عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-28-2018, 08:22 AM
 



-آماس

بدايات جديدة للجميع :الفصل الأول


كانَ على "هينالي" القيام بكُل شيء!، لمُدة يومان لم يذُق طعم النَوم! لِماذا؟ لأنّ "جوسِف" و"آماليا" يأبيا الاستيقاظ !!

نَجَح "جوسِف" في السَيطرَة على قوى العصا السحرية وإعادة "آماليا" للحياة بواسطتها بعد أن غَرَسَ إحدى نهايتيها بصدرُه والأخرى بصدر "آماليا" !
نعم انغلَقَ الجرحان في ثانية بطريقةٍ ما وعادَ قلب "آماليا" للنبض لكن لم تستيقظ.. أو حتى "جوسِف"..

"هينالي" قام بترتيب كُل شيء في البلاط لاستقبال المَلِك "الشبه ميت" وذلك بالطبع بعد أن قامَ بطرد المُرتَزَقة من حدود البلاد!

لم يعلم أحد متى حدَثَ هذا لكن لم يستطع أحد فصل يدا "جوسِف" و"آماليا" ، لذا هُما مُتجاورين في غيبوبتهما تلك !

زَفَرَ "هينالي" الجالِس على كُرسي بجوارهما: "جوسِف"، أعلَم أنك غاضب مني لكن أرجوك.. استيقِظ!

كانَت علامات قِلة النوم واضِحة أسفل عينيه، "هينالي" سيفقد عقلُه، لأنهُ لا يفهم ما الذي حدَثَ تحديدًا ويخشى ألا يستيقظا أبدًا !!

دَخَلَت "ليمالا" لترمقهُ ببرود: أخبرتَك أن الأمر سيتطلب وقتًا حتى يستقِر السِحر!
رَدَ بتعب: أعلَم!
ضَربتهُ في كَتِفِه بخفة: والآن اخرُج!
تابَعَت: أحتاج أن أعتني بـ"آماليا"! لديها جروح كثيرة يجب أن أُغير ضِمادَتِها..

نهض ليضع يدَهُ على كَتِفها: نعم، اعتني بِها..
ازاحَت يدُه كما لو كانَت قذارة: هينالي..
أعادَ بصرُه إليها بتساؤل لتُردِف: لا تتصرف كما لو كُنا أصدِقاء وأنتَ سبب تعاسَتي في الحياة..
رَمَشَ دون أن يَنِطق لتبتسم بشحوب: أُمراءك المعاتيه.. مَوت زَوجي.. طِفلي أصبح يتيم! أتعي هذا؟! لم تكُن مسئولًا فقط عن أخيك!! كانَ لديك شعبٌ كامِل لكنك..

توقفت عن التحدُث، حاجبيها مُقضبان، لِمَ ترمي بكُل شَيءٍ عليهِ الآن؟! على أحدهم أن يتحمل مسئولية كل ما حدث!!
جوسِف مُراهِق في الثامنة عَشر وآماليا بالكاد بَلَغَت العِشرون!!
مهما فَكرَت في الأمر فأن هينالي هوَ المسئول أمامَها!

نعم انتهت الحرب، انطفأت النيران، لَكنَ ليمالا اكتحلَت برمادِها!

*

كانَت كيفونا تسير خَلف أطيف بأحد الأروقة، كلاهُما بقي بالقصر لسببٍ واحد، رغم اختلاف ذلك السبب الواحِد لكل منهما إلا أنهُ تشابه!

لطالما كَرِه أطيف جوسِف!، ذلك الأمير الغريب الذي لم ينفك قاسِم يحاول مُساعدتُه في التأقلُم!
لكن.. دون أن يعي أصبَحَ جوسِف واحِدًا منهُم رغم كونُه.. ليس منهم!

أما مالِك فكانَ غاضِبًا على جوسِف!
لقد تخلي عن الجميع تقريبًا بوقت حرب!
مع ذلك لم يكُن غضبُه سبب رحيلُه، بابِل تحتاج شخصًا ما وإن كانَ كلاهُما هُنا فمن هُناك؟!

