الموضوع: ملاك حبى
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-31-2012, 01:19 AM
 
ملاك حبى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انا قرأت هذه الرواية فى منتدى غرام واعجبتنى
لذلك قررت نقلها هنا

اترككم مع القصة
ملاك حبي..


"فاقد الشيء.. لا يعطيه"

هل سمعت هذه المقولة من قبل؟..بغض النظر ان كنت قد سمعتها ام لا..ما رأيك بها؟..ان أردت رأيي فأنا لا أؤيد هذه المقولة..ففاقد الشيء هو الذي يستطيع ان يعطيه ..لأنه الوحيد الذي شعر بألم فقدانه لهذا الشيء..وهو الوحيد الذي يمكنه ان يعوض من أمامه بالشيء الذي خسره ذات يوم..فمن فقد حنانا ..يشعر بألم فقدانه ويمنحه لكل من حوله..ومن فقد حبا..يعوضه لمن فقده..لانه يشعر بحقيقة آلامه..أظنكم قد فهمتم ما اعنيه لكم..لذا أترككم مع الحكاية ..صحيح انها من محض الخيال..ولكن من يدري؟..ربما تحدث يوما ما..

مقدمة:

ملاك هو اسمها..ملاك هي ملامحها..ملاك هي ابتسامتها..ملاك هي صفاتها..قلبها الكبير بحب الناس..لم يعرف معنى الكره ..معنى الكذب او الخداع..معنى الغرور والطمع..تخيلت إنها تحيا في عالم لا وجود للشر فيه..عالم ملئ بالخير والحب..بالتسامح والطيبة..
هل أخطأت عندما عاشت على أفكارها تلك ؟..على صفاتها تلك..واي صدمة ستعيشها لو علمت بالواقع المر؟..هل سيستطيع أحد أن يمنحها حبا يساوي حبها لكل هؤلاء الناس؟..هل سيأتي يوم وترى الحب في عيون من حولها؟..وذلك الشخص الذي طالما تمنته والذي لم يختفي من أحلامها لحظة ..يقترب منها وبهمس قائلا..(انت ملاك حبي)..(ملاك حبي انا)..



الجزء الأول
"هي.. وهو"


ابتسمت تلك الفتاة وهي تمشط شعرها الأسود الذي ينسدل على كتفيها بنعومة ورقة..وتتطلع الى نفسها في المرآة..كانت بيضاء البشرة..جميلة وبريئة الملامح.. تصرفاتها تجعلها اقرب الى الأطفال..مع انها قد تجاوزت سن الثامنة عشرة..
كانت أشبه بالملاك عندما تبتسم..ابتسامتها يمكن ان تذيب جبالا من الغضب الذي تعيش بداخلك..وكانت مدللة والدها وخصوصا بعد وفاة والدتها..وبعد ذلك الحادث المشئوم الذي أثر بالجميع فيما عداها هي لأنها كانت صغيرة السن لحظتها..لم تعلم بم يدور حولها..او بم يحدث..فطفلة لم تتعدى الثانية من عمرها كيف لها ان تدرك ان والدتها قد توفت في ذلك الحادث..وإنها هي..تلك الطفلة الصغيرة باتت سجينة هذا المقعد الى الأبد....
فبعد حادث السيارة المشئوم..أصيبت (ملاك)..الطفلة التي لم تتعدى الثانية من عمرها يومها..بالشلل..إثر إصابة بعمودها الفقري..
لكن هذا لم يؤثر بها كثيرا..فمن جهة والدها..يغدق عليها بلطفه وحنانه وحبه..ومن جهة أخرى هي لم تختلط بمن يماثلونها العمر ويشعرونها بعجزها..فقد كانت تحيا بمعزل تقريبا عن الآخرين..فهي تقوم بالدراسة بالمنزل..تحت إشراف مدرسين متخصصين..
التقطت ملاك تلك الزهرة الصغيرة وثبتتها بأحد أطراف شعرها ..وما لبثت ان سمعت صوت طرق الباب فقالت مبتسمة: ادخل..
دلف والدها الى الداخل وقال مبتسما وهو يميل نحوها ويلثم جبينها: كيف حال ملاكي اليوم؟..
قالت ملاك مبتسمة: في أحسن حال..ماذا عنك يا ابي؟..
قال وهو يهز كتفيه: لاشيء..عمل في عمل..
ومن ثم لم يلبث ان ابتسم وهو يغمز بعينه: وهذا ما دعاني لأعود في سرعة الى صغيرتي الغالية..
قالت وهي تفكر: ابي..لم يبقى على رأس السنة الميلادية شيء ونحن لم نقم بالتجهيز لها..
