عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-10-2007, 10:51 PM
 
Post فارس الأحلام الذي لم يأتِ!

يقولون إنني أنتمي إلى أسرة كل بناتها من الجميلات.. ذلك الجمال العربي المميز.. بالإضافة إلى الذكاء المميز للعائلة، فكنت متفوقة جداً في دراستي.. بل كنتُ أكثر إخوتي وأخواتي تفوقاً. فازداد اعتزاز أبي بي وتدليله لي.. فكان دائماً يردد مدى افتخاره بابنته (سارة) الجميلة الذكية وبنظرة الأب وعطفه هو يرى دائماً مميزات ابنته ولا يحاول أن يرى عيوبها مع أن أحداً لا يخلو من العيوب.
في الجامعة كان غروري بالغاً.. وكنتُ أشعر أنني أستحق الزواج من رجل مميز شكلاً وموضوعاً.. فأنا إنسانة مميزة فلم لا أحظى برجل تغبطني عليه كل الفتيات وهن أقل مني جمالاً وذكاء؟
كان أبي يرفض كثيرين تقدموا لخطبيتي ولا يراهم جديرين بي، وكان أحياناً يخبرني بأمرهم وكثيراً ما يرفضهم دون أن يخبرني، بينما أسخر أنا من هؤلاء «المتواضعين» الذين فكروا ولو لحظة في الزواج مني.. أنا سارة المتميزة شكلاً وموضوعاً..
كنتُ انتظر رجلاً صنع له خيالي صورة مشرقة.. ذلك الرجل الوسيم الذي تنطق ملامحه وأخلاقه بالرجولة.. الكريم الذي يراني أغلى من أموال الكون.. الذي يشغل منصباً رفيعاً ولديه من الجاه ما يجعلني فخورة بانتسابي إليه زوجة أمام عائلتي ومجتمعي، لكن من تقدموا لخطبتي كانوا مختلفين تماماً عن ذوقي في اختيار الرجل المناسب.. فهذا رجل لا يجيد التعامل مع المرأة فيبدو جافاً متجهماً.. وهذا رجل لا يجيد استخدام الشوكة والسكين بل يأكل حتى «المانجو» بيده.. وهذا بخيل لم يقدم الهدايا اللائقة.. وهذا منصبه أقل من أحلامي بكثير.. وهذا رجل من عائلة ريفية وأنا من بنات المدينة.. وهذا يعيش مع أمه في مسكن متواضع وأنا أحلم «بفيلا» راقية في حي راقٍ.. حسناً سأنتظر الرجل الذي تطابق صورته أحلامي ولن أتعجل.. فسيأتي هذا الرجل إن شاء الله الجدير بحبي وقلبي.
أنهيت دراستي الجامعية بتفوق ولم يأت الرجل المناسب لأحلامي وبدأت الإعداد للماجستير ولازال لديّ أمل في أن يتقدم لخطبتي رجل الأحلام وفارس القلب المنتظر.. في هذه الفترة أهداني والدي شقة فاخرة تقديراً لتفوقي فكانت سعادتي لا توصف.. وفجأة توفي أبي الرجل الحنون الذي كم حلمت أن يرزقني الله بزوج في مثل صفاته الرائعة.. وأصابني الحزن العميق الذي وصل للاكتئاب الشديد ولا سيما أن إخوتي جميعاً وأخواتي تزوجوا وتركوا البيت وبقيت وحدي مع أمي.. وبينما كان أبي فخوراً بي كانت أمي حزينة لأني أقترب من الثلاثين دون زواج.. لكني كنت أؤكد لأمي أني مثل الجوهرة تزداد قيمتها مع الزمن.. وأن فارس الأحلام سيأتي وسيسعى إليّ سعياً.
كانت أمي أكثر واقعية من أبي رحمه الله. فطلبت مني أن أتنازل عن شروط كثيرة في فارس الأحلام.. وأن أرضى برجل عادي وليس من الضروري أن يكون متميزاً.. لكني رفضتُ منطق أمي.. وصممت أن أنتظر حتى أحظى بالفارس المنتظر.