لِمَ علي مالِك أن يكون شخصًا مسئولًا جِدًا؟!
عَكس هينالي مثلًا! بالتفكير في الأمر .. وعكس جوسِف أيضًا!

أما كيفونا فبقت من أجل آماليا، لا شيء أخر ..

نطقت الصهباء فجأة: لقد ماتَ أخي أليسَ كذلك؟!

توقف أطيف عن السَير، لم يستطع الالتفات لها، كيف يواجهها؟! ماذا تُراهُ يقول؟!

تابعت السَير لتقف أمامُه، كانت الدموع تسيل على خديها بدون صَوت: هلّا أخذتني إلى قبرُه؟

أومأ بصمت ردًا عليها، لم تكُن كيفونا غبية، فقط أرادَت أن تُكَذِب قلبها لأطول فترة زمنية مُمكنة، لم تُرِد أن تُصَدِق هذا!

*

بِغُرفة جميلة ، كانت شقراء نائِمة على سرير ، تتذكر كل شيء مرت بِهِ ، كيف تم آسرها لتتحول إلى جارية ، في مصر.. انفصلَت عن شقيقتها الصُغرى لتكتشف بعد أن يلتم شملهما أن جميع أهلها قد قُتِلوا وأن طُرُق العودة ليسَت آمِنة بسبب الأوضاع السيئة بِمِصر، المُرتَزَقة يعيثون فسادًا بالحدود.. لا سبيل للعودَة!

حينَها ظَهرَت آماليا، موفِرَة طريقة للانتقام وأيضًا.. سببًا للحياة!

ماذا الآن؟! وقد لوثَت يديها بدماء القَتَلَة؟! وقد حَصَلَت كِلتاهما على الانتقام الذي أرادتاه؟!

لا سبب للحياة!

-آلانيس.. لِنعُد إلى روما..

نَظَرَت لصغيرَتها التي حاولَت بشتى الطُرُق أن تُبعِدها عن هذا: لماذا؟
حَرَكَت نُسختها المُصغرة كَتِفاها: لأنهُ وطننا..
زَفَرَت: أوليس الجو حار بتلك الصحراء؟! هُناك .. يُمكنُنا أن نَزرَع الكَرَم ونبيعُه.. سنعيش حياة هادِئة ..بعيدًا عن الملوك.. كالسابِق !! ، الطُرُق .. آمِنة .. الآن..

حَوَلَت بَصَرَها عن الفراغ لشقيقتها وكأنها حَل أُحجيةٍ ما، كانَت ستقتل نفسها !
لا تستطيع احتمال فِكرة قتلها لذلك العدد من البَشَر!
لقد عَبَث هذا بِعقلها!!

لكن لمن تترُك تلك الطفلة التي تمسكَت بعُنُقَها؟!

هذا.. سَبب للحياة !

*

لا يستطيع إنكار كَون كُل عَظمة في جَسدُه تؤلمُه لكنهُ سيكون ميتًا قَبل أن يَعتَرِف بهذا !
قامَ أحد كتفيه بإصدارِ صوتٍ عندما جَلَسَ ليلحظ بسُرعة يدًا ناعمة مُختبئة بداخل يدُه وعلى الفور نَظَر للوجه المُجاور له ، أزاحَ غُرَتها عن جَبينَها ، لتَرِن جُملة بصوتِها في رأسُه
~ألعَن رَوحَكَ نفسُها جوسِف~
امتلأ الزُمُرد في عينيه بالآسي : آمال .. سامحيني..

كانت نظرات الحُراسِ لهُ كما لو رأوا شَبَحًا !
بينما كانَ شارِدًا لا يشغل عقلُه سِوى بحثُه عن حمام بهذا القَصر، مُجرَد التفكير بأنهُ مَلِك هذا البَلَد يُصيبُه بالقشعريرَة!
ضَمهُ شخصٌ : جوسِف ! استيقظت أخيرًا ..