قال في هدوء: لا يحتاج الأمر لكل تلك التجهيزات..سوف نقوم بتزيين المنزل بالإضافة الى شراء بعض الحلويات..
قالت في سرعة: لا أريدها ان تكون كالعام الماضي ..أريدها ان تكون مختلفة ومميزة..
مسح على شعرها وقال: حسنا وما رأيك..ما الذي سيجعلها مميزة هذا العام؟..
قالت برجاء: ان ندعو اليها ابناء عمي ..
عقد والدها حاجبيه وقال: الم نتحدث في هذا الموضوع كثيرا يا ملاك؟..اطلبي أي شي الا هذا..
قالت متسائلة: ولماذا؟..في كل مرة ترفض البوح لي بالأمر ..إنني لم أرهم منذ ان كنت في السادسة من عمري وبعدها لم أرهم ابدا..
قال وهو يزفر بحدة: لا تسأليني عن السبب..نحن هكذا نعيش براحة بمعزل عنهم..
قالت ملاك برجاء: الى متى يا ابي؟..الى متى؟..لابد ان يأتي يوم ونضطر لأن نكون معهم..ففي النهاية عمي هو أخيك ..وابناءه بمثابة ابناء لك..
صمت والدها وهو يعلم انها على حق..ولكنه لم يعد يزور اخيه وانقطعت بينهم كل أواصر العلاقات..وهذا قبل اثني عشر عاما..أسباب عديدة دفعته لقطع تلك العلاقة..اولها كان..إصرارهم بزواجه..انه ابدا لا يفكر باحضار امرأة الى هذا المنزل لتكون بمثابة زوجة اب لابنته..ثم لا يريد ان تشعرها بعجزها وخصوصا وهو يعلم بحال ابنته وبأي آثار قد يسببه جرح مشاعرها..وإشعارها بالواقع الذي تحياه..
والسبب الثاني هو انهم دائما ما يشعرونه بعجز ابنته ويحاولون التلميج بهذا لها.. يحاولون دائما الإشارة انها لن تعيش كباقي البشر .. دون عمل ..و دون قدرة على فعل شيء ..يستكثرون عليها هذه الحياة التي تحياها .. ويطمعون بكل قطعة نقدية تمتلكها وكأنها لا تمتلك الحق في الحياة لمجرد عجزها..انهم لا يفهمون انها ابنته..حياته كلها ..ولو طلبت نجمة في السماء لأحضرها لها.. ولهذا لا يريد لأي من اخوته او أبناءهم ان يعودوا للظهور في حياته ..لا يريدهم ان يجرحوا ابنته ولو بكلمة..انها ملاك..الا يفهمون..؟..
(ابي الى اين ذهبت؟..)
قالتها ملاك لتنتزع والدها من أفكاره..والتفت لها ليقول بابتسامة باهتة: أفكر في صغيرتي الغالية وماذا اشتري لها بمناسبة رأس السنة..
- لا أريد إلا ما أخبرتك به..
قال متجاهلا عبارتها: أتعلمين يا ملاك ..اليوم وانا اقود السيارة شاهدت متجرا للمجوهرات..دلفت اليه ولم استطع مقاومة ان اشتري هذا لملاكي الصغير..
قالها وهو يخرج قلادة من جيبه ويهبط الى مستواها ويرفعها أمام ناظريها..اتسعت ابتسامتها وهي تلمح تلك القلادة الذهبية التي كانت عبارة عن شكل لقلب وبداخله يتوسط قلب اصغر غير ثابت ومتأرجح..وقالت بسعادة: هذا لي..
اقترب منها والدها وقام بوضع القلادة حول رقبتها..وقال مبتسما: ما رأيك بها؟..
قالت بفرحة : اقترب مني يا أبي..
اقترب منها وقال: لم؟..
سقطت بين ذراعيه وقالت: احبك يا ابي ..احبك..
ضمها والدها اليه بحنان شديد..وهو يفكر بالمستقبل المجهول الذي ينتظر ابنته التي لا تعرف عن العالم شيئا...
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
على طرف آخر وفي مدينة اخرى..وفي ذلك المنزل الكبير الذي كان اشبه بالقصر..هتفت تلك الفتاة قائلة بانزعاج: (مازن)..اعد الي أحمر الشفاه..
قال مازن وهو يبتسم بسخرية: لا يوجد لدينا فتيات يضعون احمر شفاه..
قالت بحنق: انها حفلة..ماذا تريدني أن أضع اذا؟..
قال وهو يميل نحوها: يكفيك ما تلطخين به وجهك من ألوان..
قالت بغضب وهي تمد يدها اليه: أعدها الي..
