عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 07-28-2019, 09:30 AM
 
الفصل الثاني


[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:100%;background-image:url('https://www.arabsharing.com/uploads/156494906259532.png');"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]




<b>الفصل الثاني
- مصاصُ دِماء -
</b>


-" لا تنسَ وعدنا "-

يقول باستعجال مُذكراً أخيه الأكبر عن قضاء المساء معه حالما يعودان من الدوامِ الدراسيّ اليوم بينما يرتدي حذائه الرياضيّ بسرعة و ينهض ساحباً حقيبته المدرسية مبتعداً عن داريوس الذي بقيَ يراقب ابتعاد شقيقه عنه بابتسامة دافئة مودعاً إياه

-" لن أفعل .. و انتبه لنفسكَ "-

يقولُ ذلك و سرعان ما يشعر بيدٍ نحيلة تربت على كتفه الأيسر فالتفت تلقائياً لتتقابل عيناه الزرقاء مع عيناها الرماديّة الحانية بينما تقول هي بابتسامة بعد أن أبعدت بصرها عنه تحدق بمكان دايلن الذي اختفى منذ لحظات مع رفاقه

-" أنا سعيدة "-
-" هاه؟ "-

قالها تلقائياً باستنكار بعد أن ظهرت علامات الغباء على وجهه لتكمل هي بذات نبرتها المرحة بعد أن انطلقت ضحكة صغيرة منها

-" أنا سعيدة لأنكما تصبحان أقرب لبعضكم البعض في كل مرة .. علاقة الاهتمام التي توليها لدايلن تجعلني أشعر بالاطمئنان و الرّاحة .. كما أن مقدرة دايلن على تغيير مزاجك و إسعادك تجعلني أشعر بالفخر و الدفء، لذلك أنا سعيدة بوجودِ كِلاكما في حياتي ! "-

يشيح بوجهه بخجل واضح بعد تلقيه لتلك الكلمات الحسّاسة و المليئة بالمشاعر ليغير الموضوع بسرعة بينما يتخطاها نحو سيارتها الحمراء

-" ع..على كل حال يجدر بنا التحرك وإلا سأتأخر عن الدوام كما تعلمين "-
-" بالفعل "-

تتمتم بهدوء دون أن تمحي ابتسامتها المُشرقة و تصعد على سيارتها خلف المقصود ليتحرك كلاهما لحيث وجهتهما
طوال الربع ساعة الذي قضياها في السيارة كانا يتحدثان عن أمور سطحية دارَ أغلبها حول رأي داريوس بالثانويّة

-" لقد وصلنا "-

تقول بابتسامة ليلتفت إليها بعد أن استيقظ من شروده و يشكرها بتلعثم على تنبيهها له مضيفاً إلى ذلك اعتذاره على سرحانِه المستمر أثناء الطريق فتضحك هي بمرح لتخفف من توتره و سرعان ما فتح الباب لجواره ليخرجَ و تتحرك السيارة مجدداً مبتعدة عنه بعد أن ألقت المرأة بداخلها بعض النصائح و التنبيهات إليه
وقفَ ينظر للحشود أثناء دخولهم لبوابة المدرسة العملاقة مشتتاً ذهنه بالكثير لولا أنه لمحَ ذو العينان العسليّة بين الطلبة و يبدو أنه متوجه لفصلهما و ذلك جعل داريوس يُسرع خطاه لاحقاً به دون سبب منطقي، ربما فقط لأنه الشخص الوحيد الذي تحدث إليه بشكل طبيعيّ من بين جميع الأشخاص هُنا

و عندما كاد يصل إليه انعطفَ هدفهُ و سلك طريقاً مغايرة لمكان فصلهما بعد أن تحدث مع فتى آخر على الممر و ذلك جعل داريوس يقف متصنماً مكانه قبل أن يقرر العودة للفصل بهدوء و هذا ما فعله ليجلس على مقعده واضعاً حقيبته السوداء لجواره منتظراً بدء الحصة الأولى ينظر للنافذة جواره متأملاً تحرك الأشجار القصيرة بالأسفل بحكم كونه في الدور الثاني من المبنى
ليس و كأنه يتوقع الكثير من تلك الأمور التي يقرأها في الكتب .. من المفترض له ألا يرفع من سقف آماله كثيراً فهو بعد كل شيء أكسل من أن يخوض حياة مليئة بالمشاكل و العقبات فكل ما يريده هو الجلوس في منزله بهدوء و الاهتمام بشقيقه للأبد .. دون بذل أي مجهود خارجيّ

التفكير بكل ذلك جعله يتنهد بضجر و يعدّل جلسته
عيناه الزرقاء تحولتْ تلقائياً لحيث يجلس ماريون سوى أنه لم يعثر عليه هناك و ذلك جعله أكثر ضجراً بطريقة أو بأخرى
أخرج أحد كتبه من الحقيبة واضعاً إياه على طاولته المعدنيّة بعد دخول امرأة شقراء ممتلئة الجسد للفصل و أدرك بسهولة أنها معلمة اللغة الفرنسية التي تغيبت يوم أمس بسبب هبوط مفاجئ في الدم ..
و على ذكر الدم