أبعَدَ الشاب الأكبر سِنًا الذي يستطيع التعرُف على صوتُه أن لم يراه بملل: فقط لأوضِحَ شيئًا .. أنا أكرَهَك، هينالي !

تركُه مذهولًا في مكانُه ليُتابِع السَير، لِمَ هوَ بالتحديد؟ لِمَ آماليا؟ ملوك؟ كِلاهُما مُجرَد ملعونانِ لسببٍ يجهلُه..

*

رُبما السبب الرئيسي في سِقوط بُني الشَعر بعد تلك اللَكمة هوَ أنهُ لم يُحاول تفاديها!
وضعَ يدُه على فكُه : مرحبًا بعودتك كيفونا !
كانت الدموع تتساقط على وجه الأخيرة : لِمَ لمْ تُخبِرني مالِك؟! أنتَ أخي !
نَهض عن الأرض ببطء: لم يكُن الوَقت مُناسِبًا ..
أمالَت برأسِها في جِهة: أتستمتع بالحُكم؟!
قَضَب حاجِبيه: أوتعلمين ماذا؟!
رَمي لَها بالصولجان: أنتِ الصهباء الوحيدة هُنا -كقاسِم- وهذا لكِ!
أمسكت بالصولجان قبل أن يسقُط: لا أُمانِع مُطلَقًا!

دَخَلَ حَربًا لا تخُصه من أجل شقيقة ليسَت شقيقتُهُ فِعلًا وهذا شُكرها!
جوسِف ليسَ المُغفَل الوَحيد الذي تمكن من إغضاب مالِك!
جميعُهم بلا استثناء فعلوا!، لِمَ عليهِ مُجالَسِة الأطفال؟!
أن يكون المسئول الوَحيد، لَقد سَئِم هذا!!

بقي أطيف بمكانُه كالتمثال وهوَ يُشاهِد مالِك يُغادِر المكان لا يكاد يُصَدِق عينيه أن هذا يحدُث بالفِعل!

مالِك لم يكُن أبدًا من النوع سريع الغَضَب!

*

جري زُمُردي الأعيُن بسُرعة آلَمَت قدميه ، لقد استيقظَت آماليا!
لَكنها تقوم بخنق شقيقُه هينالي! ، أنيابُها بارِزة وعينيها مُتغيرٌ لونُها للذهبي!
ما الذى يحدُث؟! يعلم يقينًا أنهُ حَرَرَها من لَعنِة الأسد!!
الدَليل يُطوِق عُنُق كليهُما، وَشم أسوَد يربط حياتِهما..

وصل للمشهد الذي رآه من غُرفة بابُها مفتوح ليضُم الشابة بغرَض تقيد حركتها ويجذبها بعيدًا عن هينالي، صرَخ بأخيه المصدوم: ما بِكَ واقِفًا هكذا؟! احضر ليمالا!!، إنها ليسَت بوعيها!!

قَضَب هينالي حاجبيه لثانية بعدها أقلَع بعيدًا عن ذلك الجنون بينما أدخَل جوسِف يدُه اليُمني في شعر آماليا الأسوَد مُمسكًا بمؤخرة رأسها : إنهُ أنا.. فقط اهدئي..
عادَت أنيابِها لشكلها الطبيعي لكن لَون عينيها لم يتغير!
بل ورمقَتهُ بنظرة مُرعبة مغزاها "ابتَعِد يا هذا!" ليُتمتم مُعاتبًا: أنقذت حياتك أيتُها الناكِرة..

قام بسحبها ليُجلسها في سريرها ويجلس بالكُرسي المُجاور له، تَعَجَب كونها سارَت معه: جيد.. الآن لننتظر ما ستقوله ليمالا عن هذا..

مرَت دقيقة أو اثنتين في صمت حتى جاءت ليمالا وخلفها هينالي، أعطتها آماليا نظرة مُميتة لكنها لم تُهاجمها فاعتبرت كستنائية الشَعر هذا علامة جيدة مُقارَنةً بما أخبرها بهِ هينالي واتجهت لفحصها، لَمَسَت رسغها لتجذب يدها إلى حُضنها بسُرعة مرة أُخرى: لقد.. أحرَقَتني..