قال وهو يلوح بأحمر الشفاه في وجهها ليغيظها: وإذا لم افعل يا آنسة (مها)؟..
قالت بانفعال:سأخبر والدي..
قال بعدم اهتمام: اخبريه..
اسرعت مها تهبط درجات السلم وتتوجه نحو والده الذي كان يحتسي كوب القهوة في الردهة الرئيسية..وسمع صوت ابنته مها وهي تقول: والدي..يجب ان تجد حلاً مع مازن..
التفت لها وقال: وماذا به شقيقك ذاك؟..
قالت بحنق: لقد أخذ احمر الشفاه الخاص بي.. ويرفض إعادته لي..
قال والدها بضجر: وليس لي عمل غير فض الخلافات بينك وبين أخيك..
قالت بسخط: هو من بدأ..
جاءها صوت مازن وهو يقول: بل هي..تود وضع احمر شفاه في حفل ساهر..لا تزال طفلة على مثل هذا الأمور..
قالت بحدة: انت الطفل..
قال والده بملل: ألم تكبر على مثل هذا الأمور يا مازن؟..لقد تجاوزت الخامسة والعشرين..
قالت مها وهي تعقد ساعديها وقالت: أخبره بذلك يا والدي..وقل له ان يعيد أحمر الشفاه الخاص بي..
قال مازن مبتسما: سأعيده ولكن بشرط..
التفتت له فأردف: ان تعرفيني على احدى صديقاتك بالحفل..
قالت وعيناها متسعتان: لا بد وان عقلك قد اصابه خلل ما..
تطلع الى احمر الشفاه الذي بيده وقال: فليكن اذا.. لا تحلمي ان تري هذا مرة اخرى.. ودعيه الآن قبل ان يصل الى سلة المهملات..
قالت باحتجاج: لا تفعل هذا.. انه باهض الثمن..
- أمامك حلان إما احمر الشفاه او أحدى صديقاتك؟..
مطت شفتيها وقالت: فليكن سأعرفك على إحداهن.. أعدها لي الآن..
كاد أن يعطيها إياه ولكنه تراجع قائلا: أقسمي أولا..
قالت بضجر: اقسم على ذلك..هل ارتحت؟.. هيا اعطني إياه..
قدم لها أحمر الشفاه.. فاختطفته منه في سرعة وعادت أدراجها الى الطابق الأعلى..اما والده فقد تطلع اليه بضيق ومن ثم قال: الا تخجل من نفسك يا مازن من ان تطلب من أختك أن تعرفك على إحدى صديقاتها؟.. وأمامي أيضا..
هز مازن كتفيه ومن ثم قال: انها مجرد صداقة بريئة يا والدي.. وجميع الفتيات اللواتي اعرفهن يعلمون مسبقا اني لن ارتبط بإحداهن.. أنا لم اخدع أحدا.. جميعهن يعرفن حدود العلاقة التي بيننا..
قال والده بضيق: ألا ترى إن هذه العلاقات لا تصلح لشاب مثلك؟.. ألا تفكر في الاستقرار؟..
ابتسم مازن وقال: أن كنت تعني الزواج.. فكلا.. لا أفكر به مطلقا..
هز والده رأسه بضيق اكبر وقال: انظر الى أخيك انه لا يتصرف مثل تصرفاتك..على الرغم من انه شقيقك الأصغر..
قال مازن بسخرية: (كمال).. انه لا يبالي بشيء ابدا.. انظر اليه على الرغم من اننا سنغادر بعد قليل.. فلم يحضر حتى الآن..
- اتصل به لتعلم اين هو اذا..
التقط مازن هاتفه ليتصل بكمال ولكن قبل ان يفعل سمع صوت الباب الرئيسي وهو يُفتح.. فابتسم مازن بسخرية وقال: لابد وانه قد ترك أصدقائه من اجلنا أخيرا.. وقرر الحضور..
التفت والده الى حيث كمال وقال وهو يعقد حاجبيه: لماذا تأخرت يا كمال؟..
قال كمال بلامبالاة: لقد نسيت أمر حفلة الليلة.. ولم أتذكر إلا قبل وقت قصير..
عقد والده حاجبيه وقال باستنكار: وهل هذا أمر يستطيع المرء نسيانه يا كمال؟..
هز كمال كتفيه ومن ثم قال: لقد نسيته وانتهى الامر..
قال الوالد بعصبية وهو يلتفت الى مازن: استدعي شقيقتك لنغادر .. فلو تناقشت معكم اكثر من هذا.. قد اصاب بمرض القلب..
ألقى مازن نظرة حانقة على كمال الذي بدا غير مباليا أبدا بما يحدث حوله.. ومن ثم عاد ليهتف مناديا مها: مها.. أسرعي سنغادر بعد قليل..