بصورة مفاجأة انقبضت أعصابه و أخذ يشدّ على ملابسه بقوة كنا لو أن نوبة حادة أصابته للتو و ذلك جعل الفتاة التي تجلس لجواره بمناداتهِ عدة مرات بقلق غير أن داريوس لم يكن يستجيب لها بل كان يقاوم الألم المريع الذي أصابه و سرعان ما اختفى ذاك الشعور تماماً كما لو أنه لم يوجد قط منذ ثانيتين
شحبَ وجهه بينما يسترجع وضعيته السابقة تحت أنظار الطلبة المُستنكرة و القلقة

-" أنت .. إن كنتَ تشعرُ بالمرض يمكنك مغادرة الفصل "-

سرق من الوقت برهة يستجمع فيها شتات ذهنه المُبعثر ليعثر على إجابة سريعة في عقله فتمتمَ بصوت خافت بالموافقة تزامناً مع نهوضه و خروجه من الفصل بترنح ضاغطاً على صدره
و ما إن وقف في الممر الفارغ حتى انهارت قواه فجأة و عادتْ له تلك النوبة مجدداً بصورة أكثر حِدة و عنفاً جعلته يغمض عينيه بألم مقاوماً رغبته في الصراخ منتظراً زوال هذا الشعور العنيف و سرعان ما حصلَ على مراده فزال الألم عنه بسرعة لينهض و يركض بسرعة خارج مبنى الثانويّة ملتصقاً بالجدار خلفه يستعيد قواه التي تبخرت

كل ما يتمناه الآن هو عدم عودة ذلك الشعور مجدداً حتى يستعيد أعصابه و يستجمع شتات أفكاره ..
بطريقة ما تذكر بسرعة أمر كونه لم يشرب دماء منذ فترة ليست بالقصيرة و ذلك حتماً السبب في ما يعانيه من نوبات حادة من الألم و العطش
و قبل أن يخطو بنية المغادرة لروي عطشه انتابته نوبة ثالثة جعلته يسقط على الأرض ملتوياً من الألم مطالباً بالخلاص فحتى الشمس الذي اعتادَ عليها منذ سنوات أصبحت تؤلم جسده الآن
حاول الزحف باذلاً بذلك جهداً عظيماً و رغم ذلك لم يتحرك سوى شبر واحد من مكانه و ذلك جعله يرسم ابتسامة ساخرة على حاله بصعوبة

بصره عانقَ الجسد الذي أمامه بوهن .. ارتفعت يده لا إرادياً كمن يطلب المساعدة فامتثل له الشخص الآخر و الذي اتضحَ له فيما بعد أنه ماريون

أسند جسده المرهق بالجدار خلفه و أمسك بكلا كتفيه بقوة يحدق بعينيّ داريوس المخاملة ليصرخ بوجهه بانفعال

-" ولكن ما الذي يحدثُ معكَ ؟! "-
-" أ.. أنا بحاجة إليها .. ل.. لا شيء فقط غادر من هنا .. ارحل ! "-

يقول بوهن و تلعثم بسبب إرهاقه بعد كل تلك النوبات الحادّة التي تلقاها للتو و رغم أنه حاولَ قدر المُستطاع إخفاء حقيقته على الشخص أمامه و الذي اتسعتْ عيناه بشيء من الصدمة لدى سماعه لذلك و أيضاً لدى رؤيته لعينا داريوس القرمزية و سرعان ما ارتختْ ملامحه لأخرى هادئة و بابتسامة مطمئنة هتفَ يخاطب داريوس

-" لا تتحرك من هُنا .. سأعود بعد لحظات "-

لم يتمكن داريوس من الرفض أو السؤال حتى فكل ما يمكنه القيام به الآن هو محاربة تلك الآلام و البقاء على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة و بالطبع لوم نفسه على إهماله لشرب حصته الأسبوعية من الدماء في آخر مرة
ضلّ على وضعه الحالي لدقيقة أخرى قبل أن يعود ماريون مسرعاً و بيده قطة صغيرة قد نُحِرَ عُنقها لتسيل منه الدماء بغزارة فاضطربت بذلك مشاعر داريوس الذي صُدم بشدة لدى رؤيته لمنظر ماريون حاملاً القط بيده اليسرى بهدوء و بالأخرى كان يقبض على خنجر صغير

-" تعلم أنك وصلتَ حدودكَ بالفعل .. لا تقلق "-

يقول بخفوت مطمئناً داريوس الذي تضاربت أفكاره بعقله بشدة محدثة ضجيجاً مريعاً داخل رأسه عندما استرسلَ ماريون في حديثهِ بنبرة أكثر خفوتاً و هو يرمش بعينيه ليتغير لونهما العسليّ الصافي لآخر قرمزي كلون الدماء الباهتة

-" فأنا مثلُكَ تماماً. "-

لم يسعف داريوس الوقت للتفكير أكثر بكل تلك الفوضى الذي اقتحمت عقله بصورة لم يعتادها فانقضّ بشراسة على تلك القطة الميتة و أخذ يمتص من دمائها دون وعي منه مطالباً بإطفاء ذاك الألم في جسده الذي بدأ تدريجياً يستعيد قوته السابقة ما إن انتهى من شرب دماء القطة و إبعادها عن أنيابه الملطخة بالدماء

نظر بتوتر لماريون الذي كان يتفحّص ملابس الآخر بشيء من الهدوء بعد أن لاحظ كمية الدماء التي انتشرت عليها إثر شرب داريوس الدماء بعشوائية

