عرض مشاركة واحدة
  #27  
قديم 11-30-2017, 06:28 PM
 




واصلي
تعلَّمتُ الكثير من أحاديث عمتي ، ماذا يفضِّلُ أحمد ..؟
ما الذي يحب أكله،شربه..و حتى ملابسه و اللون الذي يميِّز ...
ناهيك عن معلومات الطبخ الإرتجالية التي تقدمها كلُّ النساء ...

وضعت الماء ليغلي ببعض اللحظم و اتجهت ُ لأتمعن بما تعمله عمتي من خلطة بصل محَّمر و بطاطا مقليه مع بعض الخضار المقطعة على الشكل المربع...
إنَّ أفكارها البسيطة أذهلتني حقا ، و بالتأكيد سأستفيدُ منها ...
دخلت أماني متبخترة و اقتربت من الفرنِ متفحِّصة ما عليه، و فتحت غطاء اللحم لتبتسم بشر لم أرتح له سائلة لي شخصيا...

-مهى، انظري ..ألم ينضج اللحم ؟
أدرتُ حدقتي بغيظ و زفرتُ استياءً بينما أجابتها أمُّها
- اللحمُ لا ينضج بهذه السرعة يا ابنتي ، اصبري قليلاً عليه..

-لكنَّ لون اللحم كالمطهي ، إلَّا إن كان به شيئ غريب ..انظري .

هذا ما قالته و هي تجرُّني بسرعة نحو الفرن و تتركني غير تاركةً لي مجالَ التوازن ...

••••••••••••••••••
••••••••••••••••••

الأملُ الذي يتحدَّثُ عنه والدي لشفائي ، لم يكن سوى سرابٍ في نظري ...
كلماته المفعمةِ بأملٍ يبعد اليأس هي ما كانت تشير لإيجابية حديثه و هو يستلقي على الأريكةِ التي تقابلني بأريحية..
- لقد تحدَّثتُ مع أكثر من طبيب ، و أرسلتُ صور ملفك الطبي لأطباء غربيون ...إنَّهم يأملون بشفائك بعدَ تلكَ العملية الجراحية .
تنهدتُ لسماعِ هذه الكلمات التكرارية ثمَّ قلت..
-أبي، إنَّ احتمال نجاح هذه العملية لا يتعدَّى الثلاثون بالمئة و قد بحثتُ عن الأمر بنفسي ..هؤلاء الأطباء الذين لا تهمهم سوى كومة النقود لن أسلِّمَ نفسي لهم .

اعتدل جالساً باسطا ذراعيه على جانبي جانبه و عينيه تنصبان تركيزها علي
-أحمد، قدميك هذه قد تعودان للحراك و الإحساس ..أتعي هذا ؟!..إن لم تنجح لن تخسر إلا رزمة من المال ، لكن إن نجحت فسوف تستعيد عافيتك .

أشحتُ وجهي متجاهلاً التفكير الجدي بهذا الحل ليغيِّر والدي المبحث ...
- هل هذه الفتاة تقوم بما يجب ..؟

لحنُ والدي الحاوي للتحقيرِ و الغضب أفهماني مقصده ، فأجبت على غرار ذلك...
-إن كنت تقصد تكفيرها عن ذنب والدها ،فهيَ تفعل و أكثر ... لكن ذلك لا يرضيني بقرار الزواج هذا ، لم أكن بحاجةٍ لها ...أنتَ تعلم أنِّي كنت أرغب بالـ....

لم أتمم حديثي ،و سببُ ذلك صرخةٌ مجنونة قد قاطعتني ...
أخذتُ أدير عجلة المقعد الذي يحملني بسرعة حتى اصطدمت بالحائط الجانبي الذي قابلني لعدم تحكمي الجيِّد ، فسارع والدي بالإمساك بي ...
كنتُ متلبكاً لما سمعت ، فعدتُ أمشي متجهاً نحو المطبخِ الواقعِ بالجانب الأيسر بجانب باب الشقة القهوائي ...
كانَ ذلك صوتُ مهى الصارخ بجنونٍ ينبئني بالشؤم ، و هذا ما أُثبتَ لي بعدَ عبوري من بابِ المطبخ لأرى ذلك المنظر الذي قطع عليَّ سلسلةَ الصمتِ أمامها و أنا أنطق منفعلاً ...
- ما الذي يجري هنا؟!؟!؟!

