
مرة واحدة .. هززت رأسي متوترة جداً , و خفق قلبي... آخ الليل هنا لا يعجبني أبداً...!
وبعد هذه الرنة الخافتة للغاية ارتعشت الأضواء لجزء من الثانية , كدت أصرخ باسم أبي لكني أوقفت نفسي بقوة !!... ما هذا ...؟! و فجأة خطر ببالي ليونارد وذلك الشاب المخيف الآخر...
فتحت باب غرفتي وشهقت عندما رأيت أبي... كان يطمئن علي فقط و يلقي التحية .. قال بأنه سيبقى مستيقظا بعض الوقت في الغرفة يقرأ .. وعلي فقط أن أصرخ باسمه أن أردت شيئا...
أومأت و غادر هو يصعد ... أخذت حماماً سريعاً ولم تكن المياه ساخنة كما يجب .. فارتجفت و خرجت بسرعة... كان شعري لا يزال يقطر.. ساعدتُ نفسي بنفسي و وصلت غرفتي لارتدي كنزة ما و أجفف شعري ..
لكني توقفت بممر الردهة المظلمة وقد رن الجرس الصغير بجيبي رنتين حادتين لكن منخفضتين وكأنه جرس مزعج يرن من بعيد... فتوترت بقوة ... هناك صوت ما يقول لي بعقلي بأن هذا الجرس ليس عادياً وهو يرن قبل حدوث شيء ما... سيء أظن...!
حدقت بالردهة بتوتر ... و رأيت ظل شخص طويل قرب النافذة البعيدة .. في البداية لم أرى والآن ظهر لي وكأنه سراب... ركزت بصري و جهزت حنجرتي للصراخ لأبي...
لكن الظل تقدم خطوتين و تعرفت إليه ... رفع يده ببرود وعيناه الذهبية تلمعان محذرتين.. مال برأسه وكأنه يتأمل شكلي جيداً...
ثم رفع بصره لعيني وشعرت وكأن مساميراً تثبتي بقوة ... ضاقت عيناه وأصبحتا رماديتان فجأة !
_ ما هذه بالضبط ؟!.
كان فمي مفتوحاً همسة لكن باردة , ما... ماا... ماذا ؟!... كأن يسأل شخص آخر... ولكن ...
_ أنها كلآرا ,.. الابنة الأخرى...
أجابه صوت عميق أتى من خلفي , وعرفت صوت ليونارد ... لكن.. هذا الذي أمامي ..
اللعنة وكأنه وليد الظلام أو شيء ما كونته الظلمة وشكلته ليكون بين الناس !... هذا الشيء الخطير !!!
شهقت الهواء بصعوبة وحاولت التراجع .. لكن لم أقدر... ظللت متجمدة لا أقدر على شيء...
_ دانييـل , توقف عما تفعله ..!
تحرك خياله و أغمض عينيه ليفتحهما ويظهر لونهما الرمادي مجدداً ... عندها فقط تنفست مجدداً و شعرت بالدم الحار يسيري بداخلي أخيراً.... مالذي فعله بي ؟!... تبا...
_ .. هذه بها شيء خاطئ... لا .. ليست ما نرى !.
ظهر صوته غريباً خافتاً و بارداً .. وهو ينظر ورائي حيث رفيقه ...
تقدم ليونارد ليصبح بجانبي ثم انحني قليلا ليحدق بوجهي وعيناي .. ضاقت عيناه وكأنني لمحت شيئا ما أحمر يمر بزرقتهما !!
_ أنا... أيضاً لست واثقاً مما أراه .. سيكشف كل شيء قريباً ..
حرك الشاب المدعو دانييل يده في الهواء وقال ببرود وحده خافتة : لا يهم أن عرفت أو لا .. المهم ألا تؤذي وإلا سنقتلها !.
من الذي يتحدثان عنه ؟!... أهي أنا .. ولم هذا الأبلة المخبول يتحدث عني وكأني جماد لا حياة لي و جماد بصيغة الغائب أيضاً ... تبا لهذه الأهانات !! ... لكن مهلاً... هل قال نقتلها ××"؟؟؟
تحدث ليونارد بحده خافتة أيضاً : لن نقتل بشرية ليس بعد...
_ لقد عملنا معاً طويلاً , لكن الآن نتجادل ... مالسبب ؟!.
و عادت عيناه نحوي وقد ومضتان بلون غريب... خفت بشدة هززت رأسي استوعب كل شيء... ثم نطقت أخيراً :
_مالذي تريده ؟!... مالذي يحدث...
أجابني بكل برودة اعصاب : لستُ أنا الذي يريد .. في كل الأحوال الهدف غامض قليلاً...!
اتسعت عيناي , وقلت بسرعة : أخبراني بوضوح تام مالذي يجري...؟! ثم كيف لكما أن تقتحمان منزل قرب منتصف الليل ؟!
هز "دانييـل" كتفه بملل واضح لكنه قال بقسوة ولفحة برد اجتاحه المكان بسرعة : إن لم نكن هنا فسيكون هناك شيء آخر أقل لطفاً منا ! , لذا وفري على نفسك الهستيريا و الهلع !.
ابتلعت لعابي و قلت وأنا أشعر بالبرد : هلا عرفتم عن نفسيكما مجدداً , ومالذي تفعلانه ؟!.
ضاق جبين الذي يواجهني والذي أشعر بأنه يود لو يقطعني على هذه اللباقة التي هبطت فوقي رأسي فجأة ..
أجابني ليونارد ببطء وصبر : هذا دانييل وأنا تعرفين من أكون .. تتذكرين طبعاً ذلك الزائر الأسود الذي سبب لك كسوراً رهيبة آه صحيح لا تذكرينها لقد عالجناها .. لكن حاولنا افقادك الذكرة كي تعيشي بهدوء غير أنها.... ماكانت الكلمة ..؟! هممم
زجر دانييـل بقسوة ولفحة هواء صقيعية آخرى تمر : لم تنجح !!..
_ نعم لم تفقدي ذاكرتك سوى مؤقتاً .. وسبب هذا أموراً أخرى .. المهم الآن أننا نحاول منع ذلك الزائر من العودة ..
كان فمي مفتوحاً أحدق به ... تحرك عقلي بسرعة لكني لم ادرك شيئا... شعرت بجسدي يبرد جداً و الدماء تنسحب مني لذكر الزائر ذو العيون الحمراء !.
_ الفتاة .. مالذي جرى لها ؟!
سأل دانييـل بلا مبالاة وهو يضع يديه بجيبه ... لكزني ليونارد في كتفي , فلتفت إليه بحده , رفع حاجبيه وقال يحدث رفيقه :
_ أنها لا تزال حية ...!
رفعت يدي و دلكت كل وجهي بسرعة ثم حدقت بهما... قلت أسألهما بقلق ويدي منقبضتين فوق قلبي :
_ ما ذلك الشيء ؟!, ومالذي يريده منا ؟!.
لم يجبني أحد لثوان طويلة , فقط تحرك صاحب العيون الزئبقيه و همس ببرود يحدث رفيقه : أرسلها للنوم !.
جزعت و قلت برعب وأنا أرى المدعو ليونارد يقترب مني خطوة : لا ...!
_ الوقت غير مناسب للكلام الآن..
_ ماذا تعني . أنا أريد...
قاطعني بنفاذ صبر : هدئي من روعك.
وقبل أن أهرب أو أحاول الهرب حتى , مس جبيني بيده الباردة كالثلج . وشعرت بدوار غريب... ثم الظلام يطبق فوق جفوني... .
---.
_ هل كل شيء بخير ؟!.
رفعت بصري ببطء ولاحظت نظرة والدي المتوترة... هززت كتفي و بقيت جامدة لا أفكر بشيء معين , كنت أشعر بالاهتزاز قليلا فقط ..
_ لم تنطقي بشيء منذ استيقاظك ولا يبدو بأن ذهابك للمدرسة غير شيئا !.
انطلقنا بالسيارة الى المستشفى و جيني نائمة في كرسيها الآمن بالخلف , لقد مر نصف اليوم الدراسي فقط و أتى والدي لأخذي في موعدي , لم يكن مزاج والدي جيداً أيضاً .. و أراهن بأن الطبيب لوك لن يفرح حقاً برؤيتنا...
حدقت به وهو يقترب منا بسرعة وقد رسم ابتسامه رائعة على شفتيه .. قال بمرح و ذراعيه مفتوحه ومعطفه الأبيض يتحرك حوله :
_ اهلاً بكما , صباح جميل .. كيف حالك أيتها الشابة ؟!
سلم على والدي الذي رد مبتسما قليلا , ثم صافحني بحرارة , وداعب وجنة جيني النعسة ليجعلها تضحك برقة ..
حسناً .. أعرف بأني أظن بأن كل الناس عابسين بوجهي .. وهذا من عذري لأني تلقيت زيارة غير ودي ما قبل منتصف ليلة أمس لشابين معتوهين كلياً ساحرين ربما , شكلاً و افعالاً .. كذلك أرغماني على النوم , لذا لا اعتقد بأني بمزاج لطيف لأجل الفحص !
دخلنا في غرفة الفحص الكبيرة , وساعدتني الممرضة بلطف على الجلوس فوق السرير العالي جداً , بينما والدي وجيني يستريحان فوق أريكة جلدية سوداء في الطرف البعيد , و أنا محاطة بأجهزة ضخمة مخيفة في الأعلى معلقة و قرب السرير...
تقدم مني لوك وهو يحمل ملفا للأشعة بين يديه قال بلطف أبوي : استرخي فقط كلارا , سنصور بعض الأشعة لنرى تحسنك ثم سيأتي الاخصائي لرؤيتك ..
قال والدي من بعيد مشجعاً : سيكون كل شيء بخير حبيبتي...
ابتسمت بوهن ولم أنطق .. قال الطبيب بدهشة : ما بك كلآرا ؟! , تبدين مرهقة...
قال والدي بعبوس من بعيد : أنها صامتة منذ الصباح لا أدري ما بها ؟!.
رفع لوك أحد حاجبيه والتفت لينظر لوالدي ثم إلي , ابتسم بحنان : متوترة من لقاء الاخصائي , آوه لا تقلقي بهذا...
فكرت بعبوس , هذا آخر شيء أقلق لأجله .. تبا !.
أجريت الاشعة بهدوء .. وكانت قدمي مخدرة بغرابة و الآخر تؤلمني قليلا مع أنني لا أدري ما شأنها... لكن ربما لا تزال متضررة من شيء ما ..
قال الطبيب فجأة بعبوس : سنجري اشعة للرأس ..
حدقت به و نطقت بدهشة و توتر : ماذا ؟!.
ابتسم لي بشكل مكلف سريع ثم التفت نحو والدي وحدّثه : للأطمئنان على الأعصاب , الشيء الغريب هو أن العصب الحسي يعمل بضعف و يتوقف أحيانا , أما الأعصاب الحركية فهي متوقفة تماماً و الأربطة توقفت عن النمو فجأة .. يجب أن أطمئن على الغدد في الدماغ , فـ كلآرا لا تزال بطور النمو كما أن هناك أمور أخرى معقدة .. و أخشى أن يتطور الوضع إلى نفسي عميق .
كنت مدهوشة و مرتعبة حقاً , بينما تحولت نظرة والدي للصدمة , وجيني بين ذراعيه , نظر نحوي بقلق بالغ لا يستطيع اخفائه أو أنا من يلاحظة بهذا الوضوح ..
_ الوضع ليس خطيراً بهذا الشكل , مع الأدوية يتحسن هذا , لكن الأعصاب تقلقني ..على كلٍ الاخصائي الدكتور "لايت" سيراك .
صور لي أشعة رأسي وأنا أفكر ببرود ربما خلل ما حقاً .. ربما أن أتخيل حقاً كل تلك المصائب .. آه ~~" .
دخلنا غرفة المكتب و نهض رجل عجوز مسن , لكنه طويل القامة جداً و رشيق كذلك , شعره فضي مصفف بعناية و ملامح وجهه طيبة كان يرتدي بذلة رمادية وليس المعطف ..
قال بمرح وهو يصافح أبي بينما عيناه تحدقان بي بشكل خاطف : مرحبا سيد موند , أنا سيركل لايت .. يمكنك مناداتي لايت فقط ..
داعب جيني بسعادة ظاهره وهي تضحك له , قال : يا ألهي كم أحب الأطفال .. أنها تبدو كملاك حقاً , ماسمها يا ترى ؟!
_ جيني ...
_ جيني ! , أنها فاتنة , مرحبا ياحلوتي ! , هل تأكل الحلوى؟! , لدي هنا حلوى بمكان ما...
ضحك أبي و قال بمزاح : أنها تآكل كل شيء تقريباً .. شهيتها دوما مفتوحة ..
_ أليست ظريفة ؟!.
بينما جيني تضحك بسعادة والجميع متهم بها , شعرت بأنني مختفية حقاً , فـ الفرار من هنا أفضل هيهيهي...!
_ كــلآرا !.
وتجمدت بينما يدي فوق العجلات أريد حقا التحرك , صوت والدي اخترق عقلي.. كان الكل يحدق بي الآن !! , ياربي اهتمامهم بي دوماً يأتي في وقت خاطئ متأخر...!
تقدم من العجوز بسرعة وكأنه يراني للتو !, أمسك بيدي كلاهما معاً وهزهما برقة وهو يبتسم بوجهي , قال بلطف :
_ لديك ملكة جمال آخرى هنا يا سيد موند , يالك من محظوظ !.
جعلني أضحك تبا له ! .. أحمرت وجنتاي سعادة , أحب الأطراء بعد أن فقدت ثقتي بنفسي , ربما لا أزال جميلة المظهر حقاً ..
كان الاخصائي ظريفاً حقا , ويمزح كثيراً .. اختفى تخيلي لرجل عجوز عابس وقاسي .. ارتحت لهذا الرجل المضحك .. وكذلك والدي ضحك كثيراً .. و ثرثروا بكل شيء تقريباً وكأننا في زيارة عائلية وليس موعد في المستشفى ..
جلب عامل ما العصير و شربنا كلنا وتناولنا الكعك وكذلك جيني , ثم لاحظت فجأة البرق و المطر بدأ يهطل بالخارج , حدقت بالساعة إلا بها الثالثة والنصف ..
أخيرا تطرقوا لموضوعي .. وكان السيد لايت قد قرأ ملفي مسبقاً , وعرف بحادثتي لكنه لم يذكرها أنما شعرت بهذا فقط .. نهض و نادى الممرضة لنذهب لغرفة فحص صغيرة وبسيطة ..
وتحت اضاءة بسيطة جلست فوق السرير وكلا قدمي فوق وسادة خاصة , توقف أمام قدمي و ظل يحدق بهما بعيون ذكية دقيقة بينما والدي و الطبيب لوك يقفان خلفه صامتين .. أمسك بقدمي بلطف وحركها شيئا يسيراً ..!
لم تكن قدمي اليمنى المصابة حقاً تؤلمني , أنما فقط لا أشعر بها .. سألني هذا السؤال وقلت له بأني لا احس بها حقاً , فعبس .. ثم تركها و عندما لمس الآخرى شعرت بالوخز .. فقلت له قبل أن يسأل : أنه ألم بسيط...
_ أين تحديداً تحسينه ؟!
_ آمم , كاحلي عند المفصل .
_ طيب , خذي نفسا يا عزيزتي ..
تركني و طلب مني أن اخفضهما من السرير دون أن تلامسا الأرض , ثم طلب بأن أحرك اليمنى , فلم أقدر , ثم طلب بأن أحرك اليسرى , فحركتها شيئا يسيراً بألم .. وقلت بأنها تؤلمني بعض الشيء...
أومأ برأسه و شكرني ثم طلب من الممرضة أن تصنع لي ضمادتين .. وقال لي بأني ربما سأترك العربة بعد قليل من الأيام ...
تبا ! , حسبتني سأتركها اليوم .. آه ليس لدي سوى الصبر ..
قال لي الطبيب لوك بهدوء : لا تحركي قدميك أبداً , كلاهما .. اتركيهما يرتاحان كي تلتئم الأربطة , فهمتني يا كلآرا...
واقفه كذلك الاخصائي , تمتمت أنا مطأطأ الرأس يأساً : حسنا !.
رتب والدي على كتفي , ثم ودعناهما على أن يراياني في موعد بعد ثلاث أيام .. وقفنا قرب البوابة وكانت السماء تمطر بغزارة وهناك رياح قوية .. قال والدي بضيق و جيني بين يديه متوترة : يجب أن أجلب السيارة .
قلت بتوتر أيضا وأنا أراقب الطريق الذي لم يبين منه سوى خيالات السيارات السريعة بسبب المطر المنهمر والرياح :
_ حسنا أبي , اعطني جيني ..
اعادني للداخل و لكنه لم يعطني جيني , بل بقي ممسكا بها بأحكام وحقيبتها الصغيرة , قال لي بهدوء : سأجلب السيارة قرب البوابة لا تتحركي حتى آتي أنا وأساعدك.
لم يعطني فرصة للرد بل غطى جيني بمعطفه وبقي هو بالقميص الخفيف ثم هرع مسرعاً للخارج . لا أدري لكني فزعت بشدة لرؤيته , وصعب علي تخيل شيء مرعب لكنه هاجم عقلي ... وكأنني رأيت والدي وجيني وسط الشارع وقد أتت سيارة مسرعة نحوهما ..
ناديت برعب : أبيييي !!... مهلاً...!!
دفعت بنفسي بقوة تجاه الباب الزجاجي الكبير , لم يكن هناك أحد سواي ... فقررت الخروج للرصيف ... كان المطر يضرب وجهي , ولم اقدر على الرؤية جيداً .. فجأة رنّ صوت صغيف بجيب بنطالي , ثم آلمني كاحلي المصاب بشدة و بسرعة وكأن كهرباء مرت به !!.
تأوهت و ترنحنت لكن لم ابقي واقفة بل تحركت فوق الرصيف أريد رؤية أبي وجيني , لكن علقت العربة الغبية عندما هبطت من الرصيف و اوقفتني في طرف الشارع المبلل بالمطر..
شتمت متألمه ولم أقدر على رؤية ما خطبها أو فيما علقت !... فكرت كثيراً بأن أقف و أركض بيأس لكن الضوء الذي ظهر أعماني ولمحت سيارة قادمة مسرعة , ظننته أبي يريد التوقف قربي , لكنها ظهرت شاحنة مزرعة مستعجلة زرقاء كبيرة ...
توسعت عيناي رعباً , ربما لم يلاحظني بسبب المطر والرياح !!
كانت تبعد عني ثانية تقريباً وأنا أستعد للقفز بقوة للجانب .. شعرت بأني أطير ! , غريب أنا لا أذكر بأني قوية في القفز لهذه الدرجة ...
أنما كانت هناك يدان تقبضان على خصري بأحكام وتسحبانني بسرعة خاطفة عالياً من مكاني , تمسكت بخوف بذراع قوية وأنا لا أرى شيئا من شدة الهواء الذي ضرب وجهي وجسدي فجأة !.
_ سحقاً !.
شتم صوت قريب من أذني و سمعت صرير عنيف لحديد ما... قلت فزعة : عربتي !.
لم ادرك بأني مرفوعة عن الأرض وأن هناك من يحملني فقط بذراعين إلا عندما وضعت فوق كرسي خشبي جانبي تحت مظلة ما ... والشخص الطويل الذي استقام أمامي وسحب يديه بسرعة وكأنني قمامة ما ..
زمجر بحده وهو يعطيني ظهره : ليــوون ؟!.
_ هاك !.
ابعدت شعري عن وجهي وأخذت أحدق جيداً... بينما تجمد عقلي عن التفكير و شعرت بالبرد الشديد...
سحب أمامي عربتي السوداء ووضعها تماماً امام قدمي .. شاهدت خيلاً آخر يختفي بسرعة خلف الشارع ..
_ اجلسي هنا بسرعة !
تعثرت بقولي : ممـ..ماذا ؟!
_ آآوه ><
زمجر الشاب مغتاظاً نافذ الصبر جداً , ثم انحنى قليلا فقط و قبض بقوة على وسطي بكلا يديهإلا بي فوق كرسيي المتحرك ..!
ما أن استقريت حتى قال بعصبية مخيفة شعرت أنه يود ضربي : لا تتحركي !
و التفت مختفياً بسرعة مثل ذلك الخيال , عرفت أذناي أصواتهما ومن يكونان قبل أن تدرك عيناي الأحداث السريعة جداً... لقد انقذاني أولاً ثم كرسيي .. وها هما يختفيا فوراً ...
توقفت أمامي سيارة عادية سوداء و خرج والدي قافزاً ...
هتف بذعر : كلآرا !!!