-" أ.. أنا "-

تمتمَ داريوس بتلعثم مقاوماً رغبته بالهروب .. آخر ما كان يتمناه و يفكّر به هو معرفة غريب لحقيقته و ذلك لوحده جعله يرغب بأن يختفي بأسرع ما يمكن فهو لم يواجه موقفاً كهذا من قبل طوال حياته و بالطبع لا يدرك ما رد الفعل المناسب لذلك

-" لا عليكَ "-

النبرة المرحة التي نطق بها ماريون ذلك جعلت داريوس يرفع رأسه بصدمة محدقاً بتعابير وجه الآخر المتفائلة ليستأنفَ حديثه بعد أن نهض عن الأرض و سحب معه جثة القطة خالية الدماء مخاطباً داريوس بابتسامة

-" أولاً لنقم بالتخلص من جثة القطة ثم سأرسل إليك ملابس نظيفة .. اذهب و غيّر ملابسك فقد تلطخت بالدماء، اِغسل وجهكَ جيداً و اخرج قبل رنين الجرس سأكون بانتظاركَ "-

اقترب أكثر عندما لاحظ تعابير داريوس الحائرة و الذي لا يبدو عليه الثقة بمن أمامه سوى أن ماريون وضع يده على كتف الآخر ليطمئنهُ بنبرة عميقة

-" لا تقلق .. كُل شيء سيسير بشكل جيد "-
-" م.. من أين ستحضر الملابس الجديدة؟ "-
-" سأستعيرهم من خزانة المدرسة الاحتياطية متظاهراً بأنكَ قد شعرتَ بالمرض فجأة و استفرغتَ على ملابسك و سأعطيهم لك .. توجه لدورة المياة و حاول غسل ملابسكَ الحاليّة و وضعها في كيسٍ بلاستيكي مستغلاً خلو الممر حالياً بسبب الحصص الجارية ثم خذهم معك للمنزل "-

تردد قليلاً قبل أن يومئ بالإيجاب منفذاً خطة ماريون بحذافيرها و لحسن حظة سارَ كل شيء كما هو مُخطط له دون أن يضطر للفتِ انتباه أي شخص آخر فقام بغسل الدماء من ملابسه و وضعها في كيس بلاستيكي كان قد أعطاه له ماريون مع الملابس الاحتياطية ثم انتهى به المطاف في الفصل يجلس على مقعده بهدوء و مشاعر مضطربة يحدق لمكان ماريون الفراغ منذ بداية الدوام متسائلاً عن سبب تغيبه عن الحصص رغم أنه متواجد في مبنى الثانويّة

انتهت الحصة ليُقرع الجرس معلناً بدء الاستراحة المُنتظرة لدى الجميع
نهض داريوس من مقعده بهدوء متوجهاً للخارج يبحث بعينيه الزرقاء علّه يلمح ماريون بالجوار لكنه و كما توقع لم يعثر عليه
هو فقط أراد شكره على ما قدمه له ففي ذلك الوقت لم يكن قادراً على التفكير بشكل صحيح و ذلك جعله يؤجل فكرة شكره لما بعد

-" مرحباً "-

انتفضَ جسده برعب و أداره بسرعة للخلف حيث مصدر الصوت الذي كان مألوفاً لديه خصوصاً مع تلك النبرة الهادئة و المرحة في الوقت ذاتهِ
كان يقف أمامه بابتسامة ينظر إليه بلون العسل الصافي الذي احتلّ عينيه في حين هتفَ داريوس بسرعة

-" أشكركَ على ما فعلته .. مجدداً "-
-" ما مِن داعي لذلك .. "-

يردّ بمرح ليضع يده على كتف داريوس الذي استنكرَ هذا الفعل الغريب بينما تمتمَ ماريون بعد أن ارتختْ ملامح وجهه لأخرى أشد هدوئاً و لطفاً

-" إن احتجتَ للمساعدة أو شيء من هذا القبيل في وقت لاحق فلا تكن أحمقاً و تنسى وجودي .. "-

كلامه ذلك جعل داريوس يشيح بوجهه بشيء من الخجل و سرعان ما زيّنت وجهه ابتسامة صغيرة رسمها عليه حين أعاد النظر لماريون الذي عرضَ عليه الجلوس معه للتحدّث و ذلك بدا مُثيراً للاهتمام بالنسبة لداريوس الذي تبعَ ماريون ليجلسَ كِلاهما على مقعد خشبيّ طويل نسبياً خارج قاعة الطعام في مكان حيث يقلّ فيه تواجد الطلبة ليستفتح داريوس الحديث محافظاً على هدوءه و بهمس نطق

-" إذن .. أنت مصاصُ دِماء أيضاً "-
-" أجل. "-
-" هكذا إذن .. "-
-" هل أنت هجين؟ "-

سؤال ماريون ذاك دفع داريوس لرسم تعابير الاستنكار على وجهه حينها فهمَ ماريون أنه غير مُدرك لما قاله للتو فاستأنف مُوضحاً الأمر

-" الهُجين هو من يتم تحويله من بشري لمصاص دماء عن طريق مصاص دماء آخر و هم ينشرون بكثرة بين البشر غالباً "-
-" هكذا إذن .. كلا لستُ كذلك "-