تطاير بالهواء دُخان جوار يد آماليا، عيونها الذهبية تنظُر للفراغ بلا اكتراث وكأنها لم تفعل شيئًا!

لَمَس جوسِف يدها ليجد درجة حرارتها طبيعية فأردفت ليمالا: أعتقد أنك الشخص الوحيد الذي تتعرف عليه!
ارتفع حاجبيه البُنيين: حقًا؟!
لتوجه آماليا نظرة حانقة إليه دون أن تنطق جعلتهُ يسأل مُستمتعًا: ماذا؟! ليسَ خطئي!
لم يستطع هينالي كتم ضحكة فنطق وهوَ يضع يدًا على فمُه: هل أنتِ مُتأكدة؟!
أمالَت ليمالا رأسها لجهة اليمين ناظرة لحاملي الوشم الغريب: كما أراك!

*

مدَ يدهُ بمعلقة: افتحي فمك!
كانَ يجلس على كُرسٍ مُجاور لسريرها، ضربها بخفة على رأسها: قِطة غبية!
فَرَكَت عينيها ليسأل: تُريدين النوم؟!
قامَ ليجلس إلى جوارها فوضعت رأسها بحجره بعد أن مَطَت جسدها كما لو كانت قطة!
مَسَحَ على رأسها بحنان مُتساءلًا في نفسه "ماذا لو أني بدلًا من أن أُحضر روحها للحياة من العالم الأخر أحضرتُ رَوحَ قِطة؟!"
سرت رجفة في جسده عند تلك الفكرة!
مرَ يومان على هذا الحال!

*

استيقظت آماليا اثناءَ تغيير ليمالا لِضماداتها، كانت مُرتعبة لأسباب غامضة، لم يوقفها عن الصُراخ إلا ضم وصيفتها لها لعدد من الدقائق تمتمت بعدها بغير تصديق: لقد عُدت!
ابتعدت الكستنائية عنها قليلًا لِتنظُر في وجهها مُبتسِمة: نعم آمال، عُدتِ حيثُ تنتَمين! لقد أخفتِنا!
رَمشَت صاحِبة العيون السَوداء: لَن تُصَدِقي أينَ كُنت!! لقد رأيتُ العالَمَ الأخَر!! الهُراء الذي يُعلمونَهُ لنا الكهنة ليسَ حقيقيًا بالمرة! كُل ما أعرِفه الآن هوَ أنهُ يوجَد إلهٌ واحِد فقط! ووالِدايّ لم يكونا هُناك! والِدايّ الحقيقيانِ أقصِد! ليسا ميتان! يَجِبُ أن أبحَثَ عَنهُما! سَنَعيشُ معًا كعائِلة بسيطة! سأعيشُ حياةً طبيعية بعيدًا عَن كُلِ هذا!!
تَجَهمُ وجه عسلية العينان: ماذا عن جوسِف؟! لَقد خاطَرَ بحياتِه ليُعيدك! إنهُ يُحِبك! وأنتِ ... فقط أوتدرينَ كيفَ تشبثتِ بِهِ عندما حَمَلَكِ بعدما قامَ بِكَسرِ لَعنِة الأسد ؟ أو كيفَ لم يستطِع أحد لَمسك خلال الأسبوع الفائِت غيره ؟! ليسَ حتى أنا !! لقد أحرَقتِني عندما لمستك !! لم تكوني بوعيك حتى ! لم تتعرَفي على أحدٍ سِواه !!
سَخِرت العائِدة مِن المَوت : جوسِف مُجرد طِفل ! هوَ لا يعلم بِما يشعُر .. أعلَمُ هذا جيدًا لأنني سَمِعتُ قلبه ! والسبب الوحيد الذي جَعلَني أعود مَعَه هوَ إن المكان الأخر الوحيد المُتاح لي كانَ الجحيم!! صَدِقي أو لا تُصدِقي! بَعض من قتلت كانوا بِالفعلِ أبرياء! لم يكونوا يكذِبونَ علينا! أنا هُنا الآن لِسببٍ واحِد ... هوَ التوبة ..
توسَعَت عينا ليمالا: .. لا أُصدِقك آمال ! سَترمينَ بِكُلِ شيءٍ عَرضَ الحائِط !!