سمع صوتها من أعلى الدرج وهي تقول بصوت عالي: سوف آتي .. دقيقة واحدة فقط..
وما لبثت ان هبطت بعد قليل.. ليغادروا جميعا المنزل.. متوجهين إلى الحفلة المنشودة...
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
شعرت ملاك التي كانت تنام بهدوء في غرفتها بلمسات حانية تداعب وجنتها ..فهمست قائلة: أريد ان انام..
سمعت صوت والدها يقول: هيا استيقظي ايتها الكسولة..
فتحت عينيها ببطء وارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها وهي تقول : ابي.. الم تذهب الى عملك اليوم؟..
هز رأسه نفيا.. فسألته قائلة وهي تعتدل جالسة: ولم؟..
قال والدها بهدوء: هذا ما جئت لأحدثك عنه..
تطلعت ملاك اليه بحيرة وقالت: وما هو الذي جئت لتحدثني عنه؟..
مسح على شعرها بحنان ومن ثم قال: أنت تعلمين إن أعمالي كثيرة داخل وخارج البلاد.. واليوم قد حدث أمر طارئ يستدعيني للسفر..
عقدت ملاك ساعديها امام صدرها وقالت بضيق: ليس مرة اخرى يا والدي.. ستتركني وتسافر..
زفر والدها قائلا: وماذا عساي ان افعل يا ملاك؟.. انني مضطر صدقيني والا لما غادرت البلاد وتركتك..أتظنين إن أمرا بسيطا قد يجبرني على تركك وحدك.. لا إن الأمر اكبر من هذا وعلي أن أكون هناك لأستطيع تدارك أي خطأ قد يحدث..
أشاحت بوجهها عنه وقالت وهي تشعر بغصة في حلقها: في المرة الماضية ايضا تركتني.. هنا لوحدي.. لا اجد ما افعله.. سوى التحدث الى نفسي..
قال والدها بحنان وهو يضمها الى صدره: ملاك يا صغيرتي.. لا تقولي هذا.. انت اكثر من يعلم انني اتضايق عندما اراك حزينة..
أمسكت ملاك بسترته وقالت برجاء: اذا خذني معك .. أرجوك..
ربت على ظهرها وقال بأسف: ليتني استطيع.. سأكون منشغلا طوال الوقت.. وسأضطر لانتقال من مكان الى آخر.. وقد لا استقر في مكان ما الا بعد ايام من وجودي هناك..
ابتعدت ملاك عن والدها وقالت وعيناها متسعتان: ايام؟؟.. اتعني انك ستغيب كثيرا هذه المرة.. وستتركني وحيدة هنا..
- اسبوع لا اكثر..
ترقرقت الدموع في عينيها وقالت بحزن: لقد سأمت البقاء لوحدي يا ابي .. لا اريد ان ابقى لوحدي مرة أخرى.. اريد ان اجد من اتحدث اليه..
قال والدها بحنان وهمس وهو يمسح تلك الدموع التي سالت على وجنتيها: لا أريد أن أرى هذه الدموع.. تعلمين إني لا اتأثر الا عندما أرى دموعك..
قالت ملاك بإصرار: أريد أن آتي معك..
- ليتني أستطيع يا ملاك..
صمتت ملاك بحزن وهي تشعر بأن الماضي سيتكرر وتظل وحيدة من جديد.. كل عام يغادر والدها البلاد.. ليومين او ثلاثة ويتركها وحيدة.. ولكن هذه المرة سيغادره لأسبوع كامل.. لا تستطيع ان تبقى في المنزل مع عدد من الخدم فقط.. تريد ان تتحدث الى احد يفهمها وتفهمه..
وقال والدها بابتسامة: ستكون معك السيدة (نادين).. وهي المسئولة عنك كما تعلمين فلا تقلقي لن تحتاجي لأي شيء في غيابي..
قالت ملاك بحزن: لا أريد ان أبقى وحيدة..
شعر والدها بالعطف تجاهها وقال وقد احس انه يمكن ان يوافق على أي طلب تطلبه.. وهو يراها في حالتها هذه: ما الذي تريدينه اذا؟..
التفتت له ومسحت دموعها في سرعة لتقول: اريد ان اذهب لمنزل عمي للبقاء عندهم..
قال والدها في عدم تصديق ودهشة: منزل عمك؟..انت لا تعرفين احدا منهم ابدا..
قالت ملاك وهي تعض على شفتيها بالم: على الاقل سأجد من اتحدث اليه هناك..
قال والدها بحزم: ملاك.. كل شيء إلا هذا.. أنا لا أريد لك أن تذهبي إلى هناك وتختلطي بهم لأن...