ابتسامة عريضة رُسِمتْ على تعابير ماريون لحظتها ليهتفَ بمرح

-" هكذا إذن .. ذلك يعني أنك تنتمي للنُبلاء .. ياللمصادفة أنا كذلك أنتمي لهم .. إنها المرة الأولى التي أسمع بها عن عائلة هيبلتن ربما لقلة تواجد العوائل النبيلة في هذه المدينة .. غالباً ينتشرون في الضواحي الشماليّة كما تعلم حيث درجة الحرارة هناك منخفضة بشدّة .. على أية حال ما من داعي للثرثرة حول تفاصيل تعرفها بالفعل لذا دعنا نغيّر الموضوع "-

و رغم أن داريوس حرفياً لم يكن يفهم أي شيء من كل تلك المعلومات التي تفوه بها ماريون لحظتها سوى أنه قبل بتغيير الموضوع ببساطة لأنه لا يرغب بأن يخوض في حوارات معقدة كتلك

-" ماهي قُدرتكَ؟ "-

سألَ ماريون بفضول و اهتمام ليقابله ردّ داريوس الهادئ بعد مدة قصيرة من الصمت

-" لا شيء .. لستُ أملك قدرة "-

تغيرت ملامح ماريون ساعتها لأخرى متأسفة كما لو أنه تفوّه بما لا يجب عليه التفوه به أو كمن يندم على ما قاله .. و سُرعان ما غيّر تلك الأجواء باستعادته لنبرته المرحة مستأنفاً حديثه

-" هكذا إذن .. من النادر العثور على نبيل دون قدرة خاصّة لكن هذا ليس بسمتحيل .. بالنسبة إليّ فقدرتي تخولني على العبث بصور الأشخاص "-
-" هاه؟! "-

هتفَ داريوس بعدم فهم بينما تظهر علامات الغباء على وجهه ليقهقه ماريون بخفّة مُوضحاً كلامه و مستعملاً كِلتا يديه للشرح بينما عيناه العسليّة عانقت زرقاوتا داريوس المُستنكرة

-" على سبيل المثال .. هل تتذكر المرّة التي قدمَ إليك ثلاثة فتية و عادوا أدراجهم بعد أن نادوكَ بالمدير؟ "-

قلّب داريوس أفكاره بسرعة لتظهر تلك الذكرى الحديثة في مخيلته فيومئ بالإيجاب سامحاً لماريون بإكمال حديثه

-" في الواقع لقد قمتُ بتبديل شكلك بشكل المُدير بأعينهم لذا فرّوا منك قبل أن يقدموا على مضايقتكَ .. رغم ذلك لقدرتي عيوب فبإمكاني تغيير شكل شخص واحد فقط في كل مرة و يمكن أن يكون أنا كما أن عدد الأشخاص الذين يمكن خداعهم بالشكل المزيف محدود ولا يتجاوز الخمسة أفراد "-
-" هذا مُذهل ! لقد كنتُ أتسائل بالفعل عن سبب تصرفهم الغريب آنذاك "-

هتفَ بانفعال بعد سماعه لذلك مما جعل ماريون يبتسم بمرح موافقاً إياه و سرعان ما ظهر أمامهم فتى غريب يطلب من ماريون الحضور لمكتب المُدير فنهضَ تلقائياً معتذراً لداريوس عن مقاطعة حديثهم و وعده بإكماله في وقت لاحق

بقيَ جالساً على ذلك المقعد الطويل ينظر لاختفاء ماريون برفقة الفتى الآخر بشرود ثم أخفضَ رأسه يُحدق بحذائه الرياضيّ الداكن .. ما خطب هذه الأحداث المعقدة .. و ما الجحيم الذي كان يقصده بالهجناء و النبلاء و كل تلك الكلمات الغريبة و هل يملك قوى كتلك فعلاً؟
بطريقة ما لا يمكنه إنكار آخر نقطة فقد تذكّر للتو أنه كان وحيداً في الفصل سوى أن ماريون كان هناكَ ساعتها قبل حضورِ الفتية الثلاثة بثوانٍ قلائل و ذلك يؤكد كونه يملك قدرة غريبة كتلك بالفعل و مجرد التفكير في ذلك جعلَ حبل أفكارهِ يتشابك بشدّة مع المنطق لينهي تلك المعركة برأسه بتنهيدة عميقة قبل أن يقف مغادراً المكان متجهاً لفصله

و لبقية الدوام كان ماريون مختفياً عن الأنظار سوى أن داريوس لمحه يغادر المبنى بعد قرع جرس الحصة الأخيرة و خروج الجميع من الثانويّة .. كان يسير باتجاه طريق فرعيّ فيبدو أن منزله يقع بالقرب من هنا و ليس بحاجة لشيء كسيارة تقلّه
أو .. بطريقة أخرى يستخدم سرعة مصاصي الدماء للعودة لمنزله موفراً بذلك الكثير و مفسراً كونه يسلك طريقاً فرعياً بعيداً عن أعين العامة

الاستنتاج الذي قفزَ إليه في النهاية جعله يبتسم لا شعورياً و دون سبب منطقي منتظراً سيارة والدته الحمراء لتصل و ذلك ما حدث بعد أقل من خمس دقائق.





