عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 09-28-2008, 09:21 AM
 
وفي ليلة سلامها حتى مطلع الفجر

بسم الله الرحمن الرحيم
وفي ليلة سلامها حتى مطلع الفجر



سامح محاريق - بين الحقيقة الدينية والمتناقل على ألسنة الناس منذ أن أشرق الإسلام على الجزيرة الوثنية المنذورة لتخرصات المنجمين وترهات السدنة، وليلة القدر هي المباركة والمقدسة لدى المسلمين، فهي ليلة الفرقان التي يفرق الله فيها كل أمر حكيم، ويكتب القدر سنة جديدة، وليلة القدر ليست زمانا فلا قيمة لما يعده الإنسان وما اصطنعه لنفسه من مواقيت، كما أنها ليست مكانا فرحمة الله عزوجل متناهية وأبعد من حدود القياس والتخمين، فليلة القدر حال من الطمأنينة تترفل من تسربلوا بمسوح اليقين.
وردت ليلة القدر مرتين في القرآن الكريم الأولى في سورة القدر التي عددت فضائل هذه الليلة للعباد، والثانية في سورة الدخان التي بينت مكانتها لدى الله تعالى، والقراءة في المرتين تعد المسلم بأنه أقرب ما يكون من الله في هذه الليلة التي تنزل الملائكة فيها لتؤمن على دعاء العباد الذين ينسلون من منازلهم في الليل ليعتصموا بدفء المساجد متراصين يتهدجون في قراءة القرآن أو يجهدون في القيام والصلاة.
في هذه الليلة يفرق الله في القدر فيكون النصيب وما حان وقته يمضي ويأخذ كل امرئ حصته من الرضا أو السخط أو الامتحان، وينسل المسلمون بوعد الله باستجابة الدعاء يعرضون من أمرهم عليه وعلى ملائكته المؤمنين على الدعاء، ألم يقل الله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ .
ولكن الدعاء ليس تجارة أو صفقة، أنه امتداد لعلاقة مع الله الذي طلب من المسلم دوام الدعاء، فالله ملجأ المسلم الذي يتوجب عليه عبادته، لأن من وحدانيته أن تسود قيم العدل والمساواة بين الناس، وتفيض الثقة بالله على المسلم حتى تتماهى مع ثقته بنفسه، فالله معه وتجارته مع الله وليس سواه.
والمسلم لا يحول ليلة القدر إلى مجرد طقس أو احتفال فذلك ليس من الدين في شيء، فالله يستجيب الدعاء في كل مكان وزمان، وبالطريقة التي فيها الأصلح والأفضل للمؤمن حتى وإن أدخر ذلك للحياة الآخرة، ولكن أن يحاول المسلم أن يتخذ من قرابة الله في ليلة القدر ذريعة لغرضه الدنيوي يصحبه معه لعبادته فذلك ليس من أخلاق المؤمن الذي يرى في علاقته مع الله ملاذه الأول والأخير.
صحيح أننا أمة تائهة تنافح عن هويتها وتسعى لهنيهة من الراحة في عالم يمضي بسرعة في تهافته، وصحيح أن المسلمين لم يعودوا سوى طوائف ومذاهب تختلف على صلاة التراويح وعلى اتصالها مع قيام الليل، كما تختلف للأسف على مسلسلات التلفزيون ومن يتقنها أكثر من الآخر، ولكن في ليلة القدر تصفو القلوب ويصبح الهم الفردي المتعلق بتربية الأولاد وتعليمهم وزواجهم متصلا بالهم العام والأوطان الممزقة والضائعة، وتتجدد البيعة لله التي هو في غنى عنها وما أفقرنا إليها.
العبودية لله هي مصدر للطمأنينة بأننا سواء، فالله لا يتقبل الوساطات ولكنه يرضى بالشفاعة لم اجتهد ولم يصب أو غرته الدنيا عن طاعته، ألم يقل لنبيه الكريم إنك لا تهدي مَن أحببت ، ولكن الله يهدي من يشاء ، وهو أعلم بالمهتدين ، فالواقفون في صفوف الجوامع يعرفهم الله واحدا واحدا ، ويعرف من صدقه الندم وطلبه المغفرة، ومن أتى منهم تاجرا بغرض أو مطلب.
كذب المتقولون باستجابة دعاء ليلة القدر وحده، فالدعاء لله كله مستجاب، وليس الله بحاجة لمن يتذكرونه في هذه الليلة دون سواها، ويتوجهون فيها إليه عما عداها، ممن لا يتذكرونه إلا إذا ألمت بهم مصيبة، أولئك الجازعون الذين يبرأ الله منهم وملائكته.
الأساطير الشعبية طالما سرقت براءة العبادة وموهتها، فذلك أصابه الثراء لأنه تربص بالساعة الموعودة من ليلة القدر، وذلك بنى مجده لما سمع الله دعاءه في تلك الليلة فأعطاه، وتبقى العائلات والعامة يتناقلون تلك الأقوال ويعللون بها من ابتعدوا عن الله، ليحضروا بدنياهم التي تشغلهم عما سواها، وكأن الله وملائكته ؟ حشا لله ؟ غافلون عما يجري من العباد.
الوقت ليس سوى صنيعة إنسانية، ومبكرا أو متأخرا ليست سوى أسماء أسمينها لأنفسنا، أما في الملأ الأعلى فإن العدل مطلق والحق مطلق، والفرق بين النسبي الذي غرقنا فيه وحاولنا أن نجاريه وأن نمنحه التبريرات وصكوك الولاء، وبين المطلق الذي هو الواحد الذي لا يقبل القسمة على شيء وهو أصل كل شيء، جلي وواضح لا يقبل اللبس أو التمويه.
الله ؟ عزوجل ؟ أقرب من حبل الوريد، وهو في غنى عن الادعاء، لذلك تعالوا أيها المتعبون والتائهون والمشتتون والممزقون والموزعون بين الدنيا والآخرة وبين الشك واليقين، تعالوا وحدكم أو في جمعكم، تعالوا متعكزين على ما قدمتموه من خير، أو خجلين مما فرطتم فيه، تعالوا بهمومكم وأحزانكم وهناتكم وخطاياكم الشخصية وتعالوا بأحلامكم وأسئلتكم وشكوكم وضياعكم، تعالوا أمة واحدة أو شتات قبائل أو حتى أفرادا غارقين في الأنانية والجشع، ولكن تعالوا صادقين.
بين الادعاء والدعاء حرف يعترض سلاسة الكلمة وبهائها فلا تسقطوا فيه، واصدقوا أنفسكم، فكلكم عند الله سواء والفرق بينكم في التقوى ومن عظيم التقوى الصدق، ألم يقل الرسول الكريم في حالتين قريبتين لا شيء يفرقهما سوى الصدق فالأشعث الأغبر هو وحده في المرة الأولى لا يستجاب له: رب أشعث أغبر، يرفع يديه يقول: يا رب.. يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك وفي الثانية تبلغ ثقته في الله مداها فيقول الرسول الكريم رب أشعث أغبر، مدفوع بالأبواب- أي: يرده كل الناس- لا يؤبه له، إن كان في المقدمة ففي المقدمة، وإن كان في الساقة ففي الساقة - أي: في أي مكان كان لا يبالي أحد به- لو أقسم على الله لأبره تريدون بر الله فعليكم ببر أنفسكم، وبر الإنسان أعظمه لأخيه الإنسان، فتعالوا بشعث أرواحكم إلى باريها، ولا تتشبثوا بواهيات الأساطير وتمسكوا بما قاله خير الأنام: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .
غفر الله لنا ولكم.