وفعلاً.. تقدم لي الرجل الذي كنت أحلم به.. رجل وسيم من عائلة طيبة ذو منصب وجاه.. أنيق جداً.. متحدث ذكي وجذاب.. حرصت في ذلك اليوم الذي جاء أخي الأكبر لكي يلتقي به.. حرصتُ أن أكون جميلة الجميلات.. أن أبدو في جمال فتاة الخامسة عشرة رغم أني بلغت الثلاثين.. في وجود أخي جلست قبالة الرجل الذي جاء لخطبتي، بدا عليه الغرور.. بينما ظهرت عليّ اللهفة والانجذاب إليه.. يبدو أني لم أحظ بإعجاب الرجل الذي واجهني بصراحة مؤلمة أنه يعتذر عن الارتباط بي.. لعدم التوافق.. فسألته وما معنى عدم التوافق؟ قال إني أتحدث كثيراً بما يشبه الثرثرة وهو لا يحب المرأة كثيرة الكلام.. وأن كل اهتمامي بجمالي دون الاهتمام بأعماقي وبأن أرقى بتلك الأعمال وجدانياً وثقافياً.. وأضاف الرجل الصريح: آسف يا آنسة سارة.. أنا أحب الجمال صحيح ولكني أحب جمال الشخصية أضعاف حبي لجمال الملامح.. وانسحب الرجل وترك في نفسي جرحاً عميقاً.. إنه الرجل الوحيد الذي تمنيت من كل قلبي أن يتزوجني.. فيرفضني وبهذه الصراحة.. تملكتني رغبة شديدة في البكاء.. كان حزني وأمي شديداً.. لكني قررت أن أخرج من هذه الأزمة فعدت لإكمال دراسة الماجستير وتفوقت فيه.. ثم بدأت الإعداد للدكتوراة وفي هذه الفترة تقدم لخطبتي رجل يعمل أستاذاً بالجامعة.. قال إنه معجب بجمالي لكنه ما إن عرف أني تجاوزت الخامسة والثلاثين حتى اعتذر بصراحة شديدة إنه يريد من هي أصغر لتنجب في وقت مناسب وتربي أبناءه في وقت ملائم.
وبعد هذا بدأ يتقدم لي أشخاص غير مناسبين مطلقاً وأصابتني الحسرة على أحلامي القديمة.. أنا سارة دكتورة الجامعة يتقدم لخطبتها مثل هؤلاء، لا وألف لا.. عدم الزواج والعنوسة أفضل ثم توفيت أمي.. واضررت للانتقال إلى بيت أخي الذي قال لي إن بيته صغير وأن الأفضل أن ننتقل جميعاً أنا وهو وزوجته وأبناؤه إلى الشقة الفاخرة التي أهداني إياها أبي قبل رحيله.. ومضطرة وافقت أن أعيش مع أخي وأسرته في شقتي الجميلة.. وعانيت أشد المعاناة من المنغصات في التعامل ومن شقاوة أبناء أخي ومن تلميحات زوجته عن عنوستي لدرجة وصولي سن الأربعين، بينما هي تزوجت أخي وهي في «العشرين» وتضيف زوجة أخي في اختيال إنه تقدم لخطبتها الكثيرون قبل أخي، فالرجال يفضلون الزواج من الصغيرة وليس من «الدكتورة» التي قاربت الأربعين!
كنتُ أكظم غيظي فزوجة أخي تعيش في شقتي وتتطاول عليّ ولو شكوت لأخي لما حرك ساكناً، فزوجته أهم بكثير من أخته ورغم أن أني قاربت الأربعين إلا أنني أكثر جمالاً من زوجة أخي بكثير.. لكن زواجها المبكر من أخي هو الذي جعلها تتفاخر أمامي وتعيرني بتأخير زواجي..