قاطعته ملاك برجاء: أرجوك يا أبي.. لن اطلب شيئا آخر سوى هذا.. أرجوك..
رق قلب والدها وهو يراها تتوسل إليه.. وشعر انه ربما اخطأ عندما جعلها بمعزل عن الآخرين.. قد يكون ذلك في صالحها.. ولكنه أيضا سبب لها الشعور بالوحدة.. الشعور بأن ليس لديها أصدقاء ممن يماثلونها العمر.. وقد يكون ذلك سببا في عدم إدراكها لطبيعة البشر من حولها..
وارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي والدها ليقول: كما تشائين يا صغيرتي.. سأفعل لك كل ما تريدينه..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
تطلع والد مازن الذي كان يجلس خلف مائدة الطعام الى المقعد الفارغ وقال متسائلا: اين كمال؟..
اجابته مها التي كانت تجلس بجوار والدها: لا يزال نائما..
قال والدها بضيق: انها الثانية ظهرا.. أي نوم ينامه الى الآن؟..
قال مازن الذي جلس على الطرف الآخر للمائدة: الم اخبرك انه لا يبالي بأي شيء؟..
قالت مها بحنق: على الاقل هو ليس مثلك.. دائم الشجار معي..
قال مازن بابتسامة: أنا أقوم بتسليتك.. فلو لم أكن أتشاجر معك لشعرت بالملل..
قالت مها وهي تتناول القليل من طبقها: الملل لدي افضل الف مرة من شجار واحد معك..
ضحك مازن وقال:ألأني المنتصر دائما في هذا الشجار؟..
مطت شفتيها بضيق ولم تجبه..وكاد أن يهم بقول شيء ما.. لولا ان ارتفع صوت رنين هاتف المنزل.. فقال والد مازن وهو يواصل تناول طعامه: اجب يا مازن على الهاتف..
ابتسم مازن وقال وهو يتطلع الى مها: اجيبي يا مها على الهاتف..
قالت مها بحنق: ابي قد طلب ذلك منك انت..
قال بسخرية: عليك الامتثال لاوامر شقيقك الاكبر..
قالت بتحدي: وعليك انت الامتثال لاوامر والدك..
قال والده بغضب: الا تحترمون وجودي حتى؟..
نهض مازن من مكانه وقال وهو يزفر بحدة: سأجيب يا والدي على الهاتف .. لا داعي لكل هذا الغضب.. لقد كنت امزح فحسب..
قالت مها بصوت خفيض وحانق: مزاحك ثقيل جدا..
توجه الى الردهة الرئيسية حيث الهاتف ليرفع سماعته ويجيب قائلا: الو.. من المتحدث؟..
تسائل الطرف الآخر قائلا: هل هذا هو منزل السيد امجد محمود؟ ..
اجابه مازن قائلا : اجل هذا منزله .. من المتحدث؟..
- انا خالد .. شقيقه..
قال مازن بحيرة: هل انت عمي خالد حقا؟..
قال خالد بابتسامة باهتة: اجل ..وانت من تكون؟ ..مازن ام كمال؟..
ابتسم مازن وقال : انا مازن يا عمي.. كيف حالك؟.. لم نرك منذ مدة طويلة..
- انا بخير.. هل لك ان تنادي لي والدك؟..
استغرب مازن رغبته في ان ينهي المحادثة معه سريعا ولكنه لم يفكر بهذا طويلا وقال بهدوء: حسنا سأفعل..
والتفتت الى حيث والده ليهتف بصوت مرتفع: والدي.. عمي يريدك على الهاتف..
نهض والده من خلف طاولة الطعام التي كانت تحتل ركنا من الردهة وقال متسائلا: أي عم تعني؟..
قالها وهو يقترب من حيث يقف مازن في حين اجاب هذا الاخير وهو يتطلع الى والده: انه عمي خالد..
توقف والده فجأة وقد سيطرت عليه الدهشة والاستغراب.. فشقيقه خالد لم يتصل منذ فترة طويلة تجاوزت العام والنصف.. واتصالاته كانت تنحصر على أمر يتعلق بالعمل.. او امر مهم ما..فلابد ان امر ما قد حدث حتى يتصل به..وواصل طريقه ليلتقط السماعة من مازن ويجيب قائلا: اهلا خالد.. كيف حالك؟..
هز مازن كتفيه بلامبالاة وسار مبتعدا عن المكان في حين أجاب خالد قائلا ببرود: بخير..
قال والد مازن كمن اعتاد على هذه النبرة من شقيقه : وكيف حال ملاك؟..
