عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-08-2018, 08:29 PM
 


الفصل الاول

طرقت الام عدة مرات على الباب لكن لم يصلها جواب، لم تستغرب الامر فقد اعتادت ابنتها على الا تجيب احدا تجنبا للازعاج في محاولة اكمال دراستها، دخلت الام مع الغداء دون انتظار اذنها ووضعت الطعام على منضة قريبة، وقفت امامها لتنظر اليها باكتئاب:
" اه اريج، عليك ان تأكلي المزيد، انظري الى نفسك في المرأة، ستختفين قريبا ان لم تأكلي كما يجب، لن يعجب بك صالح ان بقيتي على هذه الحالة..."

- ردت اريج دون ان ترفع رأسها عن كتابها:
"هذه ليست مشكلتي..."

- لكنه بالتأكيد سيتزوج امراة اخرى من بعدك ان استمريت على هذا المنوال، لا جسمك ولا طبعك يلائم رجلا رشيدا

- اذا لا بد انه ليس رجلا رشيدا ليتزوجني

- تعلمين انه يفعله لاجلك ولاجل ابيك...

رفعت اريج رأسها من كتابها لتنظر الى امها بتململ، خلعت نظارتها الطبية لتنظر الى امها مباشرة وتقول:
- امي... لست اهتم لما يفعل ذلك، ان لم اعجبه فليبحث عن اخرى، الان لدي الكثير من الدروس لانهيها هلا تركتني اكمل...

- فقد لو اهتممت بنفسك قليلا...

- لست مهتمة امي!... انني اتزوجه لاجل ارضاء ابي والا فانا لست مهتمة بالزواج اصلا... اما بالنسبة اليه فليفعل ما يراه مناسبا... والان ارجوك دعيني اكمل ما علي...

تأففت الام وخرجت من الغرفة باكتئاب، القت اريج نظرها خارج الغرفة لتنظر الى الطبيعة كيف تنعم بالجمال، جمال الطبيعة هذا ليس الا ثوب ترتديه ايام الربيع ثم لا يلبث ان يحترق كل شيء ايام الصيف ليقذفه رياح الخريف بعيدا فتغدو الطبيعة عارية وتبدي حقيقتها المفجعة، لا شي جميل يستمر، كل جميل الى هلاك، والسبيل الوحيد كي لا تخسر الجمال هو بان لا تمتلكه منذ البداية، تخلى عنه حين يقبل اليك لن تضطر ان تبكي عليه حين يتخلى عنك...

ابتسمت اريج لعبقرية فلسفتها في الحياة واعادت النظارة الى عينيها بعد ان سمحت لهم ببعض الراحة من بعد نهار شاق عليهما من كثرة المطالعة والقراءة تاركة الطعام قربها ليبرد...

دخل فجأة شابا في الخامسة عشر من العمر يبحث عن فردة حذاء كرة القدم الخاص به، وجلس يبحث بين الاغراض المتناثرة لفترة طويلة دون جدوى

قالت اريج دون ان تبعد نظرها عن الكتاب، "اتمنى لو تبحث دون ان تصدر اصواتا مزعجة فانت تشتت تركيزي"

توقف الشاب عن البحث لينظر اليها بتململ:
"وانت لما تتركين غرفتك هكذا؟... لقد اصبحت في الرابعة والعشرين ولا تجيدين تنظيف غرفة نومك..."

- ان لم تعجبك غرفتي فابتعد عنها بدلا من ان تزورها في كل وقت لكي تضع فيها اغراضك

- غرفتي لا يتسع فيها المزيد، مضطر لان اشارك غرفة فتاة غبية

نزعت نظرها عن الكتاب لتنظر اليه بغضب:
- يكفي اني اسمح لك بوضع اغراضك في غرفتي فلا تاتي وتسمعني اهاناتك التي لا مكان لها من الاعراب

- اجاب ساخرا: ماذا؟ هل جرحت للتو كبرياؤك العلمية

ضيقت عيناها بغضب وقالت بتهديد:
- انت لن تفلت هذه المرة، نهضت لتركض خلفه وهو يهرب ضاحكا الى ان وصل الى امه احتمى بها:

" امي اختي المتوحشة تريد ان تقتلني... "

نظرت الام الى كليهما وراحت تعاتبهما لكي يتواقفا لكنها ازدادا اصرارا حتى اخيرا امسكت اريج بشعر اخوها وشدته ختى كادت تسلخه من راسه، اطلق تامر صيحة بينما الام تصرخ عليهما ليتوقفا، ابتعدت اريج عنه وقالت:
"ان فعلت فعلتك مجددا فاسمنعك من استخدام غرفتي... "

- وهل اغضبك حقيقة ان اخبرك انك غبية؟ وان كل ما تتعلمينه لن يزيد من ذكاؤك شيئا

هبت اريج لتهاجم تامر مجددا لكن الام امسكتها لتمنعها قائلة:
" ارجوك اريج، ما اعاني منه يكفيني، كفي عن افتعال المشاكل معه لاجل كلمة سخيفة"

- امي انه يدخل الى غرفتي وينتقدها ثم يهينني

- انا لم اهنك، فقد ذكرتك بحقيقتك

- حقيقتي!... وما يعلم غبي مثلك عن حقيقتي، كل ما تفهله هنا تكسير الاشيا بكرتك، ان لم تكف عن ذلك سوف اخرج كل اغراضك من غرفتي ولا يهمني اين تدبر نفسك، حتى لو اضطررت ان تضعها في الحمام

قالتها وعادت غاضبة الى غرفتها لتكمل درسها وما هي دقائق حتى سمعت شتيمة من غرفة اريج، فرط تامر من الضحك بينما تنهدت الام منزعجة من الاحداث التي اضحت تتكرر يوميا، طرق الباب المنزل فاسرع تامر ليفتح فيجد صديقه، استمهله ليرتدي حذائه، اسرع الى غرفته واخرج الفردة الاخرى من تحت السرير وارتداها واسرع ليخرج معه...

---

استيقظت اريج في الصباح متأخرة، ارتدت بنطلون من الكتان على عجل واختارت اول قميص وجدته مرميا على الاريكة قرب سريرها، ربطت شعرها بسرعة على هيئة ذيل حصان وخرجت من غرفتها وهي تتذمر:

"تبا لما لم يوقظني احدا، تعلمون كم اكره ان اتأخر على العمل... "

الام: استرخي اريج، ما زال الوقت باكرا...

اريج: لا امي ليس باكرا ان حسبتي زحمة السير، تلك تجعل الطريق يمتد لمدة نصف ساعة

تامر: لا تقلقي فلن يخصمو من معاشك حتى لو غبتي لمدة اسبوع... ان المدرسة التي تعلمين بها مشؤومة لاقصى الحدود، همهم اخذ الافساط من الطلاب ثم رفعهم صفوفا دون تعليم، لذا لا داعي للقلق

اريج: وانت لما ما زلت هنا؟ لقد تاخرت الى الثانوية، ثانويتك ابعد من مدرستي

تامر: انا متعب اليوم، لن اذهب للثانوية

اريج: انا لا ارى بك اي علة

تامر: انت لم تصبحي طبيبة بعد لتعطي رأيك، الى حينها اريحينا من ارائك...

اريج: لا يهم الان جهز نفسك واذهب للثانوية

تامر: يمكنك مناقشتي والتأخر على عملك بقدر ما تشائين لكني لن اتزحزح من هنا

اريج: امي... قولي شيئا

تامر: ما ستقوله لن يكون مقنعا اكثر مما قلتيه

الام: اريج... اذهبي بسرعة قبل ان تتاخري اكثر

نظرت اريج بغضب الى اخاها ثم قالت الام:
"وانت حسابك حين يعود والدك من العمل... "

- تامر: امي الامر لا يستدعي اخبار والدي، انا متعب اليوم وغدا اعود للمدرسة

- الام: ابحث بالامر مع والدك عندما يعود

نهض تامر متذمرا ليذهب الى غرفته ويرتدي ملابس الثانوية بينما ذهبت اريج للمدرسة يرافقها نشوة الانتصار على اخيها المزعج، وصلت للمدرسة وكانت صفوف التلاميذ قد رست جنبا الى جنب من الاكبر سنا للاصغر، دخلت غرفة المعلمين لتوقع على حضورها، حتى اعترضتها احدى المعلمات:
" من يصدق... اريج تصل بعد ان يرن الجرس..."