إنني لا شك سعيدة بعملي ومنصبي ومحبوبة من الجميع بل وتغبطني زوجة أخي على منصبي العلمي.. لكني أعود فأقول إن الرجل مهم جداً للمرأة بكونه زوجاً.. وأن العلم وإن كان قيمة عظمى في حياة المرء.. إلا أن الرجل بكونه زوجاً يحفظ للمرأة كرامتها ويخفف عنها وحدتها ويرعى أمورها.. إن الزواج ضرورة للفتاة أضعاف العلم.. أوجه رسالتي لكل أب وأم وابنة أن لا يكون الجمال والذكاء وسيلتين لغرور المرأة وأسرتها حتى تضيع كل فرص الزواج من بين يدي المرأة.. على الآباء أن يتذكروا ويتذكروا بناتهم بأهمية زواج الفتاة في عمر مناسب وبأن تتنازل الفتيات عن الصورة الخيالية لفارس الأحلام، حيث إنها في كثير من الأحيان تظل صورة خيالية لا تمت للواقع بصلة.
إن مجتمعاتنا لا تقبل مطلقاً المرأة التي تعيش وحدها ولو حصلت على أكثر من دكتوراه فتضطر هذه المرأة للحياة مع أخيها وأسرته أو عم أو خال وتلاقي الكثير من العناء في مثل هذه الحياة.. بينما تكون في بيت زوجها أكثر إكراماً ورعاية، فهي تخدمه وترعى شؤونه وهو يفعل الشيء نفسه يخدمها ويرعاها.. لقد اكتشفتُ خطأ حياتي الجسيم وهو الغرور بالجمال والعلم والعائلة وكيف إن أبي أيدني في هذا الغرور وكنتُ أتمنى لو نهرني وأعادني لصوابي.. لكنه رحمه الله نظر لابنته نظرة الرضا والتأييد رغم أن لي عيوبي.. إن مصارحة الآباء والأمهات لبناتهن بالعيوب أحياناً تفيد في إعادة الفتاة لصوابها ومقاومة غرورها وبحثها عن رجل بلا عيوب.. وربما شعور الفتاة أن والديها على قيد الحياة يمنحانها كل الحب والعون والتدليل.. ربما من هذا المنطلق تعتقد الفتاة (دوام) بقاء الوالدين لكنها تصدم صدمة مروعة مع رحيلهما تباعاً وتفاجأ أنها وحيدة ثم تفاجأ أنها كالضيف الثقيل، فهي عبء على من تعيش معهم.. والمشكلة الأخرى أن الزوجات الأخريات يشعرن بالخوف من المرأة الوحيدة خشية أن تزلزل أمام بيوتهن وهكذا يغلقن الأبواب في وجهها، وهذا ما حدث مع أكثر صديقاتي.. تجنبن تماماً استمرار علاقتهن بي مادمتُ وحيدة.
كلمة أخيرة.. لا المال ولا الجمال ولا المنصب ولا العلم يغنيان المرأة عند وجود رجل (زوج) في حياتها.. وأقول لكل زوجة حافظي على زوجك وتنازلي كثيراً لإرضائه ولا تضيقي بخدمته، فهذا أفضل كثيراً من اضطرارك لخدمة آخرين مقابل حياتك في حمايتهم أو كنفهم.
إني أعترف بالخطأ الكبير أني كان من الأفضل لو قبلت الزواج من رجل يرضى عنه أهلي في دينه وخلقه كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم.. لكن أحلامي للأسف كانت بعيدة جداً عن هذا الحديث النبوي الشريف.. فضاعت أحلامي مثل أيامي، لكني من فضل ربي لا أحب الندم ولا البكاء على الماضي.. إنني فقط أسجل تجربتي لتستفيد منها كل الفتيات والأسر.. بقي أن أقول: إني والحمد لله مؤمنة بأن الإنسان يعيش قدره فعليه أن يرضى به.. وأحياناً أضيق بوحدتي فلا أجد ملجأ إلا الله ثم أتذكر نعم الله عليّ من مال ومنصب وعلم وصحة.. فيطمئن قلبي أن حياتي مليئة بالنعم وهي تستحق الشكر لله عز وجل في كل صلاة ..

المصدر: المجلة العربية
__________________