عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 04-22-2009, 08:47 PM
 
رسالة إلى طبيب انبعثت فيه صحوة روحية

رسالة إلى طبيب انبعثت فيه صحوة روحية





بديع الزمان: سعيد النورسي


مرحباً بك أيها الصديق الحميم، ويا عزيزي الطبيب السعيد الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه. إن الصحوة الروحية التي تبينها رسالتكم الخالصة، لجديرة بأن تهنأ وتبارك.
يا أخي! اعلم إن الحياة اثمن شئ في عالم الموجودات، وإن ما يخدم الحياة هو أرقى واجب من بين الواجبات كلها، وإن السعي لصرف الحياة الفانية إلى حياة باقية هو أغلى وظيفة في الحياة. واعلم إن خلاصة قيمة هذه الحياة وزبدتها وأهميتها البالغة هي في كونها نواة للحياة الخالدة ومنشأ لها، حتى إن تصور خلاف هذا، أي حصر الهمّ والعلم في هذه الحياة الفانية، هو إفساد أي إفساد للحياة الأبدية، وليس ذلك إلا جنوناً وبلاهة كمن يستبدل برقاً خاطفاً بشمس سرمدية.
إن الأطباء الغافلين عن الآخرة، والمنغمسين في أوحال المادية هم - في نظر الحقيقة - اًسقم الناس وأشدهم مرضاً، ولكن إذا ما تمكن هؤلاء من تناول العلاج الإيماني من صيدلية القرآن المقدسة واخذوا جرعات من مضادات السموم فيها، فانهم يضمدون جراحاتهم البشرية، ويداوون مرضهم، فضلاً عن انهم يكونون السبب في مداواة جراح البشرية كلها.


نسأل الله تعالى أن تكون صحوتك الروحية هذه بلسماً شافياً لجرحك أنت، ومثالاً حياً، وقدوة طيبة، أمام أنظار الأطباء الآخرين ودواء لمرضهم. ولا يخفى عليك ما لإدخال السلوان في قلب مريض يائس قانط من نور الأمل من أهمية، فقد يكون أجدى له من ألف دواء وعلاج. بيد أن الطبيب الغارق في مستنقع المادية والطبيعة القاسية يزيد اليأس الأليم لهؤلاء المساكين حتى يجعل الحياة كلها أمامهم مظلمة محلولكة.. ولكن صحوتك هذه ستجعلك - بإذن الله - مناط سلوان ومدار تسلٍ لأولئك المساكين وأمثالهم، وتجعل منك طبيباً حقاً يشع نوراً إلى القلوب وينثر البهجة في النفوس.
من المعلوم أن العمر قصير جداً، والوظائف المطلوبة كثيرة جداً، فالواجبات اكثر من الأوقات، فإذا تحريت ما في دماغك من معلومات، مثلما فعلته أنا، ستجد بينها ما لا فائدة له ولا أهمية من معلومات تافهة شبيهة بركام الحطب.. لقد قمت أنا بهذا الضرب من البحث والتفتيش، فوجدت شيئاً كثيراً مما لا فائدة له ولا أهمية. نعم انه لا بد من البحث عن علاج وعن وسيلة للوصول إلى جعل تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية مفيدة نافعة، منورة مضيئة، حية نابضة، تتدفق بالرواء والعطاء. تضرع أنت كذلك يا أخي وادعُ الحكيم الجليل أن يرزقك صحوة روحية تخلّص تفكيرك وتزكّيه لأجله سبحانه، وتضرم النار في أكوام بقايا الحطب تلك ، لكي تتنور وتتحول - تلك المعارف العلمية التي لا طائل وراءها - إلى معارف إلهية نفيسة غالية.




كليات رسائل النور
بديع الزمان سعيد النورسي



رد مع اقتباس