توقف مازن في تلك اللحظة عن السير.. ملاك؟؟.. هل لعمه ابنة؟.. لم يعرف هذا حتى الآن.. انه يستغرب عدم حديث والده عن عمه خالد بالذات.. ويستغرب هذه القطيعة بين والده وعمه.. وعقد حاجبيه وهو لا يزال واقفا في مكانه منصتا لما يقال..
وعلى الطرف الآخر قال خالد بهدوء: وهذا ما جعلني اتصل بك..
قال أمجد -والد مازن- بحيرة: ماذا تعني .. هل اصابها مكروه؟..
ازداد انعقاد حاجبي مازن.. الآن هو قد فهم من هذه المحادثة ان هناك فتاة تدعى ملاك.. وربما تكون ابنة عمه.. وابيه يتحدث عن مكروه.. وكأنها من المحتمل ان تصاب به في أي لحظة.. لكن.. لماذا؟..
قال خالد بحدة على الرغم منه: ملاك على ما يرام .. فلا داعي لان تتمنى لها ان تصاب بأي مكروه ..
قال امجد بهدوء: خالد.. انت تعلم جيدا انني لست كباقي اخوتك.. وانا الوحيد فيهم الذي عارضهم على ما يفكرون به تجاه ابنتك.. اليس هذا صحيحا؟..
قال خالد وقد هدأت حدة صوته: ولهذا اخترتك انت بالذات.. ولكن اعلم جيدا يا شقيقي العزيز انهم لو طلبوا منك أي شيء لتضر ابنتي لما تأخرت..انت لا تستطيع ان ترفض لهم مطلبا واحدا وهم شركائك.. اليس كذلك؟..
قال امجد بلامبالاة: لا فائدة منك.. على الرغم من كل ما فعلته من اجل ابنتك قبل اثني عشر عاما..
ازدادت دهشة مازن وهو يستمع لكل هذه الأمور التي اخذت تتدفق من بين شفتي والده.. اذا ملاك هي ابنة عمي حقا..وهناك شيء قد حدث قبل اثني عشر عاما أدى إلى هذه القطيعة بين عمي خالد والبقية من أشقاءه..وأبي هو الوحيد الذي عارضهم على ما يفكرون به تجاه ابنة عمي.. ولكن بم كانوا يفكرون بالضبط؟.. أو ما الذي ينون عليه؟..
قال خالد بهدوء: قبل أي شيء يا امجد اطلب منك ان تعدني.. او ان تمنحني كلمة منك.. ان ابنتي ستكون على مايرام ولن تتأذى من قبل أي منكم سواء بمضايقتها او بالتلميح لها..
قال امجد موافقا: أمنحك كلمة شرف ان ابنتك ستكون على مايرام ولن يجرؤ احد على الاقتراب منها حتى لو كانوا ابنائي نفسهم..واقسم على ذلك ايضا..
واردف بتساؤل: ولكن لم تطلب مني ذلك؟..أهناك امر ما قد حدث؟..
- انت تعلم بأعمالي العديدة.. وان علي ان اسافر بين الحين والآخر حتى أنجز أعمالي بالخارج..وفي كل مرة اترك ملاك فيها ليومين او ثلاثة.. ولكن هذه المرة الفترة قد تطول الى ما هو أكثر من ذلك.. ربما أسبوع او أكثر بقليل.. وعندما أخبرتها بالأمر صدقني لم أراها في حياتي حزينة كما رأيتها في تلك اللحظة وهي تطلب مني ان آخذها معي..
تساءل امجد بقليل من الدهشة: وهل وافقت؟..
اجابه خالد قائلا: بكل تأكيد لا.. الأمور لا تستقر الا بعد فترة من الوقت كيف لي ان اتركها وحيدة كل هذا الوقت .. وفي الوقت ذاته لا استطيع ان اتركها لمفردها في المنزل.. لهذا فقد كنت انت بمثابة الحل الوحيد..
قال امجد بهدوء: انت تعني ان تاتي لتبقى عندي في وقت غيابك .. اليس كذلك؟..
- بلى واعِلم انها هي من طلبت مني ذلك.. انها تشعر بالوحدة لمفردها وتتمنى ان يكون لها أصدقاء.. وحسبما اذكر فابنتك مها بمثل عمرها تقريبا.. لهذا ارجو ان لا يخيب ظنها بما تتمنى رؤيته في منزل عمها..
قال امجد بحزم: بيت عمها هو بيتها الآخر.. فلا داعي لاي تلميحات..
- على العموم سترافقها السيدة نادين.. ولن تكون بحاجة لأي شيء..
- ابنتك مرحب بها في أي وقت..
- سأحضرها غدا صباحا وأرجو ان تكون عند وعدك..
- لا تقلق سأكون كذلك واكثر..
- الى اللقاء..
