عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-27-2008, 06:12 PM
 
القواعد السديدة في حماية العقيدة -6-

القواعد السديدة
في
حماية العقيدة


الدكتور: طه حامد الدليمي


-6-



العقل



وأصول الدين


حقيقة ( العقل ) المقصود
لو كان ( العقل ) الذي ينسبون إليه ما يسمونه بالحجج العقلية شيئاً له كيان مستقل اذا طرحت عليه المسائل أجاب بجواب واحد عن كل مسألة ، وهذا الجواب معصوم من الخطأ لأمكن ان يكون مرجعاً عند النزاع في أصول الاعتقاد، كما هو حال القرآن في أجوبته عنها : اذ هو كتاب مستقل معروفة آياته لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، اتفق المسلمون جميعاً على قطعية ثبوتيته ، ويمكن الرجوع اليه بسهولة ويسر لنجد الجواب القطعي في جميع أصول الدين ومسائله العظيمة . وليس الأمر كذلك بالنسبة ل(العقل) .
ف(العقل) المقصود حقيقته العملية ما يعقله كل عاقل ، أي رأيه وما يصدقه ويستسيغه هو بعقله. وبما ان كل إنسان يمكن ان يعقل او يرى ما لا يعقله أو يراه الآخر فلا بد من ان تعدد الآراء وتتضارب (الحجج العقلية) الا فيما اتفقت عليه عقول البشر كالبديهيات ، أو الأمور العلمية البحتة كالرياضيات، او ما يدخل تحت التجربة والمشاهدة، وهذه امور محسة وملموسة يمكن البرهنة عليها بالوسائل المعروفة، وقد اتفق العالم عليها.
وعلى هذا فإن ما تسمعه من قولهم : العقل يحكم بكذا ويقضي بكذا فهو تدليس ولعب بالألفاظ ! لأن العقل المطلق هنا ليس هو عقلاً واحداً لا يخطئ يرجع اليه كل العقلاء، وإنما هو عقل المتكلم نفسه ، أي ما يراه هو بعقله ! فهو رأي من الآراء لا أكثر . وقد يختلف فيه مع غيره من العقلاء فيرى غيره بعقله ويحكم بغير ما يراه هو ويحكم به، وهكذا.. !


اختلاف العقلاء فيما يعقلون


وهكذا تتباين العقول فيما بينها وتختلف في كثير من المسائل العقلية : فهذا يثبت عقله ويوجب ما ينفيه الآخر ويقول عقله باستحالته ! علماً أن الواجب والمستحيل ضدان لا يجتمعان . فماذا نفعل وكلاهما يحتج
بالعقل والدليل العقلي ؟!
وهكذا اختلف الفلاسفة والمتكلمون فيما بينهم . بل وهكذا انحرفت الديانات : فما فسدت اليهودية والنصرانية الا عندما تركت نصوص الوحي لعقول علمائهم وأقوالهم ، فاخترعوا الأقاويل ثم دعموها بالروايات الملفقة في معزل عن الوحي .
تأمل هذا الدليل العقلي الذي يقدمه أحد القسسة الإنجليز عن الثالوث يقول :
المادة لها ثلاث حالات : صلبة وسائلة وغازية، والهواء : أوكسجين ونتروجين وهيدروجين ، والماء سائل وغاز وثلج ، والشمس : دفء ونور وحرارة ، والزمن : ماضي وحاضر ومستقبل، والإنسان روح وعقل وجسم ، والعائلة أب وأم وأولاد . وهكذا الحال بالنسبة إلى الله : الأب والابن وروح القدس .
لقد كان القس يقدم هذه (الأدلة العقلية) في مناظرة مع احد علماء المسلمين أمام حشد كبير من الناس. فلا بد
– والحالة هذه - أنه كان مقتنعاً عقلياً بمثل هذا الدليل العقلي المتهافت (1) .
ومن له أدنى اطلاع على كتب الفلاسفة والمتكلمين الذين ارادوا ان يخضعوا العقيدة لآرائهم وعقولهم يدرك معنى ما اقول ، ويصيبه الذهول لهذا الاختلاف والتضارب بالحجج التي يسمونها (عقلية) دون طائل اذ ان كل حجة يمكن نقضها بمثلها ، حتى ان بعضهم ألَّف في بيان (تكافؤ الأدلة العقلية) وأنها لا يمكن ان تؤدي الى يقين لإمكان نقضها بمثلها .
وحتى إن واحداً منهم وهو ابن واصل الحموي الذي كان من أبرعهم - كما يقول الخبير الحاذق شيخ الإسلام ابن تيمية - في الفلسفة والكلام قال وهو يصور هذا المعنى : ( استلقى على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم اذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء ) .
وقد انشد بعضهم في هذا قائلاً :

حججٌ تَهافتُ كالزجاجِ تَخالُها *** حقاً وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ

لا يصح استقلال العقل في أصول الاعتقاد

ولما كانت الحجج (العقلية) على مثل هذا الحال من الاختلاف- وواقع الفلاسفة والمتكلمين أوضح شاهد - فالله جل وعلا أرحم بعباده من ان يكل دينهم الى عقولهم المجردة . ودين الله أعظم من ان يكون ألعوبة للآراء التي يسمونها ظلما ب( العقل ) .
ولما كان الله قد أقام الحجة على خلقه على أتم وجهٍ وأكمل صورة ، فلا بد ان تكون هذه الحجة أمراً آخر غير ( الحجج العقلية ) لأنها مضطربة مختلفة .
فأين هي الحجة إذن؟!




للبحث بقية ...




===============
1- القس هو (شروش) ، والعالم المسلم هو (أحمد ديدات). والمناظرة مسجلة في شريط فديو .
رد مع اقتباس