-" دايلن ؟! "-

سمعَ صوت صرختها باسم شقيقه قبل أن يرمي بجسده على سريره و ذلك جعله يقفز من مكانه و يتخطى الممر بسرعة ليقتحم غرفة أخيهِ حيث كان صوت والدته صادراً منها
انقبضتْ ملامح وجهه برعب لدى رؤيته لشقيقه مرميّ على الأرض بإهمال لجرار الباب كما لو أنه سقط حللما دخل غرفته على الفور ولا يبدو أنه مرتاح أثناء نومه من خلال النظر لحركة تنفسه المُضطربة و حاحبيه المنعقدين بشدة إضافة للعرق المُتصبب على جبينه و ارتجاف جسده

-" سأعد الماء البارد و قطع القماش حالاً .. أرجوكَ ابقَ معه داريوس "-

قالتها بقلق بالغ لتركضَ خارج غرفة دايلن الذي انخفَ داريوس إليه و رفع جسده واضعاً إياه على رجليه متفحصاً حرارته العاليّة بوضع كفّ يده على جبين الأصغر المتعرّق

-" تباً داي ما الذي فعلته اليوم ليحدث هذا؟! "-

تمتمَ بانفعال محاولاً الحفاظ على هدوءه بينما يراقب اضطراب تنفس أخيه بين يديه بشيء من القلق .. أخذ نفساً عميقاً ثم حمل دايلن على ظهره و وضعه على سريره بهدوء متمنياً أن تنتهي هذه المعضلة الجديدة بسرعة
هو و بِلا شكّ قد أرهقَ نفسه في المدرسة كعادته العابثة .. يكره الجانب المُهمل فيه بقدر كرهه لكل شيء يستحق الكُره في هذا الكون فهو يضع صحته في القائمة الأخيرة من أولوياته و ذلك فقط يجعل داريوس يرغب بتلقينه درس يجعله يفقد عدة أسنانٍ من فمه ليتسنى له البقاء في المشفى أطول مدة ممكنة لكنه يتراجع في نهاية المطاف مفكراً العواقب التي سيجنيها بعد فعله لشيء كهذا

شعر بملامسة أنامل أخيه لقميصه و ذلك انتشلهُ من دوامة أفكاره فالتفت بسرعة لحيث كان دايلن يحاول فتح عينيه العُشبية بصعوبة متمتماً بتعب و صوت شاحب أنه بخير ! و قوله لذلك في وضع كهذا لم يمنع داريوس من إطلاق ضحكة ساخرة قصيرة قبل أن يعودَ لإنفعاله موبخاً بشدة

-" ولكن أخبرني هل نسيتَ عقلكَ مع أغراض المدرسة قبل انتهاء الدوام أو شيء من هذا القبيل؟ أتقول أنك بخير و أنا بالفعل أرى العكس أمامي بوضوح يضاهي وضوح الشمس في منتصف النهار؟ "-
-" ل.. لا يمكن رؤية الشمس ف.. في وقت كذلك ستكون أشعتها ق.. قويّة "-

قال بوهنٍ مع ابتسامة مرحة جانبية بذل جهداً عظيماً في صنعها في محاولة فاشلة منه لإثبات أنه بخير و أنه ما من داعي للقلق عليهِ و هو الشيء الذي لم يحصل عليه عندما دخلت والدتهم لحظتها و بيدها تحملُ قطع قماش مبللة و الأخرى عدة أنواع من الأقراص الطبية فظهرتْ ملامح العبوس من فورها على دايلن الذي هتفَ مقاوماً صداع رأسه و ثقل لسانه

-" أ.. أمي أنا بخير .. القليل من الراحة م.. مع حساء خضروات ساخن ستعيد لي ط.. طاقتي كالسابق و أفضل "-
-" دايلن أقفل فمكَ .. ليكن بعلمك إن بالغتَ بذلك سأرمي بك في المشفى لبقية حياتك .. عندما تتحسن سنخوض حواراً مشوقاً بخصوص أفعالك الصبيانيّة هذه "-

وصله صوت داريوس المُنفعل فتنهد باستسلام و فقدَ الرغبة في مقاومة ألمه مرخياً جسده على سريره ليغفو بهدوء تحت أنظار داريوس و والدته التي اقتربت منه تضع كف يدها على جبينه مستشعرةً الحرارة المُنبعثة منه لتتمتمَ بخوف

-" إنها مرتفعة بشدة هذه المرة .. إلهي هذا الفتى لن يتوقف عن العبث بصحته "-

زفرَ داريوس بانزعاج و أرخى جسده للخلف مرتطماً بالجدار و مغلقاً عينيه بهدوء شارداً في محيط أفكاره الذي ابتلعه بالفعل و لم يوقظه منه سوى مناداة والدته باسمه ليحضر لها المزيد من الماء البارد فامتثلَ هو لطلبها تلقائياً





بقيَ يُراقب القمر الذي توسّط تلك السماء القاتمة النقيضة للونِ عينيه الأزرق من خلال النافذة المُغلقة منذ أن ذهبت والدته للنوم بعد أن اطمئنت على دايلن للمرة الأخيرة
كان شقيقه ينام بهدوء و سكينة على سريره لجواره بينما هو يقفُ بهدوء دون حراك ليكون متواجداً في حال استيقظ دايلن في وقت متأخر من الليل فرغم أن والدته قد خفضت درجة حرارته بالفعل باستخدام تلك الأقمشة المبللة و الأقراص الطبية سوى أن الحمى لم تزل منه بعد لذا هو رفضَ الذهاب لغرفته و قررّ البقاء في غرفة دايلن ليطمئن أكثر