اقترب مني بسرعة تحسس وجهي و ذراعاي , قال موبخاً بخوف : ماذا تفعلين هنا !!.. تعالي بسرعة أنتِ مبلله , ألم أقل انتظريني حتى أجيء بالسيارة ... آه منك !
قلت آسفة بسرعة شاعرة أنني على وشك البكاء : آسفة أبي أنا....
مالذي أخرجني حقاً ؟!, تخيلاتي و خوفي... ~~"
وضع حولي الحزام ثم كرسييّ في صندوق السيارة تحرك سريعاً , ثم انطلقنا .. ظل يوبخني طوال الطريق على أنني لا اسمع الكلام و أتصرف كالحالمة المذهولة ... فكرت ببؤس أن هذا جنون , و أنني يوماً ما سأنتهي في مصحٍ عقلي !!!
كما أن جيني أخذت تبكي بحرقة مما عكر والدي أكثر و أكثر...
طلب مني البقاء قليلا , حمل جيني أولا للداخل .. ثم جلب كرسيي المتحرك , دخلت في غرفتي مباشرة قائلة بأني أريد تجفيف نفسي... كان المكان مظلماً والساعة تقريباً الخامسة مساءاً... كما أن الغيوم و المطر جعلا الجو أكثر عتمة وكأننا بمنتصف الليل ..
مسحت وجهي بالمنشفة ثم ما أن أنزلتها حتى صدمت وأنا أحدق بهما في غرفتي .. كانا يقفان متجاورين بينما رفع المدعو ليونارد
يده قليلا فقط فأغلق الباب خلفي بالمفتاح كالسحر .. بقي صاحب العيون الزئبقيه يحدق بي ببرود .
قال ليون بهدوء : يجب أن نتحدث , مالشيء الذي رأيته ؟!
دخل مباشرة بما يريد .. ضيقت جبيني و قلت بتوتر: مهلا ! , مالذي تفعلانه هنا ؟!. ثم أنت لم أرك بالمدرسة ...!
رفع ليونارد أحد حاجبيه وهمس : كنت موجوداً لكن ليس المهم أن ترينني.. إذن ... مالذي رأيته ؟!
_ رأيت ماذا ؟!.
_ تلك الفتاة بلهاء حقاً.
علق صاحب العيون الرمادية اللامعة ببرودة لكن بغضب مخفي , فتقدم خطوة وقال ببطء : هناك واحد آخر يسعى ورآءك كما يبدو كما أن هناك شيء ما يجذبهم , تبا ألا تفهمين ؟!.
قال ليونارد بصوت هادئ يحدث رفيقه ذو العيون القاتلة : دان . نحن نفترض أن هناك علامة ما , لكن الفتاة مسكينة لا تدري !.
حدقت بهما وقلت بتوتر : علامة ؟!
حرك دانييـل يده بملل واضح وهمس ببرود : يجب عليها أن تنتبه لنفسها أكثر , أحيانا تشكل خطراً على الاشخاص الذين أحميهم .. قلت لك لنقتلها فقط و ليبدو الوضع حادثاً... والدها سيتجاوز المحنة .
زاغت عيناي و فغرت فمي , قلت بحده أخاطبه : مالذي تعنيه بأني أشكل خطراً أيها المجنون ؟!!.
نظر نحوي بحده و تحولت عيناه للون الذهبي علامة الخطر , قال يزجرني : بلى أنتِ خطر !! و خطر أحمق أيضاً... فقط لو أقتلك !. لكن هناك ما يمنعني !
كدت أبكي مصدومة و مرعوبة , فهو بلا شك قادر على قتلي ... نظرت بذعر و توسل نحو ليونارد العابس... وعندما لاحظني قال بحده يخاطب رفيقه المرعب :
_ دانييل ! أرعبت الفتاة ! هذا ليس أسلوبنا .. ونحن لسنا متأكدين من..
نظر نحوي بضيق مخفي وأكمل : من .. أنها لديها... آه شيئا...!
بردت عينا المدعو دانييل , وعاد لونهما رمادي داكن .. همس ببرود بشيء ما يكلم رفيقه ثم أظلم الجو فجأة و عاد الضوء الخافت , لأرى فقط أمامي ليونارد الذي قال بهدوء :
_ هدئي من روعك , اتفقنا ؟! لا داعي للخوف هو لن يقوم بإيذائك نحن نقوم بالعكس تماماً.
حاولت أن أتحدث لكن حلقي جاف جداً , تنفست بعمق و مرت الثوان , ثم نظرت إليه وقلت بنبرة متوسلة خائفة لا أدري كيف ظهرت مني :
_ كيف... يمكن... يمكن أن أكون ..خـ... خطراً على عائلتي؟!.
كتمت شهقة و ضمتت يداي لقلبي الخائف أكاد أبكي .. رقت نبرته فجأة وهو يقول بلطف غريب وصوت ناعم :
_ قلت بأننا لسنا متأكدين , ثم من المستحيل أن تؤذي شخصا تحبه.. فقط تماسكِ أنها فترة عصبية لكنها ستمر ..
ارتجفت شفتاي و همست : أنا لن أقدر على أخبار والدي عن هذا ... كل شيء أعني...
رفع حاجبه و أجاب بهدوء : لا أظن هذا كلآرا , هل تفكرين بهذا ؟!
فكرت فقط بأن والدي سيصدم جداً , وأنه لن يصدقني , سوف يجلب لي طبيباً نفسياً و عقلياً ... وسأجلب له الكثير والكثير من المشاكل , وهو لا تنقصه هذه ...!
ابتعلت غصتي وحدقت به قلت بتوتر و قد داهم عقلي فكر آخر : لكن... ذلك الشيء هل سيعود ؟!. وما علاقته بي وكيف يمكنني أن أؤذي ؟!.
_ ما دمنا هنا لست واثقا من عودته , لكنه ماكر .. كما أننا لا نفهم ما يريده منك أو من تلك الرضيعة .. هم بالأحرى يريدون الصغار أكثر لأنهم انقياء وسهل ال... سهل جدا عليهم فعل الكثير , وهو بالطبع يريد القضاء عليك أنتِ و والدك لأنكم عائق أمامه !.
توترت وقلت وأنا أضغط زر المصباح لأن الجو أصبح معتما جداً : ح..حسنا.. لم تقل لي كيف يمكنني أذياء من أحب ؟!.
رفع حاجبه ثم ضيق جبينه متضايقا من الضوء , تراجع للنافذة وقال بهمس بارد : راقبي تصرفاتك فقط... و سترين بنفسك !.
ابتعلت لعابي وقلت بتوتر يخفي خوفاً : حسنا.. و.. تظنون بأن قتلي هو الحل ؟!.
هز كتفه وقال بهدوء عادي : ليس تماماً...
هذا الجواب غير مريح أبداً... شعرت بمعدتي تؤلمني بقوة من شدة التوتر والخوف .. قلت وأنا أتذكر العينان المتقلبتان بين الذهبي والفضي :
_ رفيقك ذاك يود قتلي بشدة .. مالذي يجعله يريد هذا مالذي فعلته ؟!
كنت أسمع صوت ضربات قلبي بأذنيّ .. فتأوهت بضيق , هذا يدل على رعبي الشديد و أشعر بأني وحيدة بمواجهة كل شيء...
_ أنه... دانييل لا يريد هذا أنما يود لو ينهي الأمر بسرعة.. ربما كان الطريق الأسهل لحل المشكلة قتلك فقط !.
حدقت به بعيون زائغة , قبل قليل كان رقيق الصوت , لكنه الآن بارد عادي وكأنه يتكلم بموضوع ممل .. و ليس موضوع يتعلق بحياتي أو موتي !.
قلت بسهولة : أنا لا أثق بكما !.
رفع حاجبيه : ثقتك بنا ليست مهمة !
آآخ شعرت وكأنه طعنني , أنه أيضا وقح !!... كلاهما متشابهان . لكن هذا الشاب أكثر هدوءا من صاحب العيون الزئبقية والمزاج البركاني !
تنفست بصعوبة فهما ليسا الوحيدان اللذان لا يهتام بمسألة الثقة ! والدي لا يثق بي أيضا !. أنا أشعر وقتا بأني لا أثق بنفسي...
هززت رأسي و شعرت بالحقد تجاههما ...
قلت ببرود : حقا ! , أليس قتلي سيسهل الأمر على ذلك الوحش لأخذ جيني ؟!. أنتما لا تفكران جيداً.
ظل ينظر نحوي ببرود و مال برأسه وهو يهمس : أشك بأنك أنت من يفكر جيداً , انتبهي لنفسك , نحن نشعر بأن لك علاقة بالوحش .. فقد أتى مرة بسبب صوتك !.
التفت في الظلام و قفز من النافذة ليختفي كلياً...
تاركاً إياي أغرق بدوامة من الرعب والصدمة !!.
لي علاقة بالوحش !!!!!!

فجأة بدت فكرة قتلي ليست بالسيئة !!! ~~"
هل وصل بي البؤس لهذا الحد ....!!
لكن قالوا شيئا عن... شيء آخر يلاحقني ! .
أغمضت عيني بقوة , أتخيل منظري أن دخل والدي الحمام فجأة ووجدني قد قطعت شرياني وسط المغطس لأموت وحدي....
... آه لا كلآرا أنت لا تستسلمين بهذا الشكل ..لن تفعلي ...
__________________


.
.
.
داوي جراحي وأسكب عليها بلسما
وأعني على مضيِ الأيام، وعالج جراحي كي لا تزيد فوق ألامي ألماً

التعديل الأخير تم بواسطة lazary ; 02-17-2018 الساعة 02:08 PM
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 02-17-2018, 02:11 PM
 
{ زائرٌ جديـد }

( زائرٌ جديـد



لم استطع النوم جيداً , لكني نمت في آخر المطاف من شدة التعب و قبيل الفجر بقليل , شيء هزني بقوة في جانب ساقي !.
كان الجرس الصغير يرن ويهتز .. لكن بشكل خفيف جداً , وهذا ما ارعبني في منتصف نومي.. افقت خائفة و قلبي يدق بقوة !
و عندما حدقت بالشيء الذي يقف أمام قدمي عند طرف السرير اختنقت الصرخة في حلقي !!.
كان الظل , أو مهما سموه ...
لكن... حسبته سيقتلني أو يبدأ معركة !, أنما .. كان مختلفاً . كأنه ظل شخص طويل جدا و نحيل واقف فقط و بلا ملامح وجه ..
كان فقط رأساً و ذراعان بجانب جسده و ساقين ...!
كتمت انفاسي وعيناي زائغتان عليه , لكنه هو لم يكن له عينان .. ولا أي ملامح في الوجه ...!