*

تَلَفتَت حولَها مُخفية وجهها تحت عباءتها السوداء ، وكإنّ تِلكَ الحَربَ كُلها لم تُغير شيء ، مازالَت "آمال" هي نَفسُها "آمال" ، مُجَرَد مُجرِمة هارِبة !
أرادَت الخِروج مِن القَصرِ ليلًا بَعدَ أن نامَت وَصيفَتها التي رَفضَت الفِكرة تمامًا !
لَم تَجِد حِذاءً فأثَرَت الرَحيلَ ولو حتى حافيةَ القَدَمين! الأمرُ يبدأُ دومًا معها بِحذاءٍ يسير في الجِهة المُعاكِسة للتي تَبغاها أو حِذاء ... غير موجودٍ من الأساس !

اصطدمت بشخصٍ لأنها كانَت تنظُرُ خَلفَها لِتسقُط القلنسوة التي غَطَت رأسها ، كادَت تَسقُط مَعَها لَكِنهُ أمسَكَها ، يَديها على كتِفيه ، كَتِفيهِ قويان ، يستحيلُ أن يكونا لِخادِم !
لم ترَ من وجهه سِوى عينيه الزُمرديتين كونهما الشيء الوحيد الذي وَصَلَ لهُ ضَوءُ المشاعِل لكنها عَرَفتهُ .. هوَ "جوسِف" وتلك ليسَت المرة الأولى التي تصطدم فيها بِهِ وهىّ هارِبة، وتلك ليسَت المرة الأولى التي يشهَد فيها هَذا المَمر لِقاءِ أعيُنِهِما!
إلىّ أينَ كان يسير؟ لا فكرة لديها! لا تَفهَمُ شيئًا إلا إنها بينَ ذِراعيهِ الآن ويأبي تَركها !
حاوَلَت التَملُص ليوقفها صوته الهادئ بطريقة مُرعِبة : توقفي "آمال" !
ما أوقفها لم يكُن جُملَته ، أرادت التحرُك ! الصُراخَ فيهِ إنها ليسَت أميرَتَهُ التائِهة ولَن تكون .. هي مُجرَد فلاحة وقد عاشَت حياةً لا تَخُصها لما يفوق العِشرينَ عامًا !
لَكِن شيئًا ما ألجَمها عن النُطق أو التحرُك حتى ! الوشم السِحري المُحيط بِعُنُقها يضيقُ عليها وتَرتَفِعُ حرارَتَهُ حتى يكاد يكون "قِلادة مِن الجحيمِ" تُقيدُها لآمرُه !
شيئًا ما يَدفَعُها لإطاعَتُه !
ذَلِكَ الوشمُ !! فَقَط ماذا يَكونُ ؟!
*
تَقلَبَت في فِراشِها للمرة المليون بعد أن عادَت إلى غُرفَتِها تُحاوِلُ أن تَفهَمَ ما جري لكن دونَ جدوى!
يكاد الأمر يبدو كَحُلمٍ لها !

بَدأت الشَمسُ تُطِلُ عليها بِخَجل مُعلنة حِلول الصباح ومع ضوئها ظَهرَ السواد تِحت عيون "آمالي" جليًا لانعدامِ نَومِها !

خَرَجَت مِن غُرفَتَها بِخُطي عازِمةً أمرٌ ما ، يتطاير حولَها ثَوبها وشَعرها لِسُرعة مَشيتها !

وقفَت أمام أول حارِس قابَلها في ممرٍ : استدعي عُظَماء مِصر الثلاثة ! لدىّ حديثٌ مُهِمٍ مَعَهم !!
انحني احترامًا ليرُد : أمرك جلالة المَلِكة !