زفرَ بعمق لدى تذكره لكلماتٍ والدته الأخيرة و التي كانت تتضمن حماية شقيقه و الوقوف بجانبه .. تلك كانت وصيتها الوحيدة و الأخيرة قبل أن تغادر الحياة و ذلك فقط جعله يشعر بمقدار عجزه عندما يتعلق الأمر بحماية دايلن
ليس و كأن حمى كهذه ستقتله .. لكنه فقط يشكّ بقدراته في كل مرة يصاب فيها دايلن بأذى و ذلك يجعله يكره نفسه أحياناً

تنهد للمرة الثامنة و أعاد بصره ليعانق القمر الوحيد بهدوء

-" كيف كان يومكَ هذه المرة؟ "-

انتفصَ بسرعة إثر سماعه لصوت دايلن الذي فتح عينيه منذ حوالي دقيقتين و يبدو أنه بدأ يستعيد جزئاً من طاقته و ذلك اتضحَ من خلال نبرة صوته الحيوية رغم أنها ليست النبرة النشيطة ذاتها التي اعتاد داريوس على سماعها سوى أن ذلك بحد ذاته مُبشّر بالخير .. فعلى الأقل حالته لا تزدادُ سوءاً

ابتسم بلطف لدى سماعه لسؤال أخيه ثم سحب مقعداً و جلس لجوار السرير مقابلاً لدايلن الذي ظهر الفضول على تعابير وجهه

-" إنها الثانية بعد منتصف الليل .. هذا ليس وقتاً تستيقظ فيه "-
-" لو لم يكن وقتاً أستيقظ فيه لما بقيتَ هنا تراقبُني .. أليس كذلك؟ "-
-" أصبتَ .. على كُل حال كيف تشعر؟ "-
-" كما لو أنني سأتحدى الخيول بنشاطها .. "-

تشبيهه المُبالغ فيه ذاك جعل داريوس يطلق ضحكة ساخرة راسماً بذلك ابتسامة دايلن فردّ عليه بسرعة

-" أنتَ لا تعترف بالتعب مطلقاً .. و اللعنة هذا ليس شيئاً جيداً لتفتخر به أبعد هذه التعابير عن وجهك ، لم أقم بمدحك ! "-

قهقه دايلن ضاحكاً و سرعان ما أعاد تكرار سؤاله الأول فارتختْ بذلك ملامح داريوس الذي أخذ يتذكر أحداث يوم أمس .. زفرَ بملل و هو يرجع جسده للخلف باسترخاء ليفتح فمه و يقصّ كل ما حدث معه لشقيقه الذي بدأ يستمع باهتمام بالغ و ما إن انتهى من حديثه حتى تمتمَ دايلن بنبرة مصدومة

-" هذا .. أنا فقط لا يمكنني استيعاب أن كل تلك الأمور حدثت خلال يومين فقط ! "-
-" شعورٌ مُتبادل "-

نطق داريوس تلقائياً و عادَ ينظرُ للقمر المُنير متأملاً إياه قبل أن ينطقَ دايلن بتردد بعد أن حاول تحليل الأحداث التي حدثت مع أخيه

-" إذن .. أنتَ لستَ مصاص الدماء الوحيد في الثانويّة "-
-" يبدو كذلك "-
-" ما شعوركَ .. بعد معرفتكَ لذلك؟ "-

التفت إليهِ داريوس باستنكار و تعابير يصعبُ فهمها مُكرراً سؤال شقيقه بشيء من الحيرة التي بانتْ من خلال نبرة صوته الخافتة .. شعوره؟

-" لا أدري .. أنا فقط أحاول استيعاب الأمر لا أملك مشاعراً مُعينة بخصوصه "-
-" هكذا إذن .. "-

تمتمَ دايلن بهدوء مُنهياً حديثهما الصغير يعمّ الصمت حينها لعدة دقائق قبل أن يقطعه داريوس بعد أن تذكر أمراً ما يخاطب دايلن بنبرة مُستخفة

-" آوه صحيح ستتغيب عن الدوام هذه المرة .. الخالة واندا ستأخذ إجازة من العمل و ستذهبُ بكَ للمشفى "-
-" ماذا؟! "-

صرخَ باعتراض محاولاً كبح رغبته في البكاء فآخر ما يتمناه هو التغيب عن يوم دراسيّ دون عذر مقنع كما أنه في مرحلته الإعدادية الأخيرة و هذا يجعله بحاجة لاغتنام كل لحظة في المدرسة و البقاء مع رِفاقه وقت أطول فمن يعلم إن كان سيلتقي بهم بعد التخرّج

شعرَ داريوس بكمّ قميصه ينجذب بقوة ليلتفت ناحية دايلن الذي بدأ بالفعل يقاوم شهقاته و هو يتوسل لأخيه بأن يسمحا له بحضور الدوام لينقبض وجهه محاولاً كتمان ضحكته على شكل دايلن ذاك
لعلّ أكثر ما يدركه بخصوص أخيه الصغير هو حبّه المبالغ فيه للمدرسة و لزملائه و هو الشيء الذي لا يملكهُ شخصياً