و بالرغم من هذا عرفت بأنه يحدق بي بقوة وهدوء .. و كأنه أمضى الساعات بانتظار استيقاظي ..
رن الجرس مرتين في جيبي جعلني استعيد نفسي ... همست بصوت يرتجف : ممـ.. ماذا ؟!.. ماذا تريد...؟!
مال الظل برأسه و رفع يديه أمام وجهي .. و رأيت الشيء الذي تدلى من يديه .. الشيء الفضي اللامع وسط الظلام ... و مده إلي كي آخذه ربما ..
ازدرت لعابي و جلست جيداً لأمد يدي نحوه بتردد شديد وارتجاف .. كم أنا بلهاء كبيرة , ربما يريد اذيتي ..!!
عندما حدقت بيديه هاتين , كانتا كما يشبه الضباب أو الدخان المكثف مكون هذا الشكل .. فتح يديه عن بعضهما وانزلقت
السلسلة الفضية الناعمة وسط راحة يدي ..
اخذت نفسا مرتجفاً و حدقت بوجهه , صعقت عندما صدر منه صوت ما .. صوت ناعم خافت كأنه "هممم .. مم " !!
ومال برأسه مجدداً , وشعرت لثانية بأنه كائن لطيف !!. لكنه شكل غريب غامض بعيد عن اللطف !.
و في الثانية الآخرى أدركت ما يكون أو مالا يكون على الأقل .. أنه ليس نفس الظل ذو العيون الحمراء السابق الشرير !!!
شهقت و قلت مرتعبة : أنت لست هو أليس كذلك !!.
ولدهشتي أجابني , وهو يرفع رأسه شامخاً كما بدا و صدر صوت غريب آخر لكن حاد قليلا .. كـ " سسسسليس ..!! "
همست دون وعي وعيون متسعة متسمرة : ممأا.. ماذا ؟!.
كرر وهو يميل بوقفته ناحيتي قليلا : سسليس ...
سقط فكي صدمة !... هل... هل يفهم ما قلته ؟!!!...
هززت رأسي و قرصت وجهي كي افيق من هذا الحلم .. لكن بقي كل شيء كما هو .. الظل الغريب الهادئ الذي يقف عند طرف سريري ..
فجأة تحرك , فانتبهت إليه خائفة .. سرى بخفه حتى وصل إلى الجانب للسريرفتراجعت أنا أضم الغطاء إلي...
لكن الظل ارعبني وهو يسحب الغطاء بقوة و سرعة عني بيديه , رمى به بعيداً في زاوية الغرفة ..واجتاحتني موجة برد رهيبة !
صرخت برعب : آآآآآه !!
لكنه لم ينظر إلي وأنا أنكمش على نفسي حتى الزاوية , لم يبال بي .. ومن وضع رأسه كان ينظر إلى قدميّ... اقترب و أصبح فوق السرير معي !!!!
صرخت به برعب : اتركني ... ابتعد !! – أين اؤلائك الحمقى عندما احتاجهم !
لكنه انحنى و أمسك بقدمي اليمنى !!., عندها شهقت متجمدة شاعرة وكأن قدمي غطست بحفرة مياه جليدية في القطب الجنوبي !!!
كان يمسك بها بكلتا يديه , ارتفع طرف البيجاما قليلا ليظهر كاحلي كله .. و هنا كانت الصاعقة !!
رأيت شيئا على قدمي .. شيئا لم يظهر من قبل قط !!
كان هناك ما يشبه الندبة ... لكنها ندبة مضيئة بلون أبيض وكأنها مصباح .. و على شكل غريب... شكل نجمة سداسية !!
ما هذه !!! و من أين جاءت و كيف....؟!!
كل الأسئلة قطعت وأنا اراقب الظل و قدمي التي فقدت الاحساس بها .. كان هو يمسكه بكلا يديه وكأنه تحفة ما .. رأسه منحنٍ جداً نحوه يكاد يلامسه ..!!
صدر عنه صوت خفيض حاد مجدداً .. وهو يهسهس منزعجاً و يحرك رأسه وكأنه يقول ..لا ..!!
أخذت انفاسي تتسارع و خفقات قلبي جنت ..و أنا أرى قدمي يتحول لونها للأزرق ...!!
لم يتركها , وكدت أقول له : دعها أرجوك وإلا سوف تموت أكثر و يقطعونها !!.
لكن لم يتحرك بل جثى أمامي !! .. فقدت الأمل في أن يتركني و شأني ... لذا قلت بتوتر : وأنا أيضاً لا يعجبني وضعها , لكني لا أكف عن النظر نحوها !.
رفع رأسه و حدق بي قليلا بوجهه وبلا عيناي .. هز رأسه يمنة و يسرة بخفه ... ثم تلاشى فجأة من أمامي وظهر بشكل مفاجئ ارعبني يقف قرب السرير ..
مد ذراعه بطولها فطار إليه الغطاء الذي بالزاوية .. غطاء سريري ...
و رفعه ليلقيه فوقي مجدداً...!!!
بلرغم من صدمتي إلا أنني قلت بصدمة : شكرا على لباقتك !!
ثم تحرك و اختفى كأنه ضباب ينجلي ... بعدها بدقائق افقت من صدمتي و جمودي عندما بدأت اسمع اصوات العصافير في الخارج .. حاولت التحرك واكتشفت أنني ارتجف برداً...
فاختطفت كنزتي من فوق الطاولة الجانبية للسرير و دسست رأسي بها و أنا اتنفس بعمق وبصوت عالي ...
شهقت عندما طرق الباب علي طرقاً خفيفاً... فأكملت ارتداء كنزتي وأنا اقول بصوت مبحوح غريب : من ؟!!
فتح الباب و أطل أبي وهو يقول باستغراب : من ؟!... أنه أنا حبيبتي ... صباح الخير .
اخذت نفساً وأنا اقول : آوه !!.. ثم : أبي !!.. صباح الخير .. لقد افقت لتوي...
حدق بي والدي كثيراً بنظرة قلقة ... اقترب مني وقال وهو يضع يده على جبيني : أنتِ شاحبة جداً... آه و باردة جداً... ما بك ؟!.. هل تشعرين بالمرض صغيرتي؟!.
قلت بسرعة أحاول جعل صوتي عادياً : آه , لا .. كنت أشعر بالبرد قليلا فقط .
أومأ ببطء و ظل يراقبني لثانية قبل أن يقول : هل ستبدلين ملابسك , أنا سأصنع القهوة والفطور...
_ أجل... أجل.
_ جيني مستيقظة منذ فترة هي بالمطبخ تلعب تبدو بمزاج جيد بعد بكاء أمس ..
بعدما ذهب أبي تنفست الصعداء و ألقيت نظرة على نفسي بالمرآة , و فزعت من شكلي.. كان رأسي كالجمجمة ..
وعيناي غائرتان حولهما دوائر من السواد , بينما شفتي بيضاء وأطراف يدي وقدمي مزرقة قليلا .. وكأن غرفتي قُلبت لـ ثلاجة مجمدة !
كما أن شعري وكأنه مرت به كهرباء متطاير و اشعث !!.. رحت بسرعة للحمام أعيد شكلي الطبيعي .. أو شيئا منه !!
ارتديت بنطال أسود واسع وقميص أبيض من فوقه كنزتي البنية .. ثم وضعت كلا قدمي بالضماد الداعم المطاطي بعد أن لففتهما بضمادة جديدة ,
سرحت شعري قليلا وتركته بعد ان سقطت من يدي الربطة تحت الكرسي !!.
قفزت فوق كرسيي شاعرة بكره شديد له , وأحلم فقط باليوم الذي سأتخلى عنه .. سأقيم حفلة ضخمة !!!
لكن لأجل هذا سوف أصبر ...
لم اسمع صوت أبي وأنا أدخل المطبخ .. رأيت جيني بكرسيها الطويل الخاص وهي تهمهم و تضحك بسعادة ..
قلت بمرح : مالذي يضحكك يا فاتنتي ؟!.
_ كنا نضحك فقط قبل أن تأتي وتفسدي علينا !.
توسعت عيناي صدمة وحدقت بزوج من العيون الرمادية الباردة وجسد طويل ممشوق مائل باتكاء على طاولة الطعام يواجه الطفلة .. تلفتُ حولي برعب , و كدت أصرخ أو أبكي وأنا أقول بصوت عالي أسأل نفسي : أين أبــــــــــي !!!
أجابني هو ببرود مع أنني لم أكن أسأله : ذهب ليبدل ثيابه بالأعلى .. هذه قهوتك كما أظن !.
_ مالذي تفعله هنا ؟!.
شعرت بنبرتي باكية يائسة ... فحدق بي لثانية ,ثم قال متكاسلاً : كنا نستمتع بوقتنا .
ثم تحولت عيناه إلى جيني لمعتان بشكل ساحر وهو يكمل بنعومة : قبل ان تستيقظ الاخت الكبرى المزعجة !.
فضحكت جيني مجدداً بمرح شديد وهي تصفق بيديها .. حدقت بها مصدومة , هذه الطفلة الخائنة ..!!
قلت مهتاجة لا اكاد استوعب : أنت !... أنت !!. أ... مالذي تفعله هنا ؟!.
لم يكلف نفسه عناء النظر نحوي , بل منح جيني ابتسامه , جعلتني اترنح في كرسيي مع أنها لم تكن موجة لي ..و شعرت بمجهوداتي في اصلاح شكلي الخارجي تذهب سدى ..!!
_ يبدو بأنك مضطرة للعيش مع أخت كبرى بلهاء و صماء كذلك و ربما مصابة بداء النسيان !!.
كيف يجرؤ !!.. افقت من موجه الدوار و التعب وأنا أصيح به بحده : أخرج !!.. أخرج من هنا... سأصرخ بأبي... أبـــــــــــــي !!
وصرخت بصوت يجلجل الجدران لم يقطعه سوى نوبة كحة فضيعة داهمتني .. فانحنيت أحاول تجميع انفاسي...
صوت ركض في الممر ... ثم ظهر والدي وهو يقول مرتعباً : كلارآ...!!! جيني... آآه !!
رفعت رأسي و رأيته لا يزال واقفاً هذا الولد المجنون .. التفت إلى أبي بقوة وأنا أصيح : أبي , أبي أنظر ... غريــب هنا !!.
رفع والدي عينيه نحو "دانييـل" الهادئ ثم حدق بي وكأنني مجنونة هاربة...
قال بأسف وهو يرتب عللى ظهري المشدود : يا حبيبتي... آوه كم أنا آسف .. لم أخبرك , دانييل جار لنا قريب من هنا , رأيته مرتين .. وهذه المرة كان يركض متمرنا بالخارج ألقى علي تحية الصباح فدعوته لفنجان قهوة... هل فزعتِ , أنا آسف...؟!
حدقت به بعيون زائغة تكاد تسقط من محجريها و أنما سقط فكي مصدومة ... نظرت نحو الشاب هنا و رأيت نظرة انتصار و تحدٍ خبيث في عينيه ...
عندها ابيّض الجو فجأة في عينيه , و دار المطبخ بي... فانحنت بسرعة أضع جبيني على ركبتي بألم ..!!
_ كلآرا ...؟! كلآرا حبيبتي !.
انحنى والدي فوقي وهو يحيطني بذارع .. همس بقلق : هل أنتِ بخير ؟!
استرددت انفاسي بتعب و بدأت النجوم تتراقص ثم تختفي ببطء ... همست بصوت بح تماماً : أعطني دقيقة , أنه دوار !.
_ لا بأس عليك حبيبتي , بعد الفطور ستتحسنين .
رفعت رأسي قليلا فقط أتكأ على يدي , لمحت دانييل يناول أبي شيئا .. شكره والدي بهدوء : شكرا لك..
ثم وضع والدي بيدي الأخرى كأس ما , بينما أرفع رأسي أكثر و أرى نظرته الغريبة ونصف ابتسامه ساخرة متكلفة !.
_ لا بأس سيد مونـد , شكراً لك على القهوة.
شكر أبي بلباقة وهدوء تعجبت منها جداً , فأومأ له والدي ورافقه نحو باب المطبخ إلى الخارج ..
وضعت يدي على جبيني , هذا الماكر اللعين المتوحش الذي يهدنني بالقتل و يتمنى موتي ذو العيون الغريبة المتسلل لبيوت الناس ...
دخل إلى حياتي من أهم أبوابها "عائلتي" !! هذا غير معقول !... تباً !... لو كان ليونارد كان تقبلت الأمر أكثر قليلاً...
_ كيف أصبحتِ الآن ؟!
جاء أبي نحوي يسألني بحنان , ثم أمسك بيدي يقول بهمس : آسف لم اخبرك به من قبل , لقد رأيته قبل يومين ربما , يبدو شاباً طيباً حذقاً .
آوووه بربك أبيييييي >< !!... كدت أصرخ بهذا !! طيباً و دانييل لا يكونان في جملة واحدة !!.. لكني تماسكت بقوة ألا أصاب بنوبة دوار و شحوب مجدداً ,
أقسم بأني سوف أموت من هذه الأسباب أكثر من أي شيء آخر ..!!
اشحت بوجهي و قلت بهدوء : أنني جائعة ..
قال والدي ببساطة وهو يسخّن لي القهوة مجدداً : نسيت أن أخبرك به , كما أنه لا يبدو مرعباً جداً كي تصرخي باسمي هكذا وكأنك رأيتِ وحشاً , مع هذا أنا آسف عزيزتي .. لا شك بأنك مرهقة...
كلمتُ نفسي ببرود , آه بالطبع الارهاق أقل شيء أشعر به الآن , بعد ليلة من المشاحنات مع شخصين مثيرين للغرابة والرعب , ثم زيارة آخرى لشيء لا أدري ما هو ...
ثم أجد أن أكثر هذين الشخصين رعباً و جنونا مدعو لقهوة الصباح مع أبي , و يضحك مع جيني ساخران مني..!.

حدقت بأبي قلقة , هذا غريب ... والدي غير متفتح أبداً مع الغرباء , وحتى مع الأقرباء هو جدّي قليلاً... لكن .. مالذي يحدث هنا ؟!... توسعت عيناي ... هل فعل لأبي شيئا ... سحره ربما !..
التفت نحوي وهو يتكلم بشكل طبيعي و هادئ لا يبدو بأنه مسحور !! , أخذ جيني لأحضانه وهو يداعبها و يحاول جعلها تتناول طعامها , غير أنها هذه البنت الصغيرة تبدو متململة بعد ذهاب ذلك الفتى , بصراحه يبدو شاباً يافعاً وليس فتى مراهق عادي !.
عضضت شفتاي و احترق لساني من القهوة , تأوهت .. لقد قلبت حياتي رأساً على عقب .. و لن أسامح السبب في هذا طوال عمري !!.
_ ماهذا الذي بيدك عزيزتي , آوه سوار جميل .
حدقت بأبي ببلاهة , و الآن عما يتحدث !!.
كانا ينظران نحوي و يبتسمان .. حاولت قول شيء ما لكن والدي قال : أين وجدته ؟!.
رفعت حاجبي و حدقت حيث ينظرون , فتحت فمي دهشة , تلك السلسلة الناعمة الفضية تحيط معصمي برقة .. و تلمع حتى بدون ضوء ... ازدرت لعابي و تنهبت أنه ينتظر جوابي ...
قلت بسرعة ابتسم بتوتر : تحت.. ال ..تحت السرير !.
رفع والدي حاجبيه دهشة ثم ابتسم بحنان وهو يقول : يبدو ملائما جداً لك , لا شك بأنه مفقود من ممتلكات زوجة أبي , مع أنني لم أعش معاها فترة طويلة , لكنها سيدة مميزة و ذكية حقاً .
ثم نهض وهو يضع جيني في كرسيها قال متذكراً : آآوه المدرسة !!... هيا عزيزتي استعدي سأقرب السيارة قبل أن نتأخر أكثر.
طوال الطريق بالسيارة و عقلي متعكر جداً و أفكاري تتخبط لا استطيع السيطرة عليها , أشعر بأن ليلة الأمس كابوس .. لكن هذا الصباح كان هو الكابوس الحقيقي !!.
أنزلني والدي و ابتسمت له مودعة فتمنى لي يوماً جيداً مع أن نظره كان قلقاً بعض الشيء ..
قلت له مذكرة بلطف : لدي بعض الزملاء هنا . لن أواجه مشاكل .
ابتسم مجدداً و غادر بهدوء .. دفعت نفسي قليلا حتى المدخل كانوا قد طلبوا من البواب أن يضع هذه الألواح الخشبية القوية لأجلي ..
أخذت نفسا ودفعت نفسي فوقها لكن يدي انزلقت فجأة و كدت انزلق متراجعة أنا و كرسيي .. لكن أحدهم ثبتني بالخلف.
_ يالا بداياتك السيئة !.
بالطبع هذا ليس ليونارد !! , أنه يتحدث ببرود فقط أحياناً , لكن البرود والسخرية المستفزة معاُ .. هذا صفة شخص واحد !.
شهقت بعصبية و هو يرفعني بكرسيي دون ملاحظة أحد ويسير بخفة حتى الممر : دعنييي !! دعني دعنــي حالاً...!
ثبتني على الأرض و سار حتى توقف أمامي لأراه جيداً , بجينز أسود و تيشيرت أزرق داكن كان طويلاً مميزاً
ورشيق القامة كما أن عضلات ذراعيه الواضحة تقول لا تعبث معي ! .. تحسرت على هذا المظهر الرائع لشخص بلا أخلاق جيدة !.
انتبهت له وهو يرفع أحد حاجبيه قائلا ببرودة الصقيع : والآن بعدما انتهيت من النظر , هلا أخبرتني من أين لك بهذا ؟!.
توترت وأنا أقول بتلعثم : ممـ..ماذا !, يالك من وقح... ><"
ثم التفتُ بكرسيي و بسرعة أريد الهرب إلى أقصى مكان ... تحركت العربة قليلا ثم .. تجمدت بقوة !! ولم تسير حتى أنشا واحد...
التفت إليه أحترق غضباً ! أعلم بأنه هو من يفعل هذا ! لكن لا أدري كيف...!
قلت بحده : دعني أذهب و إلا سأصرخ و أجلجل هذا المكان وأجمع الناس حولنا !.
وضع يديه في جيبيه و مال بوقوفه وهو يرفع بصره من العربة ليظهر بأن لون عينيه اختلف من الزئبقي إلى الذهبي الداكن السائل ...
قال يهمس ببطء : لا تجعليني أغضب !.
رفعت رأسي بشموخ وأنا أبادله التحديق , من يظن نفسه ! هه .. حتى لو أصبحت عيناه بلون الدم فلن يخيفني ..
قلت بحده خافتة لأن مجموعة من الطلبة يمرون : لا يهمني ما يحدث معك أو ماتريد , لآن يفترض كما فهمت بأن ليونارد من يكون معي وليس أنت !.
المجنون الشرير الوقح البغيض السليط ال.... أكملت بقلبي
قاطع افكاري بكسل وعيناه تبردان للون الرمادي : أكاد أسمع عيناك تنطقان بباقي كلامك التافة !, على العموم ليون غادر بعض الوقت لأجل صديقته .
ادهشني قليلا , آوه ليونارد لديه صديقة !..آممم أنا لا اتخيل بأن شخصين مثلهما يمكن أن يكون لديهم صديق من الجنس الناعم !
أكمل ساخراً : هل اصبت بالأحباط ؟!.
فتحت فمي مصعوقة , رددت بسرعة وحده : يالك من أحمق !! كلاكما ذو وجود ثقيل مرهق .. أنا و بكل صراحة لا أحب رؤيتكم !.
زم شفتيه ورد ببرود : و نفس الشيء معنا تجاهك !. بلهاء !.
هزت كتفي بلا مبالاة وقلت ببرود : لا يهمني رأيك !.
حدق بي بعنف وعيناه تلمعان بموجة ذهبية تنذر بالشر .. كتمت ابتسامتي بصعوبة و التفتت بكرسيي أريد الذهاب , لكن الكرسي المتحرك لا يزال جامداً بمكانه !!
_ لن تذهبي لأي مكان حتى تقولي من أين لك بهذه السلسلة !.
نظرت إليه بغضب عارم أكتمه , وقلت بحده : أي سلسلة ؟!!
_ أكره الذين يدّعون البلاهة فوق بلاهتهم !.. أنتِ لا ينقصك هذا .. إذن....
ضيقت جبيني و تمالكت أعصابي بقوة بينما هو ينتظرني اتكلم , تنفست بسرعة مرتين... ثلاث.... اربعة ... ثم قلت بهدوء و صدق :
_ لا أدري ما تسمونهم .. لكن أحدهم قام بزيارتي قبيل الفجر , واعتقد بأننا تحدثنا , آوه ومد لي بهذه .. أظنها كانت بمكان ما بالمنزل , وهو جلبها إلي..
وابتسمت أغيضه , ضاق جبينه وبدا غارقاً بالأفكار لثانية , ثم حرك شعره الحالك السواد وقال بجدية شديدة وعينان ضيقتان :
_ حسناً , و ماذا بعد...؟!
هززت كتفي ببرود و قلت وأنا أطرف بعيوني ببراءة : هذا كل شيء ..
ضاق جبينه والتمعت عيناه وهو يقول بصوت خفيض حاد : ليس من مصلحتك اخفاء بعض الأمور عنا !.
تابعت بنفس النبرة البريئة المثيرة للسخط : صدقني أو لا تفعل , هذا لا يهمني !.
صر بأسنانه وسمعت الصوت فسرت رعدة غريبة بي , قال بهمس خطير : كان يفترض بي مراقبتك جيداً بعد ذهاب ليون , لكني لا ألوم نفسي .. أنما السبب بك أنتِ !.
حدقت به : بي أنا ؟!... مالذي تقوله ؟!.
وفجأة تذكرت العلامة الغريبة التي ظهرت من لامكان مطبوعة في كاحلي حيث اصابتي .. لم تكن موجودة أبداً من قبل وإلا لرأيتها .. لرآها الأطباء !!.. الاشعة أي شيء...! لكنها ظهرت فقط عندما... عندما قام الظل بـ.... لمس قدمي ربما !!
سمعت صوته هادئ وغريب يخترق عقلي : إذن , اخبريني كلارا !.
وجدت نفسي أتحدث بغرابة وهدوء ناظرة إلى قدمي : إن .. قدمي... قدمي المصابة هذه بها ... شيء غريب. أراني إياه الظل , كما اعتقد... كانت تشبة... ندبة غريبة... شكلها .. نجمة , لكنها غريبة و... لم نرها من قبل أبداً... أبداً... لم تكن موجودة...
رفعت بصري إليه وفمي نصف مفتوح , كان يراقب ملامحي بهدوء , لكن قال ببرود وهو ينظر نحو قدمي : هذا لا يبشر بالخير ...
_ لـ.. لماذا ؟!.
_ سأخبرك شيئا , كنت محقاً منذ البداية , وأنا عندما أقول بأن هذا الشيء يحدث فهو يحدث حقاً... همم ....
ابتعلت ريقي , قلت بتعب : إذن ما تكون , أليست أثر من الحادث ؟!
_ لا اعتقد , العلامة موجودة دوماً .. لكن الظل أظهرها لك ... وهذا يعني شيء واحد فقط ... كلآرا أنتِ بوابة .. أنت بوابة مفتوحة للوحوش ... و لكن العلامة ممنوحة من ذلك الوحش المطارد ذو العيون الحمراء كما تصفينه . وهو ظل لعين ماكر شرير و خطير , اختفى أثره حالياً لكنه سيعود وعندها سنرى .
كنت أحدق به و لا أرى ... أنما اتخيل ما ينطقه فقط .. علامة , أظهرها ... بوابة !... وحوش... باب مفتوح ... عيون حمراء .. شرير ... اختفى .... و سيعود !!...
دخت و بدأت النجوم تضرب عيناي !... انحنت بسرعة لأضم رأسي بين ركبتيّ وألف ذراعي حول نفسي لا استطيع التنفس... لا اقدر على التنـ.....
_ آووه الدوار مجدداً ! , بربك تماسكِ يا فتاة..
حاولت التنفس جيداً وأنا أحشر نفسي على بعضها ... احسست بيده على ظهري !. شعور غريب ؟! هل هو متعاطف معي ؟!.
_ سأجلب لك الماء...
زاغت عيناي , هل سيتركني لبضع دقائق وحدي !!!... بدا هذا مرعباً للغاية بعد كلامه المخيف الذي نطقه بكل جدية وهدوء...
لم أكمل أفكاري لقد قطعها بقوله : هاكِ الماء..!
لقد شعرت فقط باختفاء يده من على ظهري , ثم عودتها بعد ثوان قليلة جداً... اتكأ على ذراعي المقعد وأنا ارفع رأسي ببطء ...
سلمني قارورة ماء باردة قليلا منعشة ... فشربت منها بهدوء ..
استعدت وعيي جيداً و ميزت الالوان ... كان هو قربي و يده على ظهر المقعد اصبحت , كما أنه ينظر نحوي باهتمام وانتظار ..
همست بضعف : شكراً.
_ مهما يكن , لم انهي حديثي ...!
حدقت به وقلت متلعثمة : ممااذاا ؟!... لكن ماذا بقي أيضا ؟!.
رفع أحد حاجبيه و اعتدل بوقوفه وهو يقول ببرود وهمس : الظل الآخـر ... نوع مختلف , و لديه هدف مختلف ... الآن صفيه لي !.
وأنا أحدق بالعينين الغريبتين الرماديتين بخطوط ذهبية راودتني الاحاسيس والغرابة , والفضول الرهيب . من يكون و من أين جاء ؟!....
ولما يحمل هذه الصفات الغريبة .. ترى ما يكون هو بالضبط و رفيقه ؟!. وتلك الاشياء المريعة التي دخلت حياتنا !.