توجهت إلى قاعِة الاجتماعات لِتَصِل قبل الجميع وتَجلِس على الكُرسي الرئيسي مُنتَظِرةً بِتوتُر !

كانَ "هينالي" أول الواصلين ، سَحَبَ كُرسيًا مُجاوِرًا لها وجَلَسَ ، رَفَعَت بصرها إليه لِتَرمِش مَرتان قبل أن تحيد نظرَها عنهُ دون أن تَنطِق ليجلِسا في صَمتٍ مُريب !

قَضَبَت "ليمالا" حاجبيها الكستنائيين بِشَكٍ وهىّ تَسيرُ قادِمَةً إليهم ، نَتَرَت : ما الأمر ؟ لِمَ استدعيتِنا ؟!
أشارَت لَها "آماليا" أن تَجذِب كُرسيًا وَتَجلِس : حينَ يَصِلُ "جوسِف" سَتَعلَمينَ كُلُ شَيء ..
مع نهاية تِلك الجُملة وَصَلَ المقصود لينطق بمرح غريب : جميعُكم هُنا بالفِعل ؟!

كادَت آبنوسية العينين تَضرِبُ جبهتها بيأس ، هوَ مُجَرَد طِفل ! ما الذى أحَبتهُ فيهِ تحديدًا ؟!
لَكِن الموت ورؤية الجَحيم شيء يُغَير مَنظور أي شَخص !
نَطَقَت بِنبرَة خالية مِن المشاعِر : اجلِس جوسِف ..

تابَعَت بَعد أن امتَثَلَ لِأمرِها : جميعُنا يعلَم أنّ الفترَة الفائِتة كانَت عَصيبة على مِصرَنا لكننا قَد قُمنا بِواجِبنا كأُمراء وأميرات هذا البلد حتى مَرَت العاصِفة واستَقَرَ الحال ..

قاطَعها مُراهِق الثمانية عَشر : ما الذى تُريدينَ قوله ؟ لِمَ هَذِه المُقدِمة ؟!

اغمضَت عينيها لثانية تستجمع صَبرَها : قَبلَ أن أموت .. أخبَرتَك بأنني لستُ من تظُنونني .. لستُ أميرَة حقًا .. والآن أنا أُطالِب بِحَقي فى أن أكونَ أنا نَفسي ! مُجرَد فلاحة ابنة فلاحَين !
ارتَفَعَ حاجِبا "هينالي" فى دهشة : ما الذي تَقولينَه ؟!
وَقَفَت لِتَدِبَ بِكفيها على الطاوِلة الموضوعة بينهم : أقولُ أني راحِلة !!
وهمَت فِعلًا بالذهاب !
ليُمسِكَ بِرَسغِها بِقوة فترتدُ خطوةً إليهِ : أظُنُ أنّ جميعُنا قد خُدِعنا ! أينَ هوَ ابنُ المَلِك السابِق ؟! لم يُشارِك في صِراع الأُمراء ! لم يظهَر قط !! مُختَفٍ لأكثر مِن ثلاثِة أعوام ! مُنذُ رَحَلَ إلى فينيقيا لم يعُد ! ألا تَرون ؟!
سَخِرَت ليمالا : وماذا تُرانا حَضرَتُك فاعلين في هَذهِ الحالة ؟!
رَدَ ناظِرًا إلى شقيقه الأصغر مُنتَظِرًا التأييد : أنا سأُسافِر إلى فينيقيا وأنتُم ستنتظرونني هُنا ! نحنُ لم نَخُض حَربًا مِن أجلِ اللا شيء !!
قاطَعَت "آماليا" مُستهزِءة : سيء مِن أجلِكم ! أكرَهُ أن أترُكَكم في مِثلِ هذا الوضع لكن لا حل ! أنا لا أصلُح لِهذا المَنصِب كما تعلمون ليسَ لديّ دِماءكم الملكية في عِروقي !!
ابتَسَمَ جوسِف لِتظهر أسنانه الناصِعة : ماذا ؟ لا تنظُر لي ! هيّ إنسانة حُرة ! في الواقِع لديّ رأيٌ مُماثِل ! أنا قضيتُ آخِر ثلاثة سنوات مِن عُمري كَلِص لَن أستَحيلَ فجأةً مَلِكًا !! كما أني لم أعُد أشعُر بِرابِطٍ تِجاهِ ذَلِك البَلَد .. بابِل هيّ موطِني الآن !!