لم يكن سؤالي عبثاً، فها هي تتلوَّى ألما و هي مرميةٌ على الأرض العارية من الفراش ، ممسكةً بذراعها بينما أمي تداريها و ترطب مكان الحروق الممتدة على قدمها أيضاً....
بينما أماني واقفة بجمودٍ لم يزلزله سوى صوت والدي الصارخ مخاطباً ...
- ارفعيها مع أمك ، سوفَ نأخذها للمشفى ...

نظراتُ أماني اللامبالية هذه ، عرَّفتني لمَ أنا أنظر لزوجتي نصف محترقة ...!

••••••••••••••••
••••••••••••••••


حريقٌ يستعرُ في يدي و قدمي و أجزاء أخرى من جسدي و وجهي ، إثرَ انسكاب ماء اللحم علي...
كنتُ أعلم أنَّ أماني تكرهني جداً و لو كنتُ مكانها لشعرت مثلها ..
لكن لم أتخيَّل أن تفعلَ هذا ...!!
لا أزالُ أصارع تؤهات و صرخات الألم على ذلك السرير و الطبيبةُ تفحص مدى الأثرِ الذي تركه الحرق الذي يكاد يدخل أحشائي كما أشعر ...

كانت دموعي تنهمرُ حزناً و أسفاً على نفسي ، ما أعانيه ليس بحق .. إنَّه ظلم لا أعرف ظالمه ...
أجلستني ذات الرداء الأبيض لتبيِّن تشخيصها أنَّ الحروق ليست خطسرة، لكنَّها صعبةُ العلاج و لذا قد يطول و يترك آثاراً طفيفة ...
كانت عمَّتي تقربني من أحضانها ، لكنَّها لم تكن تغنيني عن حنانِ أمي ذرَّة ...و هذا ما لاحظته هي بعدما أبعدتُ نفسي عنها ...
لم تتوقف كفها عن مسحِ رأسي و سألتني سؤالاً لامس قلبي
- هل تريدين الذهاب لمنزل أهلك ، لتكوني مع والدتك في هذا الوضع العصيب عليك؟
أظهرتُ طيفَ ابتسامةٍ على وجهي و كدتُ أجيبُ بنعم مؤكَّدة لولا أن ظهرت صورة أحمد المشدوه بمنظري ...
لا أعرف لمَ يهمني ، لكنّني لا أستطيع تغاضي ردَّة فعله ...
ربما كان متعجباً فقط، لكن لا بأس لو توهمتُ قلقاً قد بدى منه...

لذا رفعت شالي المعتم لأضعه فوق بيدي السالمة و قلت بثقة من قراري ...
-لا، دعينا نعود لشقتي و أخبري أهلي بالحظور هناك ...هكذا سأكون مرتاحة أكثر ..
ساعدتني بإحكام خماري و أشرتُ لها بإغلاق أزرار عبائتي و نهضتُ بصعوبة بعد ساعتين من الإستلقاء هنا لتهدئة هذه الحروق ...

•••••••••••••••
•••••••••••••••


لا أستطيع الهدوء ، أكاد أجن ...
منظرها لا ينمحي من ذهني ، تجهم وجهها و صرخاتُ لسانها و بكاءها المرير ...
وددتُ لو أقول لها
-اهدئي أيتها الصغيرة ،كلَّ شيئ سيكون بخير .
أجل ، فهي فتاةٌ صغيرة لم تكن سوى في تذمر طفولي قاد حياتها للإنقلاب ...
كم شعرتُ بالضعف و الهوان عندما كانت مهى تتقلَّبُ بحجرِ أمِّي و أنا لا أمتلك غير النظر ، و ماذا أفعل و هذا الجزاء قد تلقته من أختي الصغرى...!!

شهد القضاء ظلمها الذي كنتُ أنا سببه ، فمهما فكرت لن أجد جواباً لتساؤلاتي غير هذا ...
سمعتُ أصوات دخولهم من الدرج المخفي خلف الباب الأساسي للشقة، فسارعت للتوجه نحوهم ..

أماني هيَ أوَّلُ من واجهتني لأقابلها بنضرةِ السخط الذي يملئني غضباً و حقداً بينما هي همست لي بابتسامةٍ راضية
-لقد تلقت جزائها و سوف أريها المزيد مما تستحق ...فقط اجلس و انظر لها.

أردتُ نسيان أنها اسمي بتلك اللحظة ، فهذه القسوة تجاه تلك الفتاة ليسَ ما أردت...
قسوة حتى نسيان قوائم الإنسانية..!