__________________


.
.
.
داوي جراحي وأسكب عليها بلسما
وأعني على مضيِ الأيام، وعالج جراحي كي لا تزيد فوق ألامي ألماً
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 02-17-2018, 02:14 PM
 
مفاجئات غير سارة البتة

مفاجئات غير سارة البتة




أنني واثقة عندما بدلت ضماداتي هذا الصباح بأن كاحلي طبيعي جداً خارجيا على الأقل ولا وجود لأي علامة أو أي شيء مريب ...!
_ هل انتهيتِ ؟!.
لقد قاطع حديثنا الغريب والمخيف صوت رنين جرس الصف ولم يساعدني في دخول الصف أو حتى يرافقني بل دفعت نفسي بنفسي و مر صفين متتاليين من الدروس المرهقة ...
والآن هاهو بجانبي في وقت الاستراحة بعد أن احرج الفتيات بنظرته فغادرن بهدوء .. ماخطب المدعو "دانييل" هذا ؟!
حشرت كتابي بقسوة في حقيبتي التي اضعها خلف ظهري , قلت بهدوء : حسنا , مالأمر ؟!.
توقفت قرب طاولة خشبية دائرية في الباحة حيث الجو بارد قليلا لكنه لطيف وهناك الكثير من الغيوم البيضاء , جلس هو على الكرسي على الجانب الأيسر مني كي يكون متراوياً قليلا و يسمح لي برؤية الباحة و الطلاب في جهتي اليمنى...
_ كيف كان يبدو ؟!.
التفتُ إليه و اضطربت قليلا لقربه ولتحديقه الشديد في عيناي , لأول مرة أجلس مع هذا الشخص الفظ الناري الطباع يجب أن أتوخى الحذر في كلامي معه... فأنا لا اعتبره كـ ليونارد. قد ينفجر بي في أي لحظة , وأجد نفسي ميتة فجأة !.
أجبته بصدق وهدوء لا أدري من أين جلبته وأنا أتأمل بحر الفضة في عينيه و خطوط الذهب السائل : ...ذلك الخيال , كان... كظل طويل يملك ذراعين و ساقين أظن... و بلا ملامح, لم يكن هنالك من عينان أو فم...وما شابة.
ضاقت عيناه قليلا و التمعت , أومأ وهو يهمس بنعومة : ومالذي كان يفعله ؟!.
_ آحم .. لستُ واثقة , كان يراقبني لفترة... اعتقد ..
صمت احاول تذكر الليلة الماضية جيداً , فقال هو يحثني بهمس : و بـعد...؟!
_ أظهر .. تلك العلامة في كاحلي..
_ ...و السلسلة ؟!.
مرت رياح باردة عبثت بشعري و قميصي , فلممته بسرعة و وضعته تحت القميص عند رقبتي , بينما هو لا يبدو متأثراً قط .. لقد تطاير شعره الأسود الحالك حول وجهه الرائع التقاسيم لكنه لم يتحرك قط بقيت عيناه مركزتان في عيني ..و باردتان منتظرتان ...
_ لا أدري من أين جلبها , لكن...والدي لاحظها و أظنها كانت لزوجة أبيه بالتبني ..
كنت أريد أن أشرح له أيضا أن السلسلة تبدو مألوفة بشكل ما لكنه قاطعني بفظاظة وبرودة : أخرجي ذلك الجرس...!
حدقت به , قلت بتوتر : أي جرس ؟!.
_ افعلي فقط ! , أني لا أملك النهار بطوله !!.
أجابني بحده بالغة و عصبية , فرمقته بضيق شديد ثم هززت رأسي و أخرجت الجرس الصغير للغاية والناعم الفضي...
حدق به بضيق واستنفار ثم حرك رأسه ولم يلمسه بل قال بصوت منخفض : أنه جزء من السلسلة ..لا انتبهي !!
كنت على وشك أن أضعهما معاً السلسلة الناعمة والجرس لأن السلسلة ناعمة جدا ستدخل بحلقة الجرس الصغير...لكني فوجئت بقبضته قوية جداً وباردة أطبقت على معصمي بشدة آلمتني !!
_ آآه , ماذا ؟!.
قال بقسوة وهو يصر على أسنانه كي لا يرفع صوته : يالك من ! , لقد أخبرتك صباحاً بأنك بوابة للوحش و ها أنت على وشك وضع شيء ما خطير عليك . هل تحبين رؤية قدمك تتقطع ؟!.
ترك يدي وكأنه مشمئز , ضممت يدي برقة أحاول تدفئتها بينما قلت منزعجة : أتعني بأن بي شيء شرير و هذا الجرس سيحاول اقتطاعه مني ؟!.
_ ها أنت بدأتِ تفهمين !.
قالها لكل سخرية وكأني شخص أخرق للغاية , هززت رأسي احاول التركيز ,قلت أهمس بيأس : و كيف الآن سأحمي نفسي .. كيف أتخلص من تلك العلامة مهما كانت في المقام الأول..!
_ مادام هذين الشيئين منفصلين فهما يقومان بعملية تنبيهك لا حمايتك .. لكن لا تجميعهما معاً فستقلتين , أما بالنسبة للعلامة فهذه .. من وضعها وحده هو من يستطيع ازالتها ..!
لم اقدر على التنفس لثوان , قلت بقلق : ذلك الشيء... لن .. يزيلها أليس كذلك ؟!.
_ ولمَ يفعل ؟! , أنت بوابة ممتازة له ..
_ لا أحب نبرة السرور في صوتك !.
ضاقت عيناه الرماديتان و هزأ قائلا : وأنا بدأت أندم على تحذريك من ذلك الجرس والسلسلة.
رددت بحده : يلا الأسف ندمك متأخراً !.
وافقني ببرود : لكن , رؤيتك تتقطعين أشلاءاً وسط ساحة المدرسة غير جيد على البشر هنا...!
رفعت رأسي ببرود : تتحدث وكأنك لست بشرياً مثلهم !.
ومضت عيناه بخطورة : ومن قال ؟!.
خفق قلبي قلقاً .. ماذا يعني هذا ال... قلت بتردد : إذن لست... بشرياً حقاً... ولا... ليونـ...
قاطعني بلا اهتمام : ليس تماماً بالنسبة لي , لكن ليو حالة أخرى...
همست بقلق وعيناي متوسعة : وماذا تكونان ؟!.
_ أنت لا تزالين في مرحلة أنكار لتلك الوحوش التي تزورك بسعادة , فكيف تردينني أن أخبرك , لن يعجبك هذا لكني لا أهتم في الواقع لما تظنين ..
ضاق جبيني و حاولت قائلة : مصاص دماء مثلاً ؟!. مع أنني أظنك أسوأ...
لمعت عيناه و مط شفتيه ليقول بهمس ناعم : هذا ليونارد ..بالطبع أنتِ عديمة الملاحظة , لكنك نلت نقطة على معرفتك لهذا الوجود !.
فغرت فاهي , ياله من وضيع لا يفوت أي فرصة لأهانتي...
قلت ببرود : مع هذا ليون أفضل منك , لا شك بأنك ابن الوحوش...
ولينتي لم أنطق , لقد برقت عيناه ببرق ذهبي و اهتز جسده مع لفحة هواء جليدية ضربت وجهي .. شحب وجهه جداً وأبيض كالثلج بينما أحمرت شفتاه و قلبت عيناه بسرعة خاطفة للون الذهبي النارية المشتعل ..
هب واقفاً فضممت نفسي بسرعة وكأنني خشيت أن يقطع رأسي .. هدر بحده لم أسمعها من قبل أبداً :
_ لعلمك فقط ولأنارة عقلك الغبي !, أنا ولدت من أروع أبوين عرفهما كلا العالمين هنا.. لا يمكنك حتى أن تنعتهما بأي صفة قريبة من قلة الأحساس !...
التف من الطاولة بسرعة و عنف ثم ذهب بعيداً بينما عبثت رياح باردة شديدة في الساحة جعلت الأشجار تتمايل و الطلبة القليلون يهرعون إلى الساحة الداخلية...
كنت مصعوقة , مالذي جرى له بحق ال....!!
هززت رأسي أحاول التفكير , هل يظنني أهنت أبويه ؟!. آه يالا الحماقة , كلانا أبله و غبي... أني أقصده هو فقط بالتشبيه , ما كان له أن يثير أعصابي هكذا .. لكني لم اتوقع أن يكون محباً لوالديه بهذه الشدة ..! كان علي أن أتعقل أكثر منه... لا يمكن أن يفقد كلانا صبره .. سأضع أعصابي في مياه باردة المرة القادمة .. أن لم يكن هو متعقلا أنا سأكون !.
ساعدت نفسي بنفسي مجدداً و بصعوبة كي ارتقي الألواح و أدخل البناء , رأينني الفتيات "لونا" ذات الشعر القصير و "سيلا" ذات الشعر الأشقر , نظرن نحوي بقلق طفيف ثم ابتسمن وساعدنني في الوصول للصف التالي ..
لم أرى ذلك المدعو "دانييل" كل اليوم و هذا حسن , أني حتى لست متأكدة بأنه يتظاهر بالدراسة لأجل حراستي كـ ليون .. ليونارد الذي قال أنه مصاص دماء .. بصراحة أنا لم أكون أي فكرة أو شكلاً معيناً في عقلي لهؤلاء ..!
حسنا ربما فكرت بـ .. وحش ضخم شاحب اللون جداً رمادي ربما بأجنحة جلدية مخيفة و أنياب ظاهره .. وليس شاباً وسيم المظهر هادئ وحاد بنفس الوقت , مع هذا هو أفضل أخلاقاً من رفيقه .
وفي نهاية اليوم , جاء والدي وكان يبدو شاحباً أكثر من العادة فخفق قلبي توتراً وقلقاً... قلت بهدوء وهو يساعدني على الجلوس في المقعد :
_ أين جيني...؟!
_ في المنزل , معها السيدة فرانس...
عندما قال السيدة فرانس هل يقصد زوجة لوك الرقيقة , أم تلك العجوز التي لا تراني ؟!. لكن لا يهم كثيراً هذا .. ما يقلقني هو أبي , قلت مجدداً بتوتر : ماذا إذن ؟!.
حدق بي قليلا ثم قال وهو ينطلق بالسيارة : لا أدري لقد اسيقظت جيني باكية لاكتشف أنها مصابة بالحمى .. أخذتها للمستشفى ليس بالشيء الخطير أنما فقط مجرد برد , أخذت بعض الادوية و عدت...
شهقت بقلق حبيبتي جيني مريضة , قلت : آوه وكيف هي الآن ؟!.
_ تركتها نائمة و بصبحتها السيدة فرانس لقد تحسنت قليلا..
كنت قلقة جداً وأصابني الرعب فجأة , ماذا لو لم تكن حمى عادية , ماذا لو أذاها شيء ما....! عندها ماذا سأفعل ؟!.
رأيت وجه والدي قلقا جدا شاحباً وكأنه أصبح في الخمسين فجأة , فمسحت على يده برقة و اكتشفت بأن يدي كالثلج ..
صفيت حنجرتي كي يخرج صوتي صافياً : ستكون بخير أبي...
زفر ثم نظر نحوي وابتسم بعطف ولم ينطق بشيء , حتى توقفنا أمام المنزل , لكن والدي لم ينزل من السيارة بل بقي قليلا منتظراً ينظر خارجاً , عرفت بأنه يريد التحدث إلي... و بهذه الطريقة لا يبدو أن الحديث جيد !.
التفت نحوي وقال بهدوء وعيناه الزرقاء لامعة بحزن : لقد وصلت... المربية أنها أخت لوك تدعى ليندا , وهي تعمل طبيبة أطفال لكنها تركت العمل و أتت هنا , هل يمكنك تخيل هذا ؟!.
كان يتكلم بهدوء خافت شديد , يخفي عاصفة غضب رهيبة أعرفها ... كنت أنا أيضا مصدومة أنما ليس بهذا القدر لقد خفف غضبي أيضا من شدة الصدمة ...
هززت رأسي و قلت بتماسك : لندخل أبي .
خرج بخفه من الباب و جلب عربتي لكنه أخذها للداخل , فغرت فمي ... أبــــييي ><... !!
أتى نحوي فقلت مسيطرة بصعوبة على أعصابي : أنت لا تفكر بأدخالي للمنزل محمولة هكذا !!.
زم شفتيه ولم يأبه لي قال بهدوء : هيا كلآرا , أنهم في الأعلى سينزلون خلال دقائق...
فحملني بخفه و أنا أسأل بتردد : عندما قلت أنهم ... من يكونوا ؟!.
_ لوك هنا أيضا , والسيدة جورجيا لكنها قد غادرت قبل مجيئنا...
حسنا ربما تلك العجوز اطمئنت على جيني و غادرت لا يهمها أيا منا الابنة الأخرى المقعدة و والدها البائس !. تضايقت من نفسي و من سوداوية أفكاري ..!
أجلسني أبي على الأريكة و عندما هم بالخروج من الردهة , دخل لوك أعرف قامته الرشيقة كوالدي و من خلفه فتاة . لا بل شابة تكبرني بعشر سنوات ربما !!.
كانت بشعر أشقر داكن وعينين واسعتين عسليتين , آه ربما كانت في السادسة و العشرين , عبست بشدة تبدو جميلة جداً و أصغر بكثير من عمرها , فكشرت بقوة و ألتمعت عيناي و أوشك على الأنفجار...
نظر نحوي لوك و تبسم بقلق واضح , بينما بقي والدي واقفاً قربي ببرود يديه في جيبيه , وقفت الشابة بتوتر هي أيضا ببنطالها الجينز الجديد هذا و قميصها الذي يبدو ثمينا ><"...
بدأ لوك الكلام بهدوء وتمالك : جيني بخير الآن , أنها نائمة , تحتاج لكثير من النوم...
ثم نظر نحوي و تبسم قائلا : هاي كلآرا , كيف حالك عزيزتي ؟!.
أومأت برأسي ولم ابتسم تماماً , مع أن لوك لا ذنب له , لاحظت نظرات المرأة الفضولية نحوي تتأملني بدقة ثم وقعت عيناها بعيني فضيقتهما بعبوس , ابتسمت لي بتوتر ثم تقدمت برشاقة احسدها .
و صافحتني بحرارة وهي تقول بصوت ناعم : كلآرا الجميلة , مرحبا حبيبتي أنا ليندا . كيف حالك ؟!.
توترت جداً , حسنا اعترف بأنها تبدو لي لطيفة لكن لنرى لاحقا....
رددت بهدوء وبلا ابتسام : اهلا , أنا بخير...
قال والدي فجأة ببرود : سأحضر الشاي .
فقال لوك سريعاً : سأساعدك ...
و خرجا معاً و أنا أحدق بهما برعب ... هييييه تركتماني مع هذه المرأة وحدي لماذا ؟!.
بقيت دقيقة جامدة لا أفعل شيئا فتحركت ليندا هذه لتجلس على كرسي قريب مني تقابلني , سألت برقة :
_ كيف كان يومك كلآرا , هل المدرسة لطيفة ؟!.
رددت بهدوء كي لا تظنني مضطربة نفسية : جيد جداً , لا بأس .
أومأت و قالت بهدوء : أنا آسفة أن ضايقتكم و جئت بهذا الشكل وكأنني وضعتكم أمام الأمر الواقع , لكني في الحقيقة تركت عملي منذ زمن و كنت أريد العودة لعائلتي هنا .. كنت بائسة بالمدينة حقاً , لم أحبها .
صمت أحدق بها بهدوء , بدت هناك ظلال داكنة حول عينيها و وجهها شاحب قليلا , سألت بهدوء : أليست الوظيفة رائعة ؟!.
طرفت بعينيها كثيراً وكأنها تفاجئت من تجاوبي معها , قالت مبتسمة بحنان : رائعة جداً , لكني لم أتأقلم جيداً فحاولت و بقيت هناك ثلاث سنوات بلا جدوى .. اكتسبت خبرة لكنها ليست كافية بالنسبة لي.
ابتسمت مجدداً وقالت بتوتر خفي لاحظته : حسنا أنا لا أريد التطفل أبداً , لقد جئت للتحية فقط و رأينا فجأة والدك قادم و معه جيني من المستشفى .. آه لقد انزعج كثيراً .
ضاق جبيني وقلت بخفوت : لكن شكراً لزيارتك.
ابتسمت لي مجدداً ثم نهضت وهي تنظر في ساعتها الثمنية بمعصمها قالت : سأعود لوالداي الآن , يجب ان اعتذر عن الشاي ..
دخل والدي فجأة بالشاي ومن خلفه لوك يحمل صينية كعك , نظروا نحوها متسائلين فابتسمت وهي تقول : يجب أن أذهب.
قبل أن ينطق والدي , قال لوك بسرعة : لا بأس عزيزتي سأوصلك.
زممت شفتي بقوة , قال والدي بصوت بارد واضح جعلنا كلنا ننتبه : ليس قبل شرب الشاي.
خفق قلبي و قلت بنفسي لو أنني مكانهم لفررت بسرعة لا يهمني الشاي , لكن الشابة قالت بابتسام خفيف : لا بأس , لكني سأخرج مباشرة , والداي يريدان التحدث إلي.
فجلست على نفس مقعدها و جلس لوك بترقب على مقعد مجاور , بينما سكب والدي الشاي لهم ثم سلمني كأسي و جلس بجانبي تماماً و رفع ذراعه من خلف ظهري ولم يشرب هو شيء... بل بقي يراقب الجميع ببرود .
حسنا , فعلته هذه وكأنه يحميني , لكن مما أبي بربك أهدأ .. هذه المرأة مسكينة , لا شك بأن لوك بقي أيضا لحماية أخته ×× أكره الأوضاع العائلية المعقدة...!!
قالت المرأة فجأة بمرح : هذا الشاي لذيذ من منكما أعده هكذا , أم أنكما تعاونتما معاً مع أنني أشك بهذا ..
تجهم والدي بينما كدت اختنق أنا بشرابي , نظر لوك نحونا بانتظار , فأجاب أبي بهمس هادئ : لقد تعاونا , المهم هو النتيجة .
ابتسمت بهدوء وهي تلقي بنظرة سريعة على اخيها : معك حق .
ثم قالت مجدداً بهدوء : أتيت من المطار والسماء تقصف و تمطر بقوة , لكن الغيوم هنا كثيفة جداً تبدو كأنها تمطر ..
انصتا فجأة و سمعنا صوت المطر يشتد بتدرج , قلت أنا بهدوء : آوه بهذه السرعة !.
فتبسمت لي الشابة , بينما قال لوك : ربما يجب أن نذهب قبل أن يشتد المطر أكثر , سأجد أليكس وسنمضي الوقت بالبيت...
فوقفت معه اخته و كذلك أبي الذي قال بهدوء : أيمكنك زيارتي غداً...؟!
لاحظت بأنه وجة الدعوة لـ لوك فقط !.. فراقبت ملامح الشابة الهادئة الطبيعية , بينما لوك يجيب : آه بالطبع لا بأس .
لكن فجأة قالت المرأة بهدوء وعيناها مركزتين على أبي : هل يمكنني أن أتحدث معك غداً أيضاً ؟!.
رأيت ملامح وجهه تشتد و شفتيه تحمران , آوه سوف يرفض , لكنه أشاح بنظره فجأة و نظر إلي أنا ..
رد عليها وهو يحدق بي : أجل .
ثم اصطحبهم إلى الباب ... وتأخر بالعودة ربما ذهب للمطبخ , أو ليطمئن على جيني .. قضمت من الكعك
و تناولت الشاي الساخن و عيناي على النافذ المسدلة الستائر لا استطيع الرؤية لكن صوت المطر بدا واضحا أكثر ..
يجب أن اهنئ أبي على قوة تمالكه اليوم , لقد ارهق كثيراً ولم ينفجر غاضباً .. أو ربما غضب وانتهى >>؟!
_ صنعت هذه الشطائر ...
التفت اليه وهو يضع طبق ملئي بالشطائر الساخنة أمامي , و أكمل بسرعة : سأرى جيني...! .
ثم اختفى سريعاً من الباب , تأوهت , أنه لا يزال غاضب...!