صَمَتَ ثانيةً ليُتابِع مُشيرًا على عُنُقه : لكن ... أرى أنّ علينا تَدَبُر أمرَ ذَلِك الوشم السِحري أولًا .. حَسب ما فَهِمت فإنَهُ يُحوِل "آماليا" مِن إنسانة حُرة إلى شَخصٍ مُستَسيَد مِن قِبَلي وأنا لا أرضي هَذا !!
نَظَرَ إليها : بالطَبعِ لَم تَظُنينَني غافِلًا عن هذا ؟ أم أنكِ ظننتِ إني سأستغل الأمر أسوءَ استغلالٍ إن عَرَفت ؟! هل لِهَذا آثَرتِ الصَمت وقِلادة الجحيم تَضيقُ على عُنُقِك ؟!

أحمَرَ وجهُها إحراجًا ، يبدو إنها لم تَكُن الوحيدة التي استطاعت قِراءة قلبَهُ ، هوَ أيضًا قرأ كُل شيء !! هذا يُفَسِر صَمته الليلة الماضية عندما وقفَت بينَ يديه !!

اتجَهت لِتجلس على كُرسيها مرة أُخرى ، تَنَحنَحَت : وما العمل ؟!
رَفَعَ بِعصاه الذهبية فى الهواء : لِهذا أحضَرتُ هذِهِ معي !! أنا لا استطيع استخدامها لأنني تلك المرة ملعونٌ مَعَكِ !
مَدَ بِها إلى "هينالي" وعلى وجهه تعبير من الصعب قِراءته ! هوَ لا يَثِق فيهِ لَكِن لا حَلَ أخَر !! العَصا تتجاوب مَع دِمائهم فقط لهذا لا تستطيع "ليمالا" استخدامها !!

أمرَهما أن يَقِفا مُتجاورَين ليُشيرَ عليهما بالعصا وهوَ مُغمضٌ عينيه : هُناكَ شيءٌ خاطئ ، روحيكما ... مُلتَحِمَتان !
زَفَرَ جوسِف : نَعلَمُ هذا !! قُم بِفَصلِهما !!
فَتَح أبيضُ الوجهِ عينيه مرةً أُخرى على وِسعهما : لا استطيع أن أفعَلَ هَذا !! سأقتِلَكُما !!
أغمَضَ الأسمَر عينيهِ بيأسٍ لثوان : رائِع ! لقد عَلَقنا !!
أعادَ "هينالي" الأمَلَ إليهِ : قد لا استطيع فِعلَها لَكِن هَذا لا يعني أنه لا أحد أخر يستطيع !!
ضاقَت العينان الزُمرديتين بتركيز : ما الذي تعنيه ؟!
أجابَ حامِل العَصا مُشيرًا عليها : إنها تَصِلُني بِكُلِ ساحِرٍ حي يسير تحت السماء !! كُل ما علىّ فِعلُه هوَ نقلَكم إلى مكان ذلِكَ الساحِر لَكِنَ الأمر سيكونُ صَعبًا جِدًا !! وإلا كنت رأيت جميع الشعب يقفز في الهواء بينَ البِلاد مُستخدمًا عصيَّ سِحرية !!
سَحَب جوسِف نَفَسًا عميقًا قبل أن يستدير لينظر لآماليا فاتِحًا كفه الأيسر : أنا آسِف .. مَرَةً واحِدَةً بعد ويذهب كُل مِنا فى سبيله !!
أومأت موافِقَةً دون أن تَنطِق ثم مَدَت يُمناها لِتُخبِئها بِداخِلِ يُسراهُ ، سألَ هينالي : مُستعدان ؟!

