عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 10-06-2010, 04:51 AM
 

الجزء الثالث من الفصل الأول


لكن جلدي أبيض باهت بلون العاج؛ وليس لدي حتى عينان زرقاوان أو شعر أحمر رغم الشمس الدائمة. كان جسمي رشيقا على الداوم. لكنه كان رخوا على نحو ما؛ مؤكد أنه ليس رياضيا. ولم يكن لدي التنسيق الضروري بين اليد و العين الذي لا بد منه حتى أستطيع ممارسة الألعاب الرياضية دون إذلال نفسي أو دون إيذاء نفسي و كل من يقف قريبا مني.

عندما أنهيت وضع ملابسي في خزانة خشب الصنوبر القديمة أخذت حقيبة ضروريات الحمام وذهبت إلى الحمام المشترك حتى أنظف نفسي بعد السفر. نظرت إلى وجهي في المرآة ومررت أصابعي في شعري المبلل المتشابك. لعل الضوء هو السبب. لكنني بدوت أكثر شحوبا و أقل عافية . يمكن أن يكون جلدي جميلا فهو نقي جدا, بل يبدو كأنه شفافا, لكن الأمر يعتمد كله على اللون. لم يكن لجلدي لون.

كنت مضطرة و أنا أواجه صورتي الشاحبة في المرآة إلى الاعتراف بأنني أكذب على نفسي. لا تنحصر مشكلتي في المظهر الجسدي وحدة؛ إن كنت غير قادرة على العثور على ملاذ لي في مدرسة فيها ثلاثة آلاف طالب, فما هي فرصي هنا؟

لم اكن اجيد التواصل مع الذين في عمري. بل لعل الحقيقة هي انني لم اكن اجيد التواصل مع الناس من مختلف الاعمار. حتى امي نفسها التي كنت اقرب اليها من اي شخص آخر في العالم لم تكن على وفاق معي؛ و كأننا لم نكن على الموجة نفسها تماما. كنت أتساءل أحيانا ما كنت أتساءل أحيانا ما إذا كانت عيناي تريان الامور ذاتها التي تراها عيون بقية الناس. لعل ثمة خلل في دماغي. لكن السبب ليس هو المهم! ما يهم هو الأثر. وسوف يكون الغد نقطة البداية.

لم انم جيدا طيلة الليل حتى بعد أن انتهيت من البكاء. ولم يتلاشى صوت المطر و الريح على السطح. غطيت رأسي باللحاف القديم الباهت ثم أضفت إليه الوسادة أيضا بعد قليل. لكنني لم أستطع النوم حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل و تحول المطر أخيرا إلى رذاذ هادئ.

لم أستطع ان ارى غير الضباب الكثيف من نافذتي في الصباح و بدات أشعر برهاب الاماكن الضيقة يتسلل إلي شيئا فشيئا. لا يمكن ابدا رؤية السماء هنا؛ إن المكان أشبه بقفص مغلق.

كان تناول الفطور مع تشارلي حدثا هادئا. تمنى لي حظا طيبا في المدرسة فشكرته عارفة أن أمنيته هذه امر مستحيل. كان الحظ الطيب يميل إلى تجنبي. انطلق تشارلي قبلي ذاهبا إلى قسم الشرطة الذي كان بمثابة زوجة و أسرة له. بعد ذهابه جلست إلى طاولة خشب البلوط العتيقة المربعة على واحدة من الكراسي الثلاث غير المتشابهة ورحت أتفحص مطبخ تشارلي الصغير بجدرانه الخشبية القاتمة و خزائنه الصفراء اللامعة و أرضه السيراميك البيضاء. لم يتغير في هذا المطبخ شيء. لقد قامت أمي بطلاء خزائنه قبل ثمانية عشر عاما محاولة إضفاء لمسة من أشعة الشمس على هذا المنزل. وفي غرفة المعيشة المجاورة الضئيلة كان فوق الموقد الصغير صف من الصور. في البداية صورة زفاف تشارلي و أمي في لاس فيغاس, ثم صورة لنا نحن الثلاثة التقطتها ممرضة خدومة في المستشفى عقب ولادتي, ثم تأتي سلسلة من صوري المدرسية حتى آخر عهدي هنا. كان النظر إلى هذه الصور محرجا. . . علي التفكير فيما يمكن أن أفعله حتى أجعل تشارلي يضعها في مكان آخر. . . أثناء إقامتي هنا على الأقل.

بوجودي في هذا المنزل كان من المستحيل أن لا ألاحظ أن تشارلي لم ينس أمي أبدا. وقد جعلني هذا غير مرتاحة.

لم أكن أرغب في الوصول إلى المدرسة أبكر مما يجب, لكني لم أعد أطيق البقاء في المنزل أكثر. ارتديت معطفي الثقيل الذي يشبه المعاطف المستخدمة عند الكوارث البيئية و انطلقت تحت المطر.

كان مطرا ناعما لا يكفي لإغراقي ريثما أجد مفتاح المنزل الذي نخبئة دائما تحت إفريز الباب. و كان صوت حذائي الجديد المقاوم للماء مزعجا. لقد افتقد صوت قرقعة الحصى تحت قدمي عندما أمشي. لم أستطع التوقف قليلا حتى أتأمل شاحنتي الجديدة رغم رغبتي في ذلك. كنت أتعجل الهرب من ذلك البلل الضبابي الذي يتطاير حول رأسي و يعلق بشعري تحت القبعة.

كان الجو لطيفا جافا داخل السيارة. من الواضح أن بيلي أو تشارلي قد نظفها, لكن المقاعد المدبوغة المنجدة لا تزال تفوح برائحة خفيفة من التبغ و البنزين والنعنع الحار. ارتحت لأن المحرك اشتغل سريعا, لكن صوته كان عاليا فقد زمجر أولا ثم هدأ قليلا إنما ظل يدور بأقصى سرعة. لا بأس, لا بد من وجود عيب في شاحنة بهذا العمر. اشتغل الراديو العتيق ايضا فكان مفاجأة لطيفة لم أتوقعها.

لم يكن العثور على المدرسة صعبا مع أني لم أذهب إليها من قبل. فالمدرسة تقع على الطريق العام مثل معظم الأشياء. لم يكن ظاهرا عليها أنها مدرسة, لكن لافتة أعلنت أنها مدرسة فوركس الثانوية, فجعلتني أتوقف عندها. بدت المدرسة مثل مجموعة من البيوت المتشابهة المبنية بالقرميد الأحمر. و كانت الأشجار و الأجمات كثيرة إلى حد منعني من رؤية حجم المدرسة في البداية. تساءلت و الحنين إلى مدرستي القديمة يغمرني: أين هو الإحساس بالمؤسسة؟ أين هي الأسيجة المصنوعة من السلاسل الحديدية, و أين هي أجهزة كشف المعادن؟

أوقفت السيارة أمام المبنى الأول الذي فوق بابه لافتة كتب عليها المكتب الأمامي. لم أرأي سيارة واقفة هناك مما جعلني متأكدة من أن هذا المكتب خارج حدود المدرسة. لكنني قررت أن أستفهم في الداخل عن كيفية التحرك بدلامن التجول هنا و هناك تحت المطر مثل الحمقى. خرجت من السيارة غير راغبة في مغادرة المقصورة الدافئة. مشيت عبر ممر صغير مرصوف تحف به أحجار داكنة. أخذت نفسا عميقا ثم فتحت الباب.
__________________
أفضل تعـريف لذاتك ..
أنك لست أفضل من أحد ، ولسـت كأي أحد و لست أقل من أحد!