عرض مشاركة واحدة
  #50  
قديم 06-23-2018, 03:13 AM
 
heart1 الخطيئة السّادسة: التّكبُّر

[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:70%;background-image:url('https://www.up4.cc/image99839.html');border:4px solid darkred;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]














السّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته
كيفكم؟ عساكم بخير؟

بعد غياب طويل جدّاً نزل الفصل السّادس والخطيئة السّادسة؛ التّكبُّر
مممم.. هذا الفصل رح يكون فيه تنقل ما بين الماضي والحاضر أكتر من مرّة فركزو
لحتى تفهمو ايش بصير

وتذكير ع السّريع باللي صار بالفصل الماضي لأنه صار زمان

صارت مواجهة ما بين الدكستروكارديا (ديميان، يارو، ليليا)
وجنود المنظمة (نيكولاي، أليك، لوكا، مالفينا و كوزما)
وكان سيميون محايد خلال هذه المواجهة وما بده ياهم يتقاتلو

المهم..

اللي صار إنه لوكا صاوب آليك لأنّه كان مُصر يآذي يوليان.

كوزما ومالفينا أمرهم نيكو إنهم ينسحبو ويتركو آليك بمقاطعة الدّكستروكارديا
حتّى ما يبلغ قيادة المنظمة عن يوليان وبإنه طلع من الدكستروكارديا وإنه طول الوقت
كان عم يخونهم.

وعرفنا إنّه بيتيا هو جد يوليان ويارو وهو أول حدن قبضت عليه المنظمة قبل 10 سنين.
ويوليان بده يفهم البقية اللي صار وليه هو عمل هيك

مختصر كتير هاد الكلام.. بس هذه هي الاشيا المهمة لحتى نفهم اللي رح يصير بهاد الفصل


استمتعو





قبل 10 سنوات / حي غريغور الثّالث (مقاطعة الدّكستروكارديا حاليّاً)


تنعَكِسُ صورته في مرآةٍ مغبرّة، مكسورةِ المنتصفِ كسراً شعاعيّاً تمتدُّ أطرافُه إلى كُلِّ جزءٍ فيها.

خمسينيٌّ بشعرٍ أشيبَ ولحيةٍ طويلةٍ تتدرَّجُ بينَ الأسودِ والرّماديّ،
وتقاسيمَ لينةٍ رغمَ التّجاعيدِ الّتي تملؤها وملامِحَ لم تؤثرْ كسورُ المرآةِ على صفائها ونقائها.

كانَ لونُ انعكاسِهِ تدرُّجٌ رماديِّ، خلا عينيه الزّمرُّديتينِ اللتين تلمعانِ وسطَ دجنةِ المكان.
كانَ يضبِطُ آخِرَ لمسةٍ على ربطةِ عنقهِ السّوداءِ المتدليةِ فوقَ قميصه الأبيض.

صَريرٌ، أتبَعَهُ انضِمامُ انعِكاسِها في المرآة وقد كَشَف عن بياضَين؛
بياضُ أسنانهِ خلفَ ابتسامتهِ الرّقيقة لدى رؤيتِها. وبياضُ شعرِها،
إذ لم تكُن تختَلِفُ عنهُ كثيراً في المظهر..

سيّدةٌ خمسينيّةٌ، تربِطُ شعرَها الأبيضَ وتلفُّهُ إلى الأسفل، إلّا أنَّ ملامِحها لمْ
تكنْ طلْقةً كملامِحه ولا تحمِلُ ذاتَ النّظراتِ المتفائلةَ خاصَّتُه.

تقدَّمت من خلفِهِ تُساعِدُهُ على ارتداءِ سترته السَوداء، وفورَ أن انتهت استدارَ نحوها
وتحدَّثَ بنبرةٍ حانية: ما الأمر سيدة بيتيا؟!

انتَظَرَ إجابتَها بينما ينظُرُ إلى كلتا عينيها الزّرقاوينِ بلهفةِ وكأنّهُ يُحاوِلُ استخلاصَ
ما تفكِّرُ به من خلالِهما.

ردّت بنبرةٍ حزينة: عزيزي بيتيا، أنا لستُ مرتاحةً لهذا الأمر.. أعني لقد أعلنوا بالفعلِ أنّهم
سيقيمونَ مشروعَهم السّكنيَّ فوقَ حُطامِ حيّنا.. ليسَ وكأنّهم غيرَ متنبّهين إلى حالنا،
بل إنّهم يتعمّدونَ تجاهُلنا.. لا فائدةَ ترجى منهم بعد الآن.

أمسَكَ عضديها بكلتا يديهِ وأخبرها بنبرةٍ واثقة: سأحاوِلُ إقناعَهُم بعريضَتي الجديدة..
سيكونُ كلُّ شيءٍ بخير.. ثقي بي!

ابتَسَمَ آخِرَ جملتِه واتّجَهَ نحو بابِ الغرفةِ يشقُّ ظلامها ثُمَّ إلى خارج المنزِلِ وهي تلحقُ به.

في الخارِج كان الجوُّ منيراً