بدأ بالتمتمة بالتعويذة المطلوبة التي تأتي جُمَلُها الغامِضة إلى رأسه بمجرد إغلاقه لِعينيه والتركيز ماسِكًا العَصا قبل حتى أن يستَمِع لِرديهما !

حَدَث شيء مُشابِهٌ لِانفِجار في رأس العصا اندفعَ هينالي بسببه في الهواء للخلفِ مترًا تقريبًا ثم سَقَط !
رَغم أنها تكرهه إلا إنّ ليمالا لم تملِك نفسها وهىّ تهرَع إلى جانِبِه : هل أنتَ بِخَير ؟!
حاوَل ألا يستند عليها بِكُلِ ثِقَله وهوَ ينهض : نعم ، أنا بخير !
انقَشَعَ الدُخان شيئًا فشيئًا ليرى فراغًا حيثُما كان يقِف جوسِف وإلى جِوارِهِ آماليا : لقد نَجَحت التعويذة !!

شَعرَت ليمالا بالضياعِ لِثانية عِند رؤيتها لِذلك المكان الخاوي وكأنهُ تَرَكَ خِواءًا داخِلَها لتسأل : ماذا الآن ؟!
رَمَش مَرَتانِ قبل أن يُجيب بِحَيرَة : أنا سأُسافِر إلى فينيقيا وأنتِ ستنتظرينَ هُنا مُحاوِلةً اخفاء عدم تواجُد ثلاثَتِنا بطريقةٍ ما !!
غَمغَم مُحَدِثًا نفسه : سَيشكُرني جوسِف لاحِقًا !!

شيئًا ما في نَظرَته جَعلَها تخشاه !

لِتَجذِبهُ مِن ياقَتِه وتُقَبِلُ فَمَه دونَ أن يَفهَمَ شيء !!
ما كانَ هذا ؟!
صِدقًا ما كانَ ؟! مَن تُقَبِل قاتِل زوجها ؟!
تَلَعثَم غَيرَ مُستوعِب بعد أن تركته وابتعدت بضع خطوات : أنا .. سأعود ..! أعِدِك !
ليسَت المرة الأولى التي يَعِد فيها أحد الأخوين بِعودَتَه قبل أن يرحَل ! وهوَ غيرُ مُدرِكٍ حتى لِمَ وَعَدَ ..؟!

*

كانَت كستنائية الشَعر تبحثُ بينَ أوراقِ البردي عن شيءٍ ما ، حتى وجدَت قارورة بِها سائِل شَفاف يُشبِه الماء .
كانَ الخَوفُ مُسيطِرًا عليها بسبب ما هي مُقبلة على فِعلُه ! ، حاولَت تنظيم انفاسُها أو حتى دقاتِ قَلبِها !!
غمغمت لِنفسِها : سيكونُ ذَلِكَ مؤلِمًا !!

سَقطَت أرضًا بعدَ أن تجرَعَت القارورة دفعةً واحِدة لِتُطلِق صَرخة عالية بعدها بدأ جَسدُها في التحول ...
عِظامُها إعرَضَّت وشَعرُها تَلَوَن بِلون الفَحم ، صَدرُها اختفي ...
أصبحَ "هينالي" الآن عِندَ الحِدودِ يَعبُرَها و"هينالي" آخَر بِداخِلَ القصرِ !!

*

قفَزَت آماليا لِتتمسَك بِعُنُقِ جوسِف بِطريقة كوميدية بعد أن لَسَعَتها بِرودة الأرض : ما هوَ ذَلِك الشيء الأبيض ؟!
ضَمها بِغرَض تَدفِئة نَفسُه كونه لا يرتدي قميصًا من الأساس كعادة المصريين !

-أعتقد أن هذا ما يُسمونَهُ ثَلج !!
-بِحَقِ رَعِ أينَ قَذَفَ بِنا "هينالي" !!

***

__________________



سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم 🌠
لا إله إلا الله محمد رسول الله 🌠
الله أكبر 🌠


التعديل الأخير تم بواسطة كواندا ; 12-06-2018 الساعة 02:01 AM