ابتسم بعبث يومئ سلباً لينهارَ دايلن أمامه يذوبُ تحت غطاءه الوفير متمتماً بكلمات لا معنى لها يرجح كونها صادرة بسبب غضبه و تحطيم قلبه
اتسعت ابتسامة داريوس العابثة حينها ليخرج من غرفة أخيه بعد أن تأكد أنه بصحة جيدة و ليس هناك مِن داعٍ لبقاءه أكثر .. و بطريقة أخرى لعله فقط اشتاقَ لقراءة كتبه في غرفته حيث الهدوء التام و الأجواء المُناسبة منتظراً بزوغ فجر اليوم التالي






وضع رأسه على طاولته المعدنيّة ببطئ بينما شردَ في تفكيره أثناء ثرثرة المُعلم بأمور يراها سخيفة بالنسبة لشخص قرأ الكثير عن هذا المجال مثلهِ .. تحركت عيناه الزرقاء لتستقر على ماريون الذي كان يركز مع المُعلم بهدوء عكسه فتنهدّ بملل و غير وضعيته حتى وصلَ لمسامعه صوت رنين الجرس المُنتظر لينهض جميع الطلبة متجهين خارج الفصل منهم من تعلوه ابتسامة عريضة ربما كانت بسبب لعبة فيديو جديدة أو زيادة مُفاجأة في المصروف .. و البعض يمددّ جسده بإرهاق بعد أن قضى مدة ثلاث حصص متتالية بالكتابة خلفَ المعلمين و آخرون بدا عليهم الجوع من خلال تعابير وجههم النهِمة

وقفَ هو الآخر متجهاً لحيث كان ماريون يرتب أغراضه بنية الخروج من الفصل سوى أن سماعه لصوت خطوات داريوس خلفه جعلته يلتفت إليه راسماً ابتسامة لطيفة على شفتيه

-" مرحباً داريوس "-
-" أهلاً .. "-

هو و بطريقة ما لا يزال يشعرُ ببعض الخجل عندما يتحدث معه ماريون بلطف يجعل ذكارته تسترجع تلك المشاهد التي حدثت بينهما ..

-" هل أنت مُتفرغ؟ "-

سألَ داريوس باهتمام يحاول إخفاءه لتتسع ابتسامة ماريون المرحة بعد أن وقف عن مقعده مخاطباً داريوس

-" بالطبع .."-

رسم بإجابته تلك ابتسامة صغيرة على شفتيّ بُندقيّ الشعر و الذي خرجَ برفقته متوجهان لنفسِ المقعد الخشبيّ الطويل نسبياً حيث يقل عدد الطلبة حولهما فبدأ ماريون الحديث بهدوء

-" أعتذر بخصوص المرة السابقة .. لقد طلبَ منّي المُدير قيادة فريق الكشافة في الثانويّة و حاولتُ الرفض عدة مرات دون جدوى .."-
-" أنت رئيس الكشافة؟! "-
-" شيء من هذا القبيل "-

ردّ بابتسامة و سرعان ما لفتَ نظرهما فتى حنطيّ البشرة يبعدُ عنهما مسافة لا بأس بها يصوّب نظره عليهما بشكل مثير للريبة و ذلك جعل ماريون يبتسم بخفّة بينما يشيح بعينيه العسليّة عنه مخاطباً داريوس

-" على كُل حال تذكرتُ أمراً يجب علي القيام به .. أراك لاحقاً "-

قال ذلك و نهض واضعاً كلتا يديه في جيب سترته الصفراء مبتعداً عن داريوس الذي ضلّ متصنباً في مكانه يستعصى عليه فهم ما جرى للتو
أوليس هو من قال أنه متفرغ؟ ما خطب هذا الأمر المُفاجئ
بعثرَ بشعره البندقيّ بضجر و عاد أدراجه للفصل واضعاً رأسه على طاولته ينتظر انتهاء الدوام الدراسيّ

-" تُرى هل عادَ دايلن للمنزل الآن؟ "-

مرّت الحصص الأخرى بسرعة ما بين مملة و مثيرة
و طوال الوقت هو لم يُتعب نفسه في الخروج من الفصل حتّى فبقي على مقعده بهدوء

-" داريوس "-

انتفضَ رافعاً رأسه ليرى مخاطبه والذي لم يكن سوى ماريون بابتسامتهِ اللطيفة ذاتها فأدركَ داريوس أن الدوام قد انتهى بالفعل لدى رؤيته لبقية الطلبة يغادرون غرفة الفصل حاملين حقائب ظهرهم .. بادل ماريون الابتسامة و راحَ يجمعُ أغراضه باستعجال بينما يشكرُ ماريون على تنبيهه له فغادرَ الأخير الفصل هو الآخر ليلحقَ به داريوس بعد أن أقفل باب الفصل بحكمِ كونه آخر من خرج منهُ

التفتَ سريعاً للممر أمامه فلم يعثر على ماريون بين الطلبة القليلون المتبقيون هنا .. و ذلك جعله يتنهد باستسلام و يتابع سيره خارج المبنى سوى أنه لمحَ وجود ماريون يسير بطريقٍ مُختلفة عن الأمس و قبله .. كان ذلك ليكون غريباً من وجهة نظر داريوس لولا أنه شاهدَ فتى آخر يسير لجواره و سرعان ما تذكر أنه حنطيّ البشرة الذي شاهده في السابق و ذلك جعله يقطب حاجبيه بعدم فهم .. كاد فضوله أن يقوده للحاقِ بهما سوى أن وقوفَ سيارة واندا الحمراء أمامه جعله يغير رأيه في اللحظة الأخيرة و يصعدُ معها محاولاً تجاهل ما رآه للتو و عدم المبالغة في التفكير بخصوص الأمر.