مرت ربع ساعة ولم ينزل أبي أو أره , هدر صوت الرعد بقوة قريباً جداً و اشتد المطر أكثر , قربت مقعدي كي أجلس عليه , لكن داهمني شعور مفاجئ و ألم رهيب في عظامي كلها و ساقي خاصة !!.
انحنت و أنا اشهق وأضم نفسي ..وكأن كهرباء صعقتني فجأة , كتمت ألمي بصعوبة وشعرت بغثيان رهيب و كدت أخرج كل مافي جوفي على السجاد .. لكني تمالكت نفسي و ترنحنت يمنة و يسرة .. شعرت بيد تقبض على كتفي ..
_ مالذي جرى ؟!.
ما هذا الصوت لم أعرفه , لكن اليد الباردة ليست يد والدي .. رأيت بعيناي شيئا غريباً .. و لأول مرة ...
ظلا غريباً ينحني فوقي ويرفعني عالياً بلطف , ثم وكأنه أحاطني بذاعيه محتضنا , كنت صغيرة الجسم جداً بالنسبة إليه .. بعدها انزلني و رأيت ظلال غرفة ما لم أعرفها...
_ كلارا ؟!!!
شهقت بقوة و التفتُ بعنف نحوه الصوت , كان أنفي على بعد سنتميتر واحد فقط من انفه , وعيون زرقاء فاتحة جداً متسعة في عيني المرعوبة ..
آوه لا داع للخوف , أنه ليونارد ... ابتعد بسرعة عني , كان خلف الأريكة منحنِ نحوي , التفت و جاء يقف أمامي ..
_ مالذي جرى لك ! , لقد اغشي عليك لثانية !!.
حدقت به وأنا استرد أنفاسي.. رفعت حاجبي مصدومة , قلت بتردد : اغشي علي ؟!.
طرف بعينيه بحده و تلفت حوله , كان يلبس ملابس جلدية سوداء , ويبدو كـ شاب عصابات . لكنه وسيم جداً..
_ لقد زاغت عيناك و تشنج جسدك بشكل رهيب ثم اغشي عليك بين ذارعي بعدها افقت مرعوبة ! قلت أن الفتاة ماتت !!.
لكن الألم في ساقي كلاهما لا يزال يسري , لم اقدر على تحريكهما قط , مالذي دهاني ؟!.
قلت برجاء : ساعدني ارجوك .. لأجلس هنا .
كنت أشعر بأن عيناي تدمعان لكني لن أبكي , رفعت بصري نحوه فتقدم مني بهدوء وقال هامساً : سأحملك ..
_ لـ....
لم أكمل اعتراضي لأنه حملني حقاً و سار بي بهدوء , قلت بتوتر : لا ارجوك , احتاج أن أجهز ثيابي و أذهب للاستحمام !.
رد ببرود : لا , يجب ان تتناولي الدواء أولاً ..ثم ترتاحي , الاستحمام سينتظر .
نظرت الى الساعة ما أن انزلني فوق السرير و التفت حوله , كانت تشير الى الخامسة تماماً و الجو قد أظلم بشدة ..
اختفى الشاب بسرعة من الباب ثم عاد بسرعة و وضع كرسيي قرب السرير , همس : والدك آتٍ ..
سمعت صوت والدي ينادي بتوتر : كــلآرا ؟!..
_ هنا أبي ! , بغرفتي...
لا أدري أين اختفى ليونارد .. لكنه فعل هذا بسرعة تربكني , دخل والدي بسرعة أيضا و حدق بي بعيون قلقة ...
_ حبيبتي ما بك ؟!.
طرفت بعيني ببرائة : ماذا ؟!.
اقترب مني و حدق بي جيداً , هو يشعر بشيء ما لكنه غير واثق .. مسح على شعري المتطاير الاشعث ثم على وجهي برقة ..
_ أنتِ متجمدة كالصقيع , آوه يا صغيرتي سأجلب لك غطاء اضافياً .
فتحت فمي لاعترض لكنه خرج سريعاً , آووف لمَ الناس يتحركون بسرعة دوما هكذا !! , وفكرت بـ ليونارد , ألم يكن خارجاً لمقابلة صديقته , لكنه عاد و هذا مريح يعني أن مقابلة ذلك المزاج الناري المخيف ستقل !. كننت معه ليوم واحد وكاد يصيبني الجنون !.
جلب لي والدي الغطاء و جلس يتحدث معي قليلا على أمور غير هامة كـ عمله المكتبي العادي و عند كتب مفيدة في مكتبة جدي ثم قال بأن جيني تحسنت وهي تنام كثيراً , آوه افتقد صغيرتي المدللة ..!
كنت أعلم بأنه يتجنب الحديث عن تلك المرأة , ما كان اسمها ؟!
لكنها أقل همومي حقاً , لدي اشياء تفزعني و تشغلني طيلة حياتي المتبقية .. التي أشعر بأنها لن تكون طويلة...
_ هل ستنامين الآن ؟!
اجبت بطبيعية : سأقرأ كتاب ما و أظنني سأنام قريباً أجل .
همهم بهدوء ثم نهض ليتمشى بغرفتي قليلاً توقف أمام النافذة و ظل يحدق بالظلام بصمت , سألني فجأة بهدوء :
_ هل يعجبك هذا المكان ؟!.
هل يعجبني أنه لا يعجبني قط ,, أني أكرهه جداً , أني أكرهه لحد أن...
_ لا بأس به أبي .
وجدت نفسي أكذب لأجله وابتسم بتردد , من الجيد انه التفت بالحظة المناسبة ولكنه لم يبتسم إنما التمعت عيناه ..
اقترب مني و ضمني بحنان ثم قبل رأسي وهو يقول : فتاتي الصغيرة تحاول أن تكون قوية . لن أغضب أن قلت بأن المكان مقرف حبيبتي اتذكر انزعاجك في أول يوم .. أنا أيضا منزعج قليلا.. لكننا سنمضي...
ضحكت بلا صوت رغما عني .. فأكمل وهو يعانقني : اشعر بأنك ستتحسنين بسرعة و سأفعل ما تريدين .. البقاء هنا أم الرحيل .. و ستختارين مدرستك بنفسك...
آوه , هذا ما يفكر به !.. قلت ضاحكة : حسنا تذكر هذا عندما أسير على قدمي مجدداً ^^ .
ضحك هو أيضا بمرح : آوه أجل ستفعلين.
...
كان الطبيب لوك يتحدث بأمور تافهة غريبة وأنا أحدق به بتركيز وتعب و ملل .. مالذي يحاول قوله بالضبط !.
كنت في موعدي معه بعد ثلاث أيام وقد قلت له بأن قدميّ كلاهما يقتلانني من الألم حتى المسكنات لا تنفع كثيراً , وأنا أخفي هذا عن والدي , لكنه اكتشف هذا و غضب ثم اتصل بـ لوك وقدم موعدي الذي يفترض به أن يكون بنهاية الاسبوع ..
و هاهو يذهب مع ذلك الأخصائي و يتركني وحدي مع لـوك الذي اصبح ثرثاراً فجأة !!.
و قلقاً أيضاً , جلب لي العصير و استئذنني قليلا ..بعدما خرج فكرت بأبي و جيني التي تركها مع ممرضات لطيفات بالحضانة ..
دخل لوك بعد دقائق ولا يبدو سعيدا أبداً حتى بعدما ابتسم بتوتر .. خفق قلبي هناك شيء سيء بالطريق...><"...
لم يجلس أمامي على المكتب بل ظل واقفاً الى جانبي قليلا ... رفعت رأسي إليه مستفسرة بقلق.
_ كلارا , لقد ظهرت نتائج التحاليل والأشعة ..
كان صوته دافئاً لكن البرودة اجتاحت جسدي , قلت قبل أن يكمل كلامه : خارج التوقعات !. أني أفهم إن كانت سيئة !.
حدق بي مصدوما قليلاً هز رأسه وجاء ليجلس لكن بجانبي , بطريقة تشبه طريقة والدي قلقة يحاول حمايتي ربما...
قال متردداً لكن مصراً : كلارا , أرجوك افهمي هذا , في عالم الطب....
آوووه هاقد عاد للثرثرة مجدداً ... قلت بسرعة اطمئنه : يمكنك أخباري بأي شيء أنا بخير تماماً .. أعرف بأن التحاليل ليست جيدة ..
تنهد و قال بأسى وهو يحدق بسقف الغرفة : حسنا .. أنها ليست جيدة , وهذا أمر يمكنك تخمينه أليس كذلك ؟!. لكن الأمر الآخر هو...
نظر في عيني وأكمل بنبرة حزينة : لن تتحسن قدمك مطلقاً كلارا .. أبداً .. لن تقدري على السير مجددا بطبيعية . أنا آسف جداً .. آسف حقاً لأن لا يداي هاتي ولا يدا الاخصائي لايت ولا الاستشاري الذي تحدثنا معه و لا غيرهم يقدر على اعادتها كما كانت .. تستطيعين السير بمساعدة عكاز فقط..
حدقت به دون أن اتنفس .. اللعنة ! ...
تباً مالذي سيحدث لـ والدي !!.. كان يشعر بالأمل أكثر مني... آه ه ه
شعرت بسكين يقطع بأحشائي , ابتعلت لعابي و أنا أحدق بعيني الطبيب الحزينتين , قلت بهدوء : حـ...حسنا...!
تبا صوتي يرتجف , آه أنها صدمة , ظننت بأني قادرة على التقبل... ظننت بأني .. سأتحسن يوما ما...
لكن لا ... كل ظنوني خابـت .. و أملي الوحيد البائس , ظهر بأنه سراب لا أمل ...!
_ كلارا ؟!.
همس الطبيب بقلق , كان الغشاوة ابتعدت عن عيني و رأيته أمامي , قلت ببرود غريب : ماذا ؟!.
كان قلقاً جداً , هز رأسه بشكل خفيف و قال بدفء مشجع : أنها تتحسن ببطء , لكن في النهاية تحتاجين لعكاز فقط للمساعدة على التوازن , الأعصاب ماتت تماماً لكن الأربطة تنمو و تتحسن وأنت شابة قوية , لا تتوقفي عن القتال أبداً , اتفقنا ؟.. لا للاستسلام ؟!.
كان كلامه نصف مشجع نصف مُغضب ... قلت وأنا أحاول التنفس طبيعياً : وماذا لو... لو اردت الاستسلام , ماذا لو اردت التوقف عن القتال كما تقول .. ماذا لو أني سأعيش مع هذه الحقيقة لكني لن أكون راضية .. ماذا لو أردت أن أقفز على قدمي حتى لو تكسرت .. ماذا لو اصبحت عصبية جداً و أغضب و هكذا.. أسيء للناس و ألوم نفسي و أود لو أكون مجرمة و أكره الحيـ....
اوقفني وهو يمسك بذراعي قائلا : توقفي كلارا... اهدئي .. اهدئي خذي نفساً...
رددت بحده : لا أريد أخذ نفس , أرأيت لقد خابت كل آمال والدي بي... أنه يعاني لأجلي .. أنت لا تفهم .. ها أنا أخذله مجدداً... و مجدداً و... ومجـ...
_ كلارا !!
لم يكن هذا صوت الطبيب , بل....
حدقت بالباب برعب , كان أبي واقفاً يحدق بي بصدمة ومن خلفه شخص ما ..
شعرت بأن العالم يتحطم حولي كله !!!... لقد رأى والدي ضعفي وانهياري ... لقد تحطم كل شيء... تماسكي . درعي... كل شيء...
كدت أبكي ... لكن لا أدري لم بردت عيناي فجأة و تسمرت...
نهض لوك وقال لي وهو يمسك بيدي يشد عليها قليلا : لقد أخبر الدكتور لايت والدك , سأخرج قليلا الآن.
صدمت وكدت اقول له لا تتركني هكذا مع أبي ...!! أني منهارة ويجب أن يغطي علي قليلا حتى لا يلاحظ أبي كل شيء...
لكن فات الأوان !.
كان الطبيب لايت هو من يقف خلف أبي و خرجوا جميعا مغلقين الباب خلفهم , بينما تقدم مني بهدوء ..
قلت بسرعة قبل أن ينطق بشيء يقتلني : أسمع ! , هذا الوضع كل تافه !.. حقاً , بربك لا يوجد شيء أسوأ من هذا أليس كذلك , اعتقد بأننا وصلنا للحد الأقصى ! . هذه الحياة سخيفة , أعني ...
وضحكت فجأة بصوت عالي لا اعرفه , أكملت وأنا أنظر لأي شيء غير وجه والدي :
_ كل ما أقصده هو .. سأسير بثلاث سيقان بدل اثنان لما تبقى من حياتي , هذا ليس بتلك القضية الكبرى , هناك المئات غيري , مهما يكن , أنا غير مهتمة . لكني خيبت أملك بشكل فضيع للمرة الثانية .. لا أنا لست منهارة أبي لكني اتمنى لو كانت لديك آي ابنة غيري تستطيع أن تعتمد عليها و تحبها جيداً .. آوه ربما جيني رائعة بما يكفي .. أليست كذلك ؟!. أني اشعر بالسخافة حقا , كلامي أخرق لا أدري لم أثرثر الآن . لكن سامحني .. سامحني أرجوك.
نظرت نحوه برعب وجسدي يتعرق ببروده , فوجئت بالصدمة والدموع اللامعة في عينيه الزرقاء الداكنة الرائعة ..
قلت بخوف وأنا ابتلع دموعي : أبي ؟!.
تغيرت نظرته للحدة ! , فقال بغضب وهو لا يزال واقفا أمامي : في الواقع نعم ثرثرتك خرقاء سخيفة ولا معنى لها ! , و تستمرين بهذا مع علمك بأنك فتاتي المفضلة وابنتي الأولى الثمينة ... لم أكن أظن بأن ردة فعلك للنتيجة غريبة و بلهاء بهذا الشكل ... لماذا تستمرين بالتقليل من شأنك و بأن نهاية العالم غداً...؟!
كدت أبكي من نبرته أكثر من كلامه .. فأنا لا اسمعه جيداً الآن .. قلت بصوت مبحوح : وآسفة لأن ردة فعلي غير طبيعية أيضا...!
تأوه بغضب وهو يرفع رأسه عالياً : ياااارب ساعدني !!.
تقدم مني وجلس بجانبي ثم أخذني بين ذراعيه كان يخفي عينيه عني .. من يرانا يظن بأنه هو المصاب لا أنا .. لا أدري من أين اتاني الجمود و البرود ....و الغباء هذا كله !!.
_ حبيبتي الصغيرة الحمقاء .. أنا أحبك مهما حدث , وأنتِ لم تخيبي أمالي قط ! , أنا الذي اعطاك أملاً زائفاً اتذكرين حديثنا قبل أيام ... قلت بأنك ستسيرين مجدداً .. وشجعتك , لكني خذلتك . آسف صغيرتي .. أنا آسف...
يالا الغباء كلانا يتعقد بأنه خذل الآخر ... لكن والدي لا ذنب له .. لا ذنب له بأي شيء من البداية ... وهو لا يستحق هذه المعاناة ... لقد عانى من قبل بما فيه الكفاية...!
قلت بهمس : وأنا أحبك أبي , فقط .. لننسى الأمر...
ضحك بحزن وابتعد قليلا عني ليقول بحنان وهو يمسح على وجهي : من أين جلبت كل هذه القوة ؟!.
يظنني قوية ! وأنا أشعر بأنني اتفتت من الداخل ببطء و أتلاشى ...~
_ لكني عند وعدي... سيبقى كما هو...
حدقت به و قلت : وعد ماذا ...؟!
ضاق جبينه و كلمني بجدية : أن كنت تريدين الرحيل فسنرحل و سنمكث بمكان تحبينه و سأجلب لك خادمة خاصة و ستدرسين بـ...
قاطعته بضحكة متكسرة : لا أبي... لا أريد أن نرحل , ونبدأ من جديد برحلة آخرى للبحث لك عن وظيفة !.
_ هاا أيتها الماكرة الخبيثة ! , هكذا إذن ...
قرصني على أنفي بلطف فضحكت رغما عني , قال فجأة وهو يتأملني : .. لكانت والدتك فخورة بك , أنا أدرك بأنك قوية حبيبتي , لكن لهذه الدرجة .. لقد اذهلتني...
تجاهلت كلمة قوية و قلت : وستفخر أيضاً بك ..
جاء الطبيب لايت و لوك وحدثنا قليلا , بينما بقي لوك صامتا عابساً قليلا وغارقا بالأفكار .. آوه لا يمكن أن يشعر هو أيضا بالذنب...!
قال لي الاخصائي بلطف بالغ ومرح رائع هو يسلمني باقة ورد بيضاء و زهرية رائعة و كبيرة
_: هذه لأجلك اقتطفتها من حدائق الملكة أليزابيث منتصف الليل تحت ضوء قمر كامل لعلها تضاهيك جمالاً لكن لا جمال يضاهيك يا عزيزتي...
و غمز لي مداعباً وهو يقول : ليتني اصغر بعشرين سنه هاها...
فضحكت بشدة و كذلك والدي و لوك الذي جلب لي هدية أخرى أيضاً , في الواقع ثلاث هدايا , تحفة رائعة بشكل حورية على الصخور , و وشاح حريري , وساعة ثمينة !.
وكذلك الممرضة اللطيفة جلبت لي هدية لوحة رائعة لبحر و شروق الشمس... أحببتها كثيراً.
خجلت منهم جداً , كانوا يعلمون بالنتائج سابقاً و أظنهم جهزوا هذا لأجلي لعلي انهار و أبكي .. لكن كما يبدو لم يتوقع أحد ولا حتى أنا ردة فعلي البائسة تلك...
رافقنا لوك للمنزل و كانت الساعة السابعة مساءاً .. وجيني قد عادت لطبيعتها المشعة الرائعة ..
تركاني وجيني في الردهة و ذهبا ليعدا معا شيئا للعشاء ..