اقتربت بقية المعلمات ختى قالت احداهن: "عجبا... ظننا انك ستغيبين اليوم..."

اريج: تعلمون انني لا افعلها حتى لو كنت على مشارف الموت، واجبي تجاه التلاميذ اهم عندي من صحتي..."

معلمي: " اوه... كم هذا مؤثر... المعلمة المؤاثرة تفضل التلاميذ على نفسها، ولما؟... هولاء التلاميذ اهاليهم لا يسألون عنهم، فلما تعذبين نفسك..."

اريج: " كل انسان عليه ان يهتم بواجبه، ان لم يهتمو اهلهم فانا علي بنفسي

معلمة: انت حرة، لكنك ترهقين نفسك بلا فايدة، اجارك وستأخذينه

ابتسمت لها اريج بانزعاج ثم قالت: "فليفعل كل منا عمله على طريقته"

وقعت على حضورها وانطلقت الى صفها بينما بقيت بقية المعلمات يتناولن اطراف الحديث، دخلت للصف لترى الطلاب يضحكون ويضجون وما ان رأوها تدخل حتى سلمو عليها ويشاركونها بالحديث، ابتسمت وحاولت ايقاف احاديثهم لتؤجلها الى ما بعد الدراسة، ولم يطل الامر حتى غدا الجميع مستمعا الى الشرح ويشاركون، قبل خمسة دقائق من انتهاء الحصة اعلنت عن وقت مستقطع للاحاديث الجانبية بينما بقي صبي وحيد في زاوية الصف الاخير دون ان يتحدث او يحدث احدا، ابتسمت حين تذكرت نفسها ايام الثانوية حين كانت معلمتها صوت الببغاء تعطيهم اخر خمسة دقايق من الوقت للاحاديث الجانبية ولطالما كانت تشرد بهم ولا تهتم بما يدور من احداث حولها، سارت اليه لتمسح على رأسه فينظر اليها مستغربا، سالته:
" هل تعاني من مشاكل في الدرس؟..."

هز الصبي رأسه نفيا فابتسمت برضا، قالت له:
"اسمك تامر، اليس كذلك؟..."

هز راسه ايجابا فقالت له:
"ان اخي الصغير اسمه نفس اسمك، لكنه اكبر منك، انه رياضي بارع، لا بد انك قد تصبح مثله عندما تكبر..."

قال الصبي بحماس: "بل سأصبح مصلح ادوات كهربائية واساعد والدي..."

سكتت قليلا متفكرة ثم قالت:
"عظيم... من الجيد ان تحب مساعدة والدك..."

ابتسم الصبي حتى جاءه رد ساخر من احد الطلاب:
"ان ذلك العمل لن تجني منه شيئا، ستموت من الجوع انت واباك ان استمريت بذلك، انا سأعمل موظف مثل ابي، ابي يتقاضى كل اول شهر الكثير من الاموال..."

نظرت اليهم مستغربة، الجيل الجديد يصلح لان يوضعو في وزارة الاقتصاد بخبرتهم الكبيرة رغم صغر سنهم، قبل ان تتكلم رن الجرس فبدأ الاطفال بالتذمر، قالت لهم:
" لا تقلقو، ساتي اليكم مجددا بعد يومين..."

خرجت من الصف لتنطلق الى صف جديد، تعلم الكثير من الصفوف الاف التلاميذ، وتتبع في التعليم نهج معلمتها ايام الثانوية صوت الببغاء، فقد كان يحبها اغلب التلاميذ، أيعقل ان في عدة صفوف تلاميذ يكرهونها ويطلقون عليها القابا كما كانت تفعل مع معلمتها؟

ضحكت ساخرة من ذلك ثم دخلت صفها الاتي لكي تكمل مسيرتها التعليمية...

--- انتهى الفصل الاول ---
__________________
شكرا دودي عهدية العيد ميلاد الحلوة




هديتي لاني انشط روائية