و من ثمَّ رأيتُ أمي التي تعاون مهى على الدخولِ ببطئ ...
لا أصدِّقُ أنَّ هذه الفتاة التي دخلت بيتي قبل شهر بتمام مرحها و صحتها ، قد غدت تخطوا خطىً منكسرة لحروقٍ ملئت جسدها النحيل...
وقفت تنظر لي بصمت قبلَ أن تقرأ أفكاري و تنحني لحظات لي ..
-أنا بخير ، آسفة على إقلاقك ..


كنتُ كالأبكم هذه المرَّة عنوة عن نفسي ، حيثُ كنتُ أرجوا نفسي أن تنطق و تسألها ، هل هيَ بخير..؟
هل خفَّ ألمها المرير و الحرارة التي اشتعلت غي نطاق جلدها الرقيق ..؟

لكن ، لا أستطيع .. فهل لي الحقُّ في إسماعها صوتي الآن بعدما حرمتها الحديث بكلِّ هذه الأيام ..
هل لي الحقُّ بالقول لها أنِّي أكادُ أموتُ قلقاً عليها ..؟!

••••••••••••••••
••••••••••••••••


العراك ناشبٌ بين جميعِ الأطراف بينما أنا و أحمد قد فضَّلنا الصمت ..
فلا هوَ يجدُ جواباً لما قالته أمي منذ رؤيتها منظري فزعة، و لا أنا لي الجرأة و الحق في القول أنَّ ما يقوله عمي و أماني بالأمر الخاطئ ...

- هل هذا جزاءُ ابنتي ؟!..إن كنتم تريدون الإنتقام فانتقموا من الشخص الذي ضربه و ليس فتاة بريئة ...

و أتمت و هي تخاطب أحمد بحدَّة
- أهذه هي رجولتك ، تشويه ابنتي ..!!
و أكملت و هي تجرني ناهضة بسخط..
- هيا للمنزل مهى، لا مكان لك هنا بعدَ الآن..يكفي ما تعرضت له ..

لم أستطع مجاراتها ، ليسَ هذا.. لم أدخل هذه الحياة بإرادتي و سوف أخرج منها كما دخلت ..!
بالطبع لن أرضى ، نظرتُ لأحمد الذي كان يشدُّ على قدميه العاجزتين و حدقتيه المصوَّبتان تحونا تبيِّن حالته الغير راضية و هذا ما زاد عزمي برفض قرارها ...
فأسرعت بنزع يدي منها قائلة ...
-أمي، هذه حياتي و ليست بلعبة ...أحمد لم يفعل شيئا ً يعاقب عليه ، و ما حصلَ كانَ حادثاً لا غير...

كانت تريدُ الحديث لكني نهضتُ متجهةً لغرفتي معتذرة...
-يكفي ما تحدثتم به ، أعتذر منكم فسوف أذهبُ لأستريح الآن.

كنتُ أظنُّ أنَّ مجيئ أمي سيشعرني بالإطمئنانِ و الراحة ، لكنَّها عوض ذلك تريدُ أن تأخذني بعيداً عن أحمد ...
لقد كرهتُ هذا ، فهي تريدُ أن تفعل كما فعلوا معي ...أعاقب على ذنب والدي و هو يعاقب على ذنبِ أخته ...
و هذا قمَّة الظلم...

••••••••••••••••
••••••••••••••••


منذُ ما حدث لم أسمع منها غير جملة واحدة تكرِّرها ...
- لا تنظُر إلي. .

ليسَ بالشيئ الكثيرِ ما أصاب وجهها ، لكنَّها ما زالت تكرِّرُ هذه الجملة التي تغيضني أكثر...
حاولتُ مراعاة مشاعرها و انتظرت لحظات مناجاتها لتهدأ و تعود لمرحها بقوة كالعادة ...

لكنَّ هذا لم يحصل ..
استيقظتُ لأراها تتقلَّب فقط !
فكرت بأمورٍ عدة لكن لم افهم ، هل هيَ في سخطٍ من ربِّها..!!!
جلستُ لتشعر هي بحركتي و تلتفت لي ، لكنَّها لم تنهض ..بل قالت جملةً قطبت حاجبي فقط و عادت للنوم..
- هذا الوضع يعني أن الله لم ينظر لي فلمَ أحادثُ شخصاً لا يراني ...

هل هذه مهى التي تعرَّفتُ عليها..؟؟؟!!!

•••••••••••••••••
•••••••••••••••••

يتبع،،،،
__________________
رد مع اقتباس