اغلق امجد سماعة الهاتف وقال بضيق: لا يزال يضعني في دائرة الاتهام على الرغم من اني كنت اقف بجانبه هو وابنته دائما ..
سأله مازن بعتة والذي بدأ يفهم بعض الشيء من الحديث الذي دار بين والده وعمه: ابي من هي ملاك؟.. وهل هي سبب القطيعة بينك وبين عمي خالد؟..
التفت له والده وكأنه قد تنبه الى وجود مازن للتو وقال وهو يعقد حاجبيه: هل كنت تستمع لما اقوله؟..
هز مازن كتفيه وقال: ليس تماما.. ولكن الحديث عن هذه الفتاة اثار دهشتي وخصوصا وانك لم تتحدث عنها ابدا..
زفر والده بحدة وقال: اجل هي ابنة عمك.. وهي سبب القطيعة التي بيننا..
تسائل مازن بفضول: ولماذا؟..
صمت والده للحظات ومن ثم قال: لا داعي لأن نفتح صفحة الماضي.. الامور هكذا افضل..
ومن ثم توجه الى احدى الخادمات ومازن يراقبه بحيرة.. وسمع هذا الاخير والده وهو يقول لتلك الخادمة: جهزوا غرفة النوم التي بالطابق الارضي قبل الغد..
أومأت الخادمة برأسها وابتعدت.. في حين شعر مازن بحيرته تزداد.. فمن الغريب ان يطلب والده تجهيز غرفة نوم بالطابق السفلي على الرغم من ان لديه غرف نوم اكثر بالطابق الاعلى.. فما فهمه من حديث والده ان ابنة عمه ستأتي للبقاء عندهم لفترة من الوقت ريثما ينهي عمه أعماله بالخارج.. ولكن لم اختار والده الغرفة الموجودة بالطابق الأرضي بالذات؟..هل يريد ان تكون ابنة عمي بعيدة عنا ام ماذا؟! ..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
(ملاك توقفي عن البكاء يا صغيرتي)
قالها خالد والد ملاك بحنان وهو يتطلع الى هذه الأخيرة التي جلست الى جواره على المقعد الخلفي للسيارة ولم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع وهي تشيح بوجهها لتتطلع الى من النافذة بألم ..واردف والدها ليقول بصوت هادئ: انها ليست المرة الاولى التي اسافر فيها يا ملاك.. لا تبكي هكذا يا صغيرتي وكأني لن اعود اليك..
قالت ملاك من بين شهقاتها: ولكنها المرة .. الأولى التي ..تتركني لوقت طويل..
مسح على شعرها وقال بابتسامة: أريد أن أرى ابتسامة على الأقل قبل ان أسافر.. حتى اشعر بالراحة وأنا مسافر.. لا أريد ان أتركك وانا اشعر بالقلق عليك..
التفتت له وقالت بعينين مغرورقتين بالدموع: كيف ابتسم وقلبي يبكي بدموع من دم على فراقك يا ابي ..كيف؟..
التقط والدها من جيبه منديلا وشرع يمسح دموعها برفق وحنان وقال بابتسامة مغيرا دفة الحديث لينسيها القليل من احزانها: الا زلت مصرة على الذهاب الى منزل عمك؟..
قالت ملاك بعناد طفولي: بكل تأكيد على الاقل سيكون هناك من اتحدث اليه من اخبره باحاسيسي.. برغباتي.. لا ان أكون كالتائهة لا اعلم الى من اتحدث او الى أي شخص اشكي همومي..
قال والدها وهو يربت على كتفها: سأتصل بك يوميا ويمكنك ان تشكي لي ما اردت.. اخبريني ماذا تريدين ان احضر لك معي..
تنهدت وقالت وهي تنظر اليه: ما يهمني هو سلامتك يا ابي..
قال مبتسما بمكر: الا تريدين أي شيء حقا؟..
وجدت نفسها تبتسم وتقول: بلى اريد..
واردفت قائلة: اريد ان تجلب لي معك طيرا..
قال بحيرة: يمكنك شراء ما تريدين يا صغيرتي من هنا .. سأمنحك المبلغ الذي تريدين و...
قاطعتها قائلة وهي تهز رأسها نفيا: لا.. لا اريد شراءه من هنا.. بل اريده ان يكون على ذوقك.. ويكون مميزا حتى اتذكرك كلما غبت عني..
قال والدها بحب وهو يحيط كتفها بذراعه ويضمها اليه: لك ما شئت يا صغيرتي..
عقب قوله توقف السيارة.. وسمعا صوت السائق وهو يقول: لقد وصلنا يا سيد خالد..