فتحَ الباب باستخدام مفتاحهِ الخاصّ ليفسح المجال للفتاة الشقراء لجواره بالدخول أولاً فنفذتْ هي طلبهُ بابتسامة بريئة ليدخل بعدها مغلقاً الباب بالمفتاحِ نفسه مع وضع سلسلة حديدية عليه ليتأكد من إغلاقه

-" شقتك أفضل مما كنتُ أتوقع ! جيمس "-

هتفتْ الفتاة بانبهار بينما تنقل عيناها الخضراء الواسعة بين أثاث تلك الشقة الكلاسيكية و سرعان ما التفتتْ إليه بمرح لتستأنف حديثها

-" من المذهل أنك تعيشُ بمفردكَ هنا .. ألا تخشى الوِحدة "-
-" ليسَ و أنتِ برفقتي .. صحيح؟ "-

يقول ممازحاً إياها لتتسع ابتسامتها الودودة بينما تجلس على إحدى الأرائك الموجودة و التي حملت ألواناً بندقية باهتة كما أن الجلوس عليها ليس مريحاً بعكس ما توقعتْ من خلال منظرهم الرطب

-" أرغب بأن أريكِ شيئاً ما .. "-

قالها بغموض ثم توجه لباب سرّي بالأسفل فتبعته هي بفضول و نوايا بريئة و ما إن أبعد طاولة خشبية عتيقة عن المكان حتى ظهرَ البابُ المزعوم من تحتها فتسائلت الشقراء بنبرة خافتة

-" هل سنقوم بالدراسة هنا؟ "-
-" أجل. "-

أجابها ببرود بينما يفتح الباب بمفتاح آخر أخرجه من جيب سترته الداكنة ليصدر الباب صريراً مزعجاً قبل أن يفتحه بالكامل .. أشعل كشافه اليدويّ الذي كان موضوعاً فوق تلك الطاولة ليضيء به المكان بالأسفل و الذي كان عبارة عن عدة سلالم خشبية و غرفة ضيقة تحتوي على طاولة خشبية و ثلاث مقاعد فحسب

-" هل تنوي حقاً الدراسة هنا؟ "-

سألتْ بقلق بينما تتراجع للوراء بحذر بنية الهرب بعد أن أدركت أن هذا الفتى ليس بوعيه خصوصاً بالنظر لتلك النظرات على وجهه و شمّ الرائحة المقززة الصادرة من أسفل ذلك القبو لكنه كان مُستعد بالفعل لحركتها تلك فنهض ممسكاً بكلتا يديها بقوة ليثبت جسدها في الجدار خلفها فظهرتْ علامات الألم على تعابير وجهها متمتمةً برعب

-" ج.. جيمس أفلتني ! "-
-" لا داعي للقلق مليسا .. أعدكِ سيكون موتكِ سريعاً بل أكثر مما تتخيلين، لن تشعري بأي ألم و سأتخلص من حثتكِ بسرعة "-
-" أنتَ حقاً شخصٌ مجنون "-

تحولت نبرتها الرقيقة و الخائفة لأخرى شديدة الهدوء مما جعل أفكارَ جيمس تتبعثر بسرعة لدى رؤيته لجسدها يتحول في غضونِ ثوانٍ لجسدِ فتى عسليّ العينان ممتلكاً شعراً كلونِ التراب الباهت
ابتسامة عابثة زينت ملامح ماريون عندما رأى صدمة جيمس الذي أفلته لا شعورياً و تراجع للخلف خطوتين متمتماً بعدم تصديق

-" الحقير السافل .. كنتُ أعلم أنك مصاص دماء بالفعل لكن أن تكون من النبلاء ! "-
-" لسوء حظكَ، أنا لستُ هجيناً مثلك جيمس "-

قال ذلك بهدوء مع ابتسامة واثقة عريضة رسمها على شفتيه غير أن تعابير الآخر المصدومة سرعان ما تبددتْ بأخرى هادئة ليضحكَ ببرود رافعاً شعره الأسود للخلفِ ليقذف نظرة خاطفة بعينيه القرمزية على ماريون الذي لم يغير تعابير وجهه تلك

-" أتعلم .. أنت صبيّ ذكي بالفعل ماريون .. لكن التغلب على شاب يكبركَ بسبعِ سنوات، ألا تعدّ هذه ثقة عمياء بالنفس لتأتي لوحدكَ لاعباً دور البطل؟ "-
-" هكذا إذن .. عُمركَ الحقيقيّ هو أربعة و عشرون عاماً "-

اتسعت ابتسامة ماريون لحظتها بينما حافظَ جيمس على ملامحه الجادّة و سرعان ما ابتسم بشكلٍ جهنّميّ هامساً بعبث بينما يعيد خصلات شعره السوداء للأمام

-" بما أنكَ ضيفي الآن .. يجب عليّ إكرامك بطريقة تليق بكَ، أليس كذلك؟ سيد ماريون فاسبندر ..! "-






يتبع ...

[/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]-
رد مع اقتباس