ظللت أفكر بسكينة و جيني تلعب قربي بألعاب وهدايا أيضا من الأطباء الذين سحرتهم بجمالها و برائتها ..
فكرت بـ أني ... كنت حمقاء... و حمقاء رهيبة أيضاً . كان علي الصبر و التماسك , لكني غضبت من لوك و من نفسي و حاولت لوم العالم و الحياة التي اعيش بها أيضا .. آه .
تنهدت بأسى و شعرت بأني سأنهار عند أي كلمة سيئة .. لكن الجميع حرص على اللطافة البالغة والابتسام والمرح بوجهي... لذا ليس لدي عذر غير رد الابتسامات والمرح ... الزائف.!
لقد عملت هذا ... لقد عرفته . أني أعرف نفسي حقاً ... أنا لست راضية الآن , و مجدداً أرى مستقبلي أشد أسودادا مظلم لا أعرفه ... تبا أكره أن أواجه المجهول ... أكره بأن أكون عاجزة هكذا , مسلوبة الأسلحة لا شيء لدي .. وبمواجة تلك الأمور الأخرى...!
شعرت بشيء يملس ركبتي...
نظرت لـ جيني التي وقفت على قدميها و توازن نفسها علي , كانت تحدق بي بعيونها الواسعة الرائعة التي بلون السماء ..
_ تارا .. تاتا .. تــارا ؟!
كانت تحدق بي مستفسرة وكأنه قلقه علي , و تتلمس ركبتي و ساقي بيديها الصغيرة الناعمة بينما شعرها الأشقر الفاتح جدا والناعم كالحرير متطاير حول وجهها الأبيض و خديها الحمراوين ..
تأوهت وكدت أبكي , لكني رفعتها إلي و احتضنتها وقبلتها , أنها نسخة عن أمي الراحلة .. هذه الفاتنة الصغيرة الطيبة...
وهي تحاول قول كلارا ... لكنه يتحول لـ تارا ؟!... هذا ليس سيئا .. ابتسمت لها بحب فأخذت تتحسس وجهي بنعومة ..
دخل لوك وهو يحمل كأس عصير ضخم , ابتسم لنا بلطف ثم انحنى و حمل جيني مني , سلمني الكأس و جلس على الكرسي قربي و الطفلة بحجره يلاعبها ..
همست أشكره , فأومأ وهو يقول بهدوء : أننا نطهو شرائح اللحم والمكرونة بالجبنة .. مع عصير الفاكهة .
أخذ يداعب جيني بأبوة , بينما أنا أشرب , توقفت قليلاً , ثم قلت باحراج له : لوك , أنا .. آسفة لقد سببت لك الأزعاج , الكثير منه في الحقيقة , وأنا آسفة ..
حدق بي وقال متفاجئاً : آووه لا عزيزتي , لا أزعاج أبداً , بل العكس أنت أفضل شابة في سنك قابلتها مختلفة جداً , كما أنك أفضل مريض حظيت به . لقد ساعدنا بعضنا البعض أليس كذلك ؟!.
خجلت واخفضت عيناي , بينما تابع بمرح : ولا حتى عندما قلتِ بأنك ستصبحين مجرمة ؟!
وابتسم بحنان , كدت اضحك , قلت بتردد : أجل , كما أني أشكرك على الهدايا , أنها جميلة جداً .
ابتسم وقال بهدوء : الوشاح من جوليان أنها معجبة بك و نتمنى معاً أن تزورونا يوماً في منزلي الخاص ..
شكرته بلطف ثم فكرت بالذهاب لغرفتي كي آخذ حماماً سريعاً و ابدل ثيابي قبل العشاء.. فنظرت إلى كرسيي المتحرك...
_ يمكنك التخلي عن هذا في نهاية الأسبوع , يمكنك السير الأسبوع المقبل الى المدرسة بالعكاز .
نظرت إليه و سألت بهدوء : وهل سيكونان اثنان ؟!.
_ في البداية نعم . اننا نفصّله بشكل خاص و سنعلمك كيفية السير به بسهولة .
أومأت بهدوء بدا لي العكاز شيئا رحيماً .. ساعدني في الوصول لغرفتي ثم عاد بسرعة ليهتم بـ جيني .. اخرجت ثيابي و نظرت الى الساعة كانت تقترب من الثامنة ..
وأنا استحم تفحصت كلا قدمي و كاحلي .. يبدوان طبيعين جداً , لكنهما ليسا كذلك ..
غسلت شعري جيداً ثم ارتديت ملابسي بعجل و خرجت والمنشفة فوق كتفي حيث شعري المبلل يستقر , دخلت غرفتي وأنا اسمع أصواتهم في المطبخ وكانت جيني معهم .. جففت شعري جيداً وحدقت بوجهي بالمرآة ..
كات شكلي مريعاً , لكن ماذا أفعل لقد اعتدت عليه الآن وتلك الهالات حول عيني تصبح زرقاء , ووجهي بلا دماء وعيناي بلون غريب أخضر باهت كأنه عشب ميت رمادي ..
صمت قليلا , أبدو كالمومياء... لا أدري كيف يتحمل الآخرون النظر نحوي...! أني أجلب الغثيان ~~’ !.
تناولنا العشاء معاً وكان والدي ودوداً رقيقاً أكثر من المعتاد حتى مع لوك , الذي قال وهو على وشك النهوض سأحضر المزيد من العصير , لكن والدي أجلسه ورفض أن ينهض و قام هو بجلبه ... مع أن لوك صديق طفولته ...
عندما ودعنا لوك كرر طلب زيارته لوالدي فوافق أبي فوراً , حمدا لله أن لوك دعانا بمنزله الخاص وليس لدى والديه ..!
لم يحدثني والدي كثيراً كان يعلم بأني أحتاج لبعض الوقت ربما بالنسبة للأمر .. كنت سعيدة بهذا لأني سأنهار هذه المرة أمامه منذ البداية ..
لبست بجامتي البيضاء وجلست على سريري اطفأت المصباح لكني لم أقدر على النوم .. بالرغم من وجود الغيوم تمر بالقمر الكامل والضوء الخافت يأتي و يذهب لم يكن هناك من مطر أو أي أزعاج , المفترض أن أنام ..
لكني وضعت يداي على وجهي وعيناي كي أغلقهما رغم عنهما لأنهما يفتاح من تلقاء نفسيهما و أجد نفسي
أحدق بالسقف المظلم !....
فجأة سمعت تكة ما قرب دولاب ثيابي , فتحت عيني وأنا أزفر بحده .. في البداية لم أرى شيئا ... ثم وقع بصري على ظل نحيل طويل مألوف .. لكنه ملتصق بالجدار يرمقني بلا ملامح للوجه يراقبني بدقة و صمت ...
همس خافت جداً صدر من خلفي : أهذا زائرك الذي كلمني عنه دان ؟!.
كان ليونارد يجلس على طاولة السرير بلا أدنى صوت ولو لم يتحدث لما انتبهت له قط .. كما أنه قرب رأسي جداً كان المفترض أن انتبه له أولاً .. ألقيت إليه نظرة عندما تسلل ضوء القمر و بانت عينيه الزرقاء و وجهه الجميل ..
لم اتكلم , فقال هو مجدداً بهدوء : أنه لا ينوي اذيتك أبداً . كما أنه لا يخافني .
همست بتعب : مالذي يريده ؟!.
ضاقت عيناه و رد : لا ندري .. لكنه ... مهتم بك كما أرى !.
توسعت عيني بقلق , همست برجاء : أطلب منه الرحيل ...!
التفت نحوي بهدوء و رد بهمس : لقد سبق و فعلت , لكنه مصر على البقاء . هناك شيء ما بك يثير اهتمامه...!
خفق قلبي بتوتر , قلت وأنا اختلس النظر إلى الظل الصامت في زاوية الدولاب : اقنعه بأن لا شيء بي مثير للاهتمام !!.
_ أنهم يرون مالا نراه , اسمعي الأمر الأهم هي تلك السلسلة والجرس الصغير .. يجب أن تخرجيها من عندك كلارا...
هززت رأسي بتوتر , قلت : لكنهما ينذراني !.
_ لكنهما يجتمعان , ولكن ليس لك كلارا... سيقتلانك ..
ومض شيء بعقلي , قلت بهدوء اجتاحني فجأة : مهلاً , أنتم على حق ... ربما ليست لي. ربما لـ جيني .. نعم , أو والدي.
نفى برأسه وهو يهمس بصوت مقنع ناعم : لا , أعتقد بأنهما لك , لكن ليس و أنت بهذه الحال.
قلت ببؤس : هذا مرهق , لقد اكتفيت , سأضعها لـ جيني.
و نزعت السلسلة من معصمي لكن الظل اهتاج فجأة وتحول لدخان أسود ثم طار إلي بسرعة , حدقت به مرعوبة بينما قفز ليونارد ليصبح بيننا وهو يرفع ذراعيه أمامه ..
قال بصرامة هامسة : أخرج من هنا ..
لكن الدخان الأسود جداً أخذ يفور حول نفسه ثم تشكل على شكله السابق و هسهسة حادة صدرت منه ..
هز ليون رأسه وقال بحده : أنت تخيفها ! , ابقى هادئا أو أذهب إلى حيث تنتمي !.
اهتز الظل غضباً وهو يصدر الصوت الغاضب , وكأنه يتحدث بغضب وكأنه على وشك الأنفجار أو .. أسوأ...!
رأيت شيء مضيء يلمع بيد ليونارد الممدودة أمامي , وكأن أصابعه تضيء بتوهج متوتر !!.
_ أرجع للظلام أو اهدأ .. يمكنك الاختيار من هذين فقط , أي حركة أخرى سيحدث أمر مؤلم !.
شعرت وكأن الظل توقف عن الاهتزاز لكنه اخذ يحدق بـ ليونارد الهادئ بحقد شديد وبتموج كالدخان ..
قلت بخوف هامسة : مالأمر ليون ؟!.
بقي ليونارد واقفاً أمامي و ظهره إلي , همس بغرابة دون أن يتحرك : أنا أيضا لست واثقاً , لكن حالياً أبقي السوار في معصمك.
لكن الظل أصبح دخان مجدداً و مرق بسرعة من خلال ليونارد ليصبح بجانبي تماماً و احسست به كسحاب بارد جداً وكثيف ..
همس قرب أذني : سيلييسسس...!.
شهقت دون قصد لأن انفاسي كتمت فجأة بينما ليونارد يلتفت بسرعة و قد أظهر ضوء قوي من يديه فأضاء المكان بقوة و حرارة غريبة , فطار الظل من جانبي وهو يهس غاضباً و يلتوى ثم اختفى فجأة من النافذة النصف مفتوحة ..
_ هل أنتِ بخير ؟! , مالذي فعله بك ..
كان يمسك بكتفي ويحدق بي بقوة , قلت بسرعة : لا شيء.. لا شيء... لقد كلمني ربما... اعتقد...
كانت عيون ليونارد حمراء كالدم , و وجهه متغير قليلا , هز شعره وقال بهدوء : آوه , هذا غير مريح قط , قال دانييل بأن هذا الظل يحاول استخدامك او السيطرة عليك مهما يكن.
حدقت به وقلت سريعاً بحده : لا يهمني ما يقوله ذلك المعتوة !.
بردت عيناه ليصبحان زرقاوان ثانية ,قال بهدوء : آها ,وهو أيضاً يبدو غاضباً جداً عندما قابلته في الطريق, هل قال أنك معتوهة .. آوه لا لقد قال بأنك مجنونة وأنك أتعس شخص في العالم !.
توسعت عيناي : مــاذا ؟!!!
_ مهلك ! , كان يقصد بأنه من المحال أن يطارد ظلين شخص واحد بنفس الوقت .. هذا بؤس !.
كانت هذه القشة التي قسمت ظهر البعير ! , بؤس .. تعاسة !... ~~
احترقت عيناي بالدموع وصرخت به : وكأنني أنا من يختار هذا !! . تبا لكم .. لا أريد رؤية أحد .. ابتعدوا جميعاً عنا !!.
_ هييه هدئي من روعك .. حمدا لله أن الغرفة محمية بغطاء .. كلارا ..؟!
تمالكت نفسي وقلت بصوت هادئ غريب : هل يمكنك ان تجيب عن اسئلتي أنها قليلة !.
ظل صامتاً يحدق بي , فقلت بهدوء وعينان تركزان عليه : والدي و جيني هل هما محميان هل تطاردهما الظلال ؟!.
_ أنهما محميان كلارا , لو اراد الظل أذيتهما , دانييل قادر تماماً على ردعه .
سألت بضيق : هل هو هنا ؟!.
_ لقد رحل لمكان ما...
توسعت عيناي و هتفت برعب : من سيحمي والدي و جيني الآن ؟!.
هز ليونارد رأسه وقال بهدوء : هناك شخص آخر يحميهما بالرغم أن دان سيعود غداً ..
غضضت شفتي وقلت ببرود : أن كان الشخص الآخر قادر على الحماية فلا نحتاج أن يعود أصلاً.
رفع ليونارد أحد حاجبيه وجلس على طرف السرير و بعينيه بريق ما .. قال متسائلا بفضول غريب :
_ هل تشاجرتما ؟!. لقد تركتكما يوم واحد فقط...!
قلت أدافع عن نفسي : هو لا يكف عن اهانتي , لا أدري لما يحميني وهو يتمنى موتي من البداية !.
مال ليونارد برأسه وقال بشرود : تشاجرتِ مع دانييـل وريث الظلام و خرجتِ سالمة !...هممم !.
_ في الواقع ظننت بأنه سيقطع رأسي , لكن ها أنا أمامك !... مهلا ً قلت وريــث ماذا ؟!.
_ لا شيء...
ونهض بسرعة , قال بجدية : يجب أن تنامي , غداً لدينا عملية بحث !.
حدقت به : عملية بحث ماذا ؟!.
_ بالضبط , احلاماً سعيدة ...
_ لا .. مهلاً ...
لمس جبيني , فأظلم كل شيء فجأة .. و غرقت بالنوم...~
__________________


.
.
.
داوي جراحي وأسكب عليها بلسما
وأعني على مضيِ الأيام، وعالج جراحي كي لا تزيد فوق ألامي ألماً
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 02-17-2018, 02:19 PM
 
عودة ذا العيون

كنت أقضم الكعك ببرود في المطبخ و جيني على كرسيها خلفي تشد شعري و تعبث به كما تشاء بينما والدي يتحدث بالهاتف في الردهة ...
حدقت بالساعة أنها السابعة , يجب أن نغادر الآن للمدرسة .
ناديت : أبي !.
_ لحظة حبيبتي !.
عاد لمكالمته .. شدت جيني شعري بقوة هذه المرة , فتأوهت والتفت عليها , قلت موبخة :
_ أيتها ال.....
واخذتها لحجري أداعبها فتضحك بصوت عالي ثم اختطفت الكعكة من يدي لتحشرها بفمها ...
_ آآه لا كعكتي !!. جيني لقد تناولت افطارك , فدعيني آكل شيئا ما ><...
وضحكت بصوت رقيق , فجأة صمتت وأخذت تحدق خلفي بشكل واضح !.
خفق قلبي قلقاً , ما بها الفتاة تنظر خلفي بهذا الشكل ... فلتفتُ ببطء و جيني تهمهم بهدوء و قبضتها بفمها ..
آه , لا شيء ...
كان باب المطبخ مفتوحاً على الحديقة الخلفية , الشجر هناك و الارجوحة ...
و هواء يحرك الأوراق ... لكن لا شيء..
نظرت لها وهمست : ماذا صغيرتي ؟!.
صفقت بيديها وهي تقول شارحة لي : آووو~ .. دا... دان !.
شعرت بالجمود , هل تقصد ... دان .. دانييـل ؟!.
هززت رأسي , أختي هذه ذكية جداً , و مميزة .. أنها تعرف دانييل بالطبع و استطاعت نطق اسمه تقريباً !.
بينما أنا تناديني بـ تارا >.<" !!
أتى والدي مبتسماً , و سرعان ما انطلقنا ..
حدثني بالسيارة مباشرة : كنت أكلم لوك... لديك موعد بالمشفى صغيرتي بعد يومين .
همهمت فقط ... فأكمل هو بتردد خفيف : الأمر هو ... حصولك على معلمة خاصة و سيدة تستطيعن الكلام معها براحة , ما رأيك إذن ؟!.
فهمت ما يرمي إليه , فقلت بهدوء : وماذا عن جيني ؟! أمر المعلمة محلول تقريباً أبي . لكنك تحتاج لمن يعتني بالصغيرة أثناء عملك !.
زم شفتيه ببرود وضاقت عيناه وهو ينحرف بالسيارة بهدوء في الشارع ..
أكملت بمنطقية : لا يمكنك جلب واحدة لي و مريبة آخرى لـ جيني...!.
ثم بسهولة قلت بعد صمته الغريب : السيدة فرانس تلك تبدو جيدة للأمرين .. هل نجرب ؟!.
بعد مواجهتي لصعوبة الرياضيات و الفيزياء والأحياء و غيرها أيضاً أشعر بأني محبطة جداً و غير قادرة على المضي .. فكرت بأقرب الحلول كما أن والدي يمتلك مبلغاً محترماً من المال , و هذا بفضل والده بالتبني , أو جدي الراحل ...
لم يكن قد أجابني بشأن ما قلته له بالسيارة بل قبلني على رأسي و أكمل المضي حتى المدرسة ..
قال فجأة بهمس : من ذاك الولد الذي ينظر إلينا ؟!
التفت أنا أيضا بتوتر إلى حيث ينظر , و رأيته أنه ليونارد فقط .. قلت بهدوء : ليونارد , أنه يدرس بعض الصفوف معي.
نظر نحوي أبي قليلا ثم عاد لينظر إليه , قال بدهشة : لقد ذهب !.
ثم نزل بلا اكتراث وساعدني حتى الوصول للمبنى , و رأى والدي "سيلا" و"لونا" فحيّنه بمرح و سعد هو لوجود صحبة لي ..
في هذا اليوم كان ليونارد معي بكل الصفوف ... لكنه يتركني مع الفتيات و لم تسنح لي الفرصة قط لمحادثته .. كان يراقبني فقط من بعيد بحرص ...!
لكن لفت انتباه لونا التي قالت مجدداً بمرح : ذلك الشاب رائع !, هل أنت واثقة بأن والدك لم يوظفه خلسة لأجل الاهتمام بك !.
تنهدت سيلا : ليت أبي يفعل هذا....!
قلت بهدوء : يا فتيات , أنه حتى لا يتحدث إلي كثيراً ..
قالت لونا بعيون واسعة : و هذا هو الرائع , الفتية الغامضون !.
زممت شفتي ببرود و شربت عصيري , بينما دخلت لونا و سيلا في نقاش حماسي عن الفتية بالمدرسة...
شهقت فجأة لونا بصوت مرتعب ربما : آووه من ذاااك ؟!.
و نظرنا أنا و سيلا إلى حيث تحدق بصدمة .. علقت سيلا بهمس : أنه يبدو خطير وهو صديقه كما يبدو...
ضاقت عيناي , حسنا هاهو يظهر ... "دانييـل"
يتحدث إلى ليونارد وهما شبه مختبئين قرب أحد الأعمدة في مبنى الكافتيريا هذا..
قالت لونا بحسرة : لما دائما الرائعون بعيدون بهذا الشكل...
فلكزتها سيلا قائلة بحكمة : بجانب روعته فهو يبدو مخيفاً و حاد الطباع من الأفضل أن يبقى بعيداً هكذا...
واقفتها ببرود : أجل فهو فض و أحمق و تافه لا يستحق حتى النظر أ...
شهقت الفتيات ينظرن نحوي , بينما و يالا الرعب التفت دانييـل منذ ذلك البعد لينظر إلي بحده قاتلة وقد أصبحت عيناه بلون النار الصفراء المتوهجة ...!
ابتلعت لعابي , قالت لونا بتوتر :أنه ينظر إلينا و كأنه يسمعنا , يبدو آه مستاءً ..!!.
ردت سيلا وهي تحدق بي بعون واسعة : عندما شتمته التفت وكأنه سمعك !. لكن هذا مستحيل صحيح !.
قلت بخوف وأنا أدلت ساقي التي آلمتني فجأة و الجرس قد رنّ مرتين بشكل خافت لا يسمعه سواي . .
_ لنخرج من هنا فقط ..!
في نهاية اليوم المدرسي , كانت لونا تحاول مساعدتي في النزول من اللوح , لكن ليونارد أتى من جانبها وهو يهمس بهدوء :
_ دعي هذا لي...
حدقت به الفتاة مسحورة لقربه منها بهذا الشكل فابتعدت بتوتر وهي تنظر لقامته الطويلة الممشوقة ..
بخفة و بسهولة ثبتني بموقع جيد و وقف خلفي , همست له : شكراً .
بينما أتت سيلا و ودعتني كانت تقول الى اللقاء و عينيها تنظران إلى ليـون... وكذلك لونا نسيت أن تأخذ دفترها مني و غادرت بتردد و خجل ...
قلت بهدوء وأنا أرى الفتيات يبتعدن و يتهامسن بمرح : أود لو أكون مثلهن , أتعرف أن وجودك مربك بعض الشيء.
أجابني بلا اكتراث : المهم هو سلامتك .
_ هل أنت مصاص دِماء حقاً , تبدو بشرياً جداً .
و التفت أنظر لوجهه , ببرود همس : أني رائع في السيطرة على وجود هذا الغطاء البشري.
شعرت بخوف غريب , لكني تشجعت , قلت بهدوء : تعجبني سيطرتك هذه , أنت لا تفقد اعصابك كذلك المتقلب بين النار والجليد , ترى ماذا عنه ؟!.
تغيرت نظرة ليونارد لشيء غريب , هل بدا حذراً ؟!.
قال ببرود : ماذا ؟!.
سألت ببرائة : أعني دانييـل , أنه ليس مصاص دماء بالتأكيد... ما يكون ؟!.
قال بهدوء : لمَ لا تسألينه بنفسك ؟!.
احرجني بهذا الجواب , فتململت و قلت ببرود : أخبرني أنت أرجوك ؟!.
_ لا تهتمي لهذا ..
زممت شفتي و هززت كتفي ببرود , همست : كنت فقط أسأل هه ..
...
أتت نهاية الاسبوع أخيراً , و ذهبت لموعدي في المستشفى , رحب بنا لوك بابتسامة عريضة كالعادة ..
جلبوا لي العكازين و تدربت عليهما قليلا مع الممرضة و لوك و والدي يراقبوني .. أبليت حسناً ولم أشعر بالألم ..
بعدها أمضينا النهار بالمنزل , كان والدي يتحرك كثيراً يصعد و ينزل و جلب الأشياء و يذهب بها حقائب صناديق كتب .. زهريات .. يغير أماكنها يرتبها ..لا لشيء فقط يبدو أنه يريد الحركة كثيراً ..
و أنا و جيني نحدق به بصمت ...
بعدها أعلنت الصغيرة الشقراء أنها جائعة , فتوقف أبي عن رياضته الغريبة هذه .. و ذهبنا للمطبخ ..
فتح باب الثلاجة ثم تسمر قليلا ...
قلت بهدوء : نفذ الطعام ؟!.
رفع رأسه وأجاب متحيراً : في الواقع , لا يوجد شيء للعشاء , و طعام جيني قرب للنفاذ .. سأحضر لها زجاجة سريعة ثم ...
نظر نحوي و أكمل : يجب أن أذهب للتسوق ... لكني لا اعتقد بأني...
قاطعته بابتسامة : الساعة الثانية ظهراً أبي .. مالذي تفكر به ؟!.
_ مع هذا سأغيب ساعة .. أو أكثر بقليل و ماذا لو جيني تململت منك أ...
قلت ببرود : أنا قادرة على هذا , أننا متفقان جداً أنا و جيني نحب بعضنا ..
وكانت جيني تشد شعري بقوة و تحاول وضعه بفمها .. كل شيء تريد وضعه بفمها الكبير هذا !!
كان والدي يحدق بنا وأنا أحاول جعل الصغيرة جيدة السلوك معي و تبعد يديها الصغيرتين عن عيني وشعري... ابتسمت لأبي الذي هز رأسه و خرج من باب المطبخ ...
راقبته وهو يذهب الى ناحية السور و الباب ثم اختفى من ناظري...
عبست و قلت لـ جيني : أرأيتِ الآن يظننا كلانا طفلتين !.. توقفي عن تقطيع شعري يا فتاة فهو في حالة مزرية حقاً...
فجأة عاد أبي مبتسما و من خلفه ..
سقط فكي صدمة و قلقاً وأنا أرى دانييـل يمشي معه ببساطة و يتحدثان بشيء لا افهمه .. كان ذلك الولد بطول أبي تقريباً و كلاهما طويلان أعلى من المعروف ..
تمسكت بالعكازان بجانبي وكأني استمد القوة بهما .. بينما تلتمع عينا جيني بسعادة وهي تضع قبضتها بفمها بدلال ...
أن كان هذا ما يفكر به أبي , فجيب أن استعد ... سوف يجعل دانييل يبقى لدينا لحين عودته من التسوق ... آه يا ألهي...!
ساعة مع هذا الشاب .. ستحصل مجزرة !!.
قال والدي بسعادة تظهر في عينيه : هاي حبيبتي , لقد شاهدت دانييل يمر من هنا , أنتِ تذكرين دانييل صحيح ؟!.
سألني بابتسامة , مؤكد بأنه يتذكر صراخي ذلك اليوم...
صررت بين أسناني : أجل...
التفت أبي له و قال : سأعود بعد ساعة ..
ثم نظر لي بحنان و قال : لن أتأخر , أتودين أي شيء خاص حبيبتي ؟!.
كنت أفكر بـ رشاش قوي سريع بمئتا طلقة أو ربما قاذفة قنابل كبيرة ... أو قاتل مستأجر يريحني منه...
_ لا شيء أبي , شكراً .
وابتسمت له بحب , قبلني بين عيني بسرعة ثم عانق جيني بقوة و بعدها غادر .
رفعت بصري نحو الزائر الغير مرغوب به أبداً , كان يقف عند باب المطبخ الخارجي ببنطال جينز ازرق داكن و قميص رمادي بأكمام قصيرة أظهرت عظلاته المتصلبة .. كما ظهر أيضا لون عينيه ...
ابتلعت لعابي بصعوبة , كان بعينين صفراوين حاقدتين مشتعلتين..!!
كدت أصرخ بأبي ليعود للأنقاذ .. لكن فات الأوان ..
قامت جيني تتحرك بمقعدها الخاص بملل وهي ترفع ذراعيها الصغيرين نحوه .. كنت أراقب بقلق و صمت و فكرت يجب أن يحميني ليونارد من رفيقه هذا ...
ألقى علي بنظرة جانبية حادة , ثم اعتدل و نظر نحو جيني التي تجلس بجانبي للخلف قليلا , وابتسم لها تلك الابتسامة التي لا أدري من أين اكتسبها .. أمن أمه أو أبيه...؟!
اقترب بقامته هذه و اربكني أنا .. ثم انحنى نحو الطفلة و همس لها برقة لا أدري أيضا من أين جاءت :
_ هيه , جينـي .. تشعرين بالملل .. تعالي لنتمشى .
ثم حملها ببساطه بذراع واحدة و أنا صامته أفور من داخلي , التفت ليخرج الى الحديقة و الطفلة سعيدة تضحك بين ذراعيه ...
شهقت قائلة بصوت غريب : مهلا أين تأخذها ؟!. أنت....
تجاهلني هذا اللعين ><...

صرخت بحده وأنا أسحب عكازين : أنتظر ... أنت... سـآتي مـعكم لـ... .
من فرط سرعتي سحبتهما بقوة ولم أوازن نفسي فيهما أبداً... ترنحنت و ضربني دوار رهيب مفاجئ ..
زلت قدمي و شهقت برعب وأنا أسقط على الكرسي الذي أمامي ! , ثم سقطت على الأرض والكرسي سقط فوقي...!
تأوهت ألماً و شعرت بأن قدمي الأخرى ألتوت ...
_ كلارا....!!
هتف ليونارد وهو يساعدني بسرعة و يحملني لأجلس على كرسيي مجدداً , عاد دانييـل للمطبخ وهو يحدق بنا معه جيني التي صمتت تنظر إلي بخوف ...
تأوهت مجدداً : مهلا.. مهلا... آخ تباً...! بالأمس كنت عند الطبيب بالفعل...
وكدت أبكي... هدأني ليونارد : أنه التواء بسيط .. نحتاج لكماد دافئ ..
_ و مالذي جعلك تقفزين كالبلهاء ؟!.
وكان هذا سؤال بارد و ممل من ذلك الشخص , يداعب جيني بيده الأخرى كي لا تبكي وهي تنظر نحوي بقلق...
صررت على أسناني شهقت قائلة : لم يكن هذا ليحدث لو أجبتني وأنت تأخذ أختي هكذا !!
كدت على وشك البكاء وعيوني تحترق , هدئني ليون وهو يدلك كتفي بخفه : اهدئي كلارا .. لم اعصابك متوترة هكذا...
لكن دانييل تحدث إلي , وكأنه يكلم حشرة لا أنسان ...
_ مالذي تعتقديني أفعل ؟ , اختطف أختك الرضيعة !. يا ألهي لا حدود لغباءك ...
صرخت به ببكاء : إياك أنت تنعتني هكذا مجدداً , تباً ... آه يا ألهي..
انحنيت بسرعة امسح دموعي التي أخذت تسيل بغزارة ولم استطع التنفس كنت أشهق بصوت مكتوم فقط . .
_ دانييـل ! , مالذي تفعله ؟, ...أنت لا تريد أن يحدث سوء فهم بيننا أليس كذلك , بينما الفتاة تحت حمايتي... أنت تجعلها في وضع نفسي سيء !.
كان ليون أروع شيء الآن .. مسح على شعري بخفه , ووقف إلى جانبي , فجأة بدأت جيني بالبكاء أيضاً...
صرخت ثم شدت شعر دانييل بقوة .. نظر نحوها مدهوشا, لكنه لم يتأثر بل أخذ يهزها برقة و يداعبها قائلا بلطف :
_ لا صغيرة .. اهدئي... آوه أنت لست غاضبة مني , ألست كذلك ؟!.
نظرتُ إليه بحقد رهيب , وقلت وأنا اتمالك نفسي : أعطني اختى الأن !.
عبس بوجهي بشدة وقال بحنق : و الآن أنظري ما سببته , فقط وقعتِ على الأرض و أخذتِ تبكين كالأطفال !. حتى هذه الطفلة لا تفعل مثلك !.
ضايقني كلامه بشدة و شعرت بقلبي يفور ألماً , شهقت قائلة : أنا لا أبكي أيها المعتوة عديم الاحساس...
لمعت عيناه وهو يرد بشرر : هل تريدين المضي بموضوع الاحاسيس هذا ...؟!
_ دانييـل آرثر داركنــس !!
قاطعه ليونارد بحده وقد بدت عيناه تتلون أيضاً ... فنظر نحوه ببرود و زم شفتيه الحمراوين بقوة ..
_ هل نطقت اسم أبي قبل قليل أم خدعتني اذناي ..؟!
داهمني شعور غريب لكني قلت مقاطعه نظراتهما لبعضهما الغريبة : جينــي ....!
نظر نحوي و كشر وعيناه رماديتان داكنتان , مسحت عيني مجدداً أعلم بأنهما حمراوين لكن مالعمل... ,اقترب مني و سلمني جيني بخفه ثم ابتعد خطوتين واسعتين و اتكأ قرب الثلاجة ..
أخذت جيني تتحسس وجهي بأناملها الحريرية بتعاطف شديد جعل أحدى دموعي العالقة تنزلق فمسحتها هي و أخذت تتمتم لي بشيء رقيق ... ابتسمت لها و قبلتها ثم احتضنتها ..
ظللنا دقائق طويلة صامتين جميعاً وهادئين خارجيا ربما , أنا و جيني نتهامس و نلعب بصمت معاً بينما تراقبنا زوجين من العيون , اثنان رماديتان باردتان , واثنان زرقاوان داكنتان ...
بعد دقائق بسيطة نظرت نحو ليونارد و بدا هادئاً جداً ولم يغير قط وضعه كأنه يستطيع أن يبقى واقفاً هكذا للأبد ..
بدا صوتي غريبا أجشا وأنا أهمس لها : أن كنت تود بعض العصير فيوجد منه في الثلاجة.
نظر نحوي بهدوء ورد : لا شكراً .
حسنا ربما هو لا يشرب العصير قط , لكني لن أوجه الدعوة لذلك القاسي البارد .. بل وضعت جيني على الأرض الملساء الخشبية النظيفة و جمعت لها ألعابها , و هبطت من كرسيي بحذر و جلست قربها , ثم أخذت هي تلهو أمامي وأنا جالسة على الأرض .. و حولنا اثنان من أغرب و أطول الشبان ..
وأنا منحنية مع جيني .. شاهدت ساقي دانييل يتحركان , ثم خرج من الباب الخارجي للمطبخ .. ولكنه بقي هناك , بينما ليونارد لم يتحرك أبدا . .
جاء والدي بعد نصف ساعة و خمس دقائق بالضبط , كنت أعلم بأنه سيسرع بالقدوم , اختفى ليونارد بهدوء و سرعة بينما خرج دانييل لملاقاته و حمل الأغراض معه ..
شكره والدي بهدوء و وقعت عيناه علينا أنا و جيني. كنت قد جلست على الكرسي , فابتسم وقال بمرح : لقد اشتقت لكما بسرعة.
فضحكت أنا بوهن بينما رفعت جيني باشتياق ذراعيها لأبي الذي رفعها و داعبها , ثم وضعها بكرسيها الخاص ..
فرز والدي الكثير من الأطعمة والفاكهة وهو يتهامس بهدوء مع دانييل , لم اسمع جيداً ما يقولانه .. بدا وكأن دانييل هذا صديق قديم ><... آفف متى يغادر ؟؟.
فجائني والدي وهو يقول له : أبقى هنا لتناول العشاء سنحضره باكراً ؟! أليس كذلك حبيبتي...
ونظر نحوي , فتحت فمي بصدمة , ثم أغلقه بحده وقلت ببرود : لا نريد تناوله باكراً أبي...
يعني باختصار لا أريد من كتلة الجليد هذه أن تبقى هنا , رفع والدي حاجبيه , بينما ظهر صوت دانييل بارداً لكن مهذباً : شكراً سيدي لكني اتناول نوع معين من الأطعمة ولدي بعض الاعمال الليلة.
نظر نحوه أبي و هز رأسه وهو يقول : ما رأيك إذن بفنجان قهوة...
آآآووووه ما خطب أبي !! أنه مسحور بهذا المعتوة كلياً ,><...!!
_ إذا استطعت أنا تحضيرها , اسمح لي...
صوت دانييل الناعم الواثق والابتسامة التي يملكها تطيح بأي شخص أرضاً... اللعنة عليه لقد صدمني , أنه لعين معي و لكنه السيد المهذب و الرقيق مع الآخرين ... لم يفعل هذا؟! هل التكلم معي بأدب يقتله ؟! , لن أبه له على أية حال..!!
بادله والدي الابتسام بشكل يدهشني و قاما معا بتحضير بعض القهوة و الكعك المحلى بينما أنا مذهولة و خرساء !!.
هتفت جيني بمرح : بابابااااا باباا باباااا...
لكن دانييل هو من التفت إليها و وضع بيدها الصغيرة الناعمة قطعة بسكويت و خفق قلبي رعباً وصدمة عندما انحنى وقبلها على شعرها بخفه وسرعة ... فغرقت جيني بموجه من السعادة والضحك وهي ترقرق باسمه :
_ داان .. دان ... داان ..
فابتسم هو لها وكان والدي ملتفتا ينظر إليهما ولم يقل شيئا بل ضحك بلا صوت وهو يقول : لقد حفظت اسمك دانييل...
أجاب الفتى بكل طبيعية وهو يصبح بجانبه و يساعده : أنها طفلة خارقة الذكاء . و مرحه...
ثم ألقى بنظرة حادة سريعة إلي و كأنه يكمل بنفسه , على عكسك أنتِ ...!
أخرس ! قلت بنفسي , حتى لو كنت جبل جليد لا شأن لك ! , ولا أكون مرحة أو لطيفة هذا لا شأن لأحد به ! أنها شأني وحدي !!
هززت رأسي كي ابعد شعري عن وجهي , وقلت بصوت خافت بدا لي ضعيفاً ~~"
_ أبي سأذهب لغرفتي بعض الشيء.
التفت أبي نحوي بسرعة وقال : حسنا حبيبتي , لكن عودي لتناول القهوة ستشعرين بتحسن. مهلاً سأساعدك...
وجاء إلي وأنا أحاول بارتجاف وضع العكازين جيداً تحت أبطي .. ساعدني على الوقوف ثم أخذت امشي بحذر شديد وهو خلفي ,
لكن .. آآخ تألمت بداخلي , كان كاحلي الأيسر لقدمي السلمية ملتوياً فعلاً ...سيتحسن غداً ... لكنه الآن يقتلني ..!
صررت أسناني و كتمت الألم مع كل خطوة حتى تركني أبي , فدخلت غرفتي اتعرق و ارتجف ...
جلست على السرير ألهث و اتنفس بصعوبة من الجهد المبذول ..
_ هاك , ستكونين بخير , لم أرى أحداً بمثل صمودك و صمتك ..
كان ليونارد نعم الصديق , مع أنه يغيض بعض الشيء , لكن لديه احساس بعكس ذلك المعتوة ..ساعد برفع قدمي فوق السرير وكانت بيده منشفتي البيضاء مبلله بمياه دافئة لفها على قدمي و شعرت بالراحة فوراً. ..
_ آه شكراً لك ليون .
فابتسم لي وبدا هذا الشاب جذاباً , لكن لديه صديقة رغم أني لا أنظر إليه بهذا الشكل .. أني فقط اتسائل عن نوع صديقته !..
سألته بتردد وأنا أرفع الغطاء فوقي و استند على الوسائد : هل .. سيعود , ذلك الظل ؟!.
رد بهدوء : لست واثقاً , لقد زجرته تلك المرة ولكنه يبدو مصراً وغاضباً ثم أن دانييل يريد التفاهم معه فهو .. من ذلك النوع ...
_ ماذا تقصد , ذلك النوع ؟!.
_ أعني أنه يستطيع التفهم , يملك عقلاً مفكراً وليس سفاحاً أو مؤذياً إلا لسبب .. وهذا من حسن حظنا , لأنه نوع قوي جداً ...
ابتلعت لعابي , ربما كلامه يطمئن بعض الشيء , لكن الوضع لا يزال مريبا .. و مخيفا.
_ كلآرا ؟..
طرق والدي الباب وحدقت بـ ليونارد الذي دهشت بشدة لطريقة اختفائه فقد حرك يده بحركة دائرية صغيرة ثم تلاشى مع ضباب أسود خفيف كالسحر ...
انحنيت بسرعة لاستلقي على وسادتي , دخل أبي و حدق بي بهدوء , ثم قال متعجباً قليلاً : هل ستنامين ؟!. ماذا عن القهوة ؟!.
قلت بخمول وأنا أشعر بالتعب حقاً : أظنني سأنام أبي , أشعر فجأة بالتعب...
اقترب مني و لمس جبيني بلطف , همس بحنان : لا بأس صغيرتي , ارتاحي جيداً .
ثم خرج مغلقا الباب خلفه , وقد نمت أنا بالفعل مباشرة ... نمت بلا احلام ولا أي شيء ..
_ كلآرا .. عزيزتي , افيقي , حتى نذهب للعشاء في منزل لوك .
افقت بكسل , و بدلت ثيابي لـ بنطال أسود مخملي و كنزة زرقاء ثم بلوفر أسود .. سرحت شعري بألم لآنه في حالة يرثى لها ثم دخل والدي ليطمئن و بين يديه جيني وقد ألبسها فستاناً ناعماً وردياً يليق بلون شعرها الأشقر الفاتح و عينيها الزرقاوان , حدق بي و قال بعبوس خفيف : آمم ألا ترين بأن ملابسك داكنة جداً ؟.
نظرت نحوه و قلت بهدوء : لكنها جيدة للخروج .
لم يعترض أكثر و خرج , كان اللون الداكن يبرز لون عيناي الخضراء الشاحبة الرمادية .. و مرة أخرى فكرت بعبوس من أين جلبت هذا اللون الغريب المحير و البائس , ..
هل أبدل ثيابي ؟!.
_ كلآرا .. أني انتظرك , هل كل شيء بخير...؟!
أمسكت بالعكازين و هتفت : بخير.. بخير أني .. قادمة ..
توقفا أمام منزل جميل بلون فاتح تحيطه الأشجار المنسقة , وحوله منازل مشابة تقريباً لكن الشارع هادئ جداً وكأننا بمنتصف الليل مع أن الشمس تغرب للتو ..
فتحت لنا زوجة لوك "ماريان" الباب وهي سعيدة جداً , صافحت والدي و لم تأخذ منه جيني بل قبلتها ثم ساعدتني على الصعود .. دخلنا بمنزل دافئ جداً بسبب ألوانه الذهبية و البيج للجدران و الأثاث..
_ تفضلوا هنا رجاءاً... لوك سيعود حالاً من المستشفى , لديه عمل طارئ...
و ابتسمت بدفئ ... ثم قالت : سأجلب لكم القهوة فالجو بارد قليلاً..
دخل أليكس فجأة بكنزه رماديه و جينز أزرق , قال بهدوء وهو يصافح أبي : أهلا بك سيد موند .. مرحباً كلارا , كيف حالك؟!.
كان الفتى يبدو شاحباً قليلا , رددت عليه بأدب .. ثم انحنى هو ليشغل المدفئة بالحطب ...
تسائلت بنفسي , لم أره ليومين ..
دخلت أمه بالقهوة و الكعك , قالت له وهي تمسك بكتفه : لقد غادرت فراشك , أنت لا تزال مريضاً.
ثم نظرت نحونا وهي تكمل : لقد أصيب بالحمى و تغيب ليومين ..
قال معترضاً بخجل أمامنا : أني بخير جداً الآن , لقد شفيت حقاً , مجرد حمى ..
قلت بنفسي بخجل ,, آهاا لهذا هو متغيب , المسكين ...~~"..
جلس على أريكة جانبيه وأمه تسلمنا القهوة و تتحدث بلطف بالغ .. ثم فتح الباب ليظهر لوك وبذراعه معطفه الأبيض... كان يبدو متعباً لكنه لا يزال حيوياً...
قال بمرح : مساء الخير جاك , كلارا و جيني .. لقد أتيتم متأخر , لكني تأخرت أيضاً... سأبدل ثيابي ثم أعود.
أمضينا الوقت بهدوء ممتع عنده و اعتذر أليكس لأجل النوم باكراً , قبيل الساعة العاشرة اعتذر والدي لأننا تأخرنا ويجب أن نعود ... لكن لوك تفاجئ وقال :
_ لكن غداً عطلة والوقت الآن باكراً جداً . ولكن...
تثائب جيني وكأنها تحسم الموقف فقررنا المغادرة , واستعدت أنا للوقوف لكن فجأة رن جرس الباب .. ذهب لوك لفتحه و سمعنا أصواتاً , ثم رأيناها .. أنها أخته "ليندا".. كانت ببدلة عادية نظرت نحونا بتوتر خفي لكنها حيتنا بابتسامة ..
قال لوك لها بلطف : أجلسي واشربي بعض القهوة لحين أن أجلب لك أوراقك .
ابتسمت وشكرته ثم دعتها سيدة المنزل "ماريان" للجلوس... قال والدي ببرود : عذراً لكننا خارجون..
نهضت أنا بهدوء وتماسك شديد , و منحتهم ابتسامة كي لا يشكوا بمزاجي المتعكر فجأة و مشيت خلف أبي بحذر شديد .. قال والدي لي عند الباب :
_ انتظري , سأضع جيني وسأساعدك .
قلت ببرود : لا داعي ... حقاً...
و نزلت بينما هو يفتح باب السيارة فجأة تعثرت بحذائي و رأيت الدرجات الخشبية بسرعة تقترب... وآآآآه أنفي تحطم ...!!
تبعه كامل جسدي ساقطاً على الدرجات و رأسي لأسفل !! .. ألا يوجد أذلال أشد من هذا أو ألم أشد من هذا....!!
_ كلآرا...!!!
هتف أكثر من صوت .. و رفعت نفسي ارتجف .. ثم فجأة تساقطت قطرات من أنفي... دم !!

صرخ أبي برعب : كلآرا يااا ألهي...!!

وهم يمسكون بي برفق و خوف ... كنت أرى أضواءاً بيضاء و ألم برأسي لكن بدأت تخف.. صوت لوك :
_ لنحملها بحذر للداخل ...
_ سأجهز لها كمادات و ماء بارد لأجل النزيف.
كان هذا صوت غريب... قلت بدوار : لا أنا بخير... أني فقط...
حملني والدي و لوك معاً .. بينما قال أبي لزوجة صديقه : جيني في السيارة.
_ آوه سأجلبها حالاً .
و عدنا للداخل مجدداً....!
جعلوني اضطجع رغما عني على الأريكة و اعترضت عندما بدأ لوك يمارس مهنته و واجبه على جبيني و رأسي :
_ أني بخير , صدقاً... أبي ؟!
جلب والدي محارم كثيرة يمسح بها وجهي وهو يقول بقلق : أنا هنا حبيبتي ! , مالذي يؤلمك ..
_ لقد سقطت رأساً على وجهها !.
_ آآآه !! , قلت بحده ><.
_ هنا كدمة كبيرة .. آسف عزيزتي تحملي قليلاً... هل تعثرت بسبب كاحلك ؟!.
قلت بضيق : لا , لا أدري كيف ...
أتت أخته بوعاء ماء وساعدتني في وضع المنشفة الباردة على كامل وجهي , بينما تنفست بعمق شعرت بكدمات عدة في صدري و ساقي بسبب الدرجات ..
_ استرخي فقط ستكونين بخير , عزيزتي أجلبي لها بعض العصير البارد وربما مسكن ما لأجل الألم...
قلت باعتراض لـ لوك الجالس على الطاولة أمامي : أنا بخير .
قال أبي وهو يجلس بجانب ساقيّ : ربما تشعرين بالصداع , ابقي مكانك صغيرتي.
رأيت أليكس يدخل و معه كأس عصير كبير , سلمه لوالدي وهو ينظر نحوي بصدمة , قال يسألني : هل أنتِ بخير ؟!.
قلت باحراج : أني بخير . آسفة لما حدث ..
كانوا كلهم يراقبونني حتى جيني التي بين ذراعي "ماريان" تحدق بي بقلق واضح في عينيها الزرقاوين اللامعتين ..
شعرت بأحدهم يمسح بلطف على رأسي , كانت أخت لوك "ليندا" تجلس على حافة الأريكة تعدل الكمادة الباردة على جبيني و كدمتي ..
شعرت بوجهي بارداً شاحباً و أنفي لا أدري ما وضعه .. ربما انكسر فعلاً... لكن النزيف انقطع اخيراً ..
_ لا تضغطي عليه , برفق...
بينما لوك يعاين أنفي بيديه بلطف كان أبي ينهي فنجان قهوة و جيني بحجره .. والجميع يتبادلون الحديث بهمسات خفيفة ,
كنت منحرجة من اضطجاعي هكذا صحيح أحس بدوار وصداع خفيف لكني رفضت المسّكن سيزول الألم قريباً ..
أردت النهوض , لكن لوك منعني وبقي جالساً عند رأسي ولا أدري أين ذهبت اخته ..
بعد نصف ساعة نهض ابي معتذراً وأنه يجب أن نغادر حقاً , فنهض الجميع معنا...
حمل لوك جيني للسيارة بينما أبي يساعدني على السير للباب حتى صعدت السيارة ..

اخذ والدي يكلم لوك و زوجته واخته قليلا عند الباب بينما أنا اشعر بأن الأرض تدور بي ببطء ..
همهمت جيني التي تجلس خلفي مباشرة وسط الظلام , قالت بمرح : عووو ... اوو ... عووو ؟!.
التفت انظر نحوها , قلت : ماذا تهمسين كوبكيك ؟!. < أدللها بهذا ^^" .
لكن جيني ردت علي بأن أشارت بيدها نحو ركن مظلم في الشارع , و رددت بهدوء : عووو ... !
نظرت بقلب مضطرب الى حيث تشير و تجمدت .. كان هناك .... ذلك الشيء.... !!
عيونه الحمراء تلمع من هذه المسافة , آآووه ياااربي ... أنه ذلك الشيء المتوحش الشرير ذو العيون , يحدق بنا...!!
فغرت فمي رعباً .. و علمت بأن هذه الليلة لن تمر ببساطة ...!!
__________________


.
.
.
داوي جراحي وأسكب عليها بلسما
وأعني على مضيِ الأيام، وعالج جراحي كي لا تزيد فوق ألامي ألماً
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وريث الضلآم للكاتبة Đάrkήεss Άήgεlά Sia روايات طويلة 20 01-18-2018 04:50 PM
وردة بالشرائط بالصور،طريقة عمل وردة بالشرائط خطوة بخطوة،ورود روعه بالشرائط،اعمال يدوية FATIMA27 إقتصاد منزلي 1 08-25-2012 09:09 PM
لكل شهر وردة ومعنى.....فأي وردة انت/ي ؟ loai72m نكت و ضحك و خنبقة 9 03-15-2011 11:15 PM
وردة لكل شهر فأى وردة تناسب تاريخك المشتاقات إلى الجنة مواضيع عامة 9 03-08-2010 06:49 PM
ناروتو شيبودن الحلقة 148 | naruto shippuden 148 | وريث الظلام | مترجمة من أحمد ش شرنجان أرشيف المواضيع الغير مكتمله او المكرره او المنقوله و المخالفه 2 02-19-2010 10:27 PM


الساعة الآن 03:40 PM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.

شات الشلة
Powered by: vBulletin Copyright ©2000 - 2006, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة لعيون العرب
2003 - 2011