التفتت ملاك في سرعة الى منزل عمها.. وفغرت فاهها بدهشة .. والتمع في عيناها بريق اعجاب وهي تقول: اهذا هو منزل عمي حقا؟..
فما امامها لم يكن اشبه بالمنازل التي رأتها.. بل كان اشبه بالقصور.. ببوابته الكبيرة.. وضخامة بناءه وروعة تصميمه .. وحديقته التي كانت ترى منها القليل فقط.. وان كانت تشعر بمساحتها الكبيرة..وازدردت لعابها لتتغلب على دهشتها وتشير الى المنزل باصابع متوترة بعض الشيء: اهذا منزل عمي حقا؟؟..
قال والدها بابتسامة باهتة: لا تخدعك المظاهر يا صغيرتي..
- ماذا تعني يا ابي؟..
قال بهدوء وهو يلتفت عنها: قد يبدوا لك المنزل جميلا من الخارج ولكن ماذا عن الداخل؟..
كان يعني بقوله اصحاب ذلك المنزل.. ولكنها لم تفهمه وظنت انه يعني المنزل بتأثيثه الداخلي.. وقالت مبتسمة: اكثر جمالا بكل تأكيد..
ابتسم وقال متحدثا الى نفسه: ( لن يمكنك فهم ما اعنيه ابدا يا صغيرتي.. لانك لم تكن لك اية علاقات الا معي ومع السيدة نادين..اشعر بالخوف تجاهك من كل ما حولك.. وكل ما يحيط بك.. كيف يمكن ان تواجهي العالم لو لم اكن انا موجودا .. كيف لك ان تواجهي جشع اعمامك ومكرهم .. كيف لك ان تواجهي خبث الناس من حولك.. هل اخطأت يا صغيرتي عندما ابعدتك عن الناس خوفا من ان يجرحوا مشاعرك؟ .. هل هذا هو خطأي انا؟..)
وتطلع الى المنزل وهو يتمنى من كل قلبه ان يعاملها اخيه وابناءه كما يتمنى هو او كما تتمنى هذه الملاك الصغير.. لو جرحوا مشاعرها لمرة فما الذي قد يحدث لها.. لو حاولوا ان يلمحوا يوما عن عجزها.. كيف ستتصرف؟..
ووجد نفسه يتردد في ان يترك ملاك عند اخيه .. ولكن حماسة ملاك المفاجأة جعلته يتراجع عندما سمعها تقول بسعادة: ابي اريد ان ارى المنزل من الداخل ايضا.. متى سنهبط من السيارة؟ ..
قال والدها بابتسامة شاحبة بعض الشيء وهو يفتح الباب المجاور له: الآن يا صغيرتي..
واردف وهو يتحدث الى السائق: افتح صندوق السيارة..
اسرع السائق ينفذ الامر.. فخرج خالد من سيارته وتوجه الى خلف السيارة ليلتقط ذلك الكرسي المتحرك الذي اصبح رفيق ملاك الدائم.. وفرده ليحركه الى جانب الباب المجاور لملاك.. وفتح الباب ليقول بابتسامة: هل اساعدك؟..
قالت مبتسمة: لقد اعتدت هذا.. صدقني..
قالتها وهي ترفع نفسها قليلا من على مقعد الكرسي باستخدام كلتا ذراعيها.. وتوجه ثقل جسدها الى الكرسي الموضوع بجانب السيارة..واستقرت عليه .. فابتسم والدها وهو يدفع المقعد قليلا ويغلق باب السيارة والتفت الى السائق قائلا: انتظرني هنا ريثما اعود..
عاد السائق ليومئ برأسه.. فدفع خالد مقعد ملاك امامه.. وابتسم يشرود وهو يتطلع الى المنزل الموجود امامه.. وتوقف لوهلة وهو يقول: هيا يا سيدة نادين..
كانت نادين سيدة تجاوزت الثامنة والثلاثين.. طيبة القلب وتهتم بكل شئون ملاك.. وهذا ما كان عزاءه في محنة ابنته.. ان تجد القلب الذي يعطف عليها.. وتكون كأم او اخت لها..
خرجت السيدة نادين من السيارة وهي تحمل حقيبة متوسطة الحجم وقالت في سرعة : في الحال يا سيد خالد..
وابتسمت ملاك ابتسامة تحمل ما بين السرور والقلق..القلق مما قد يصادفها خلف ابواب ذلك المنزل.. ضمت معطفها الى جسدها وتساءلت بالرغم منها متحدثة الى نفسها : (هل سيكون العيش بمنزل عمي كما تخيلته وتمنيته؟ .. أم أني سأنصدم بالحقيقة القاسية
هل اعجبكم؟

الطول؟

كيف سيستقبلها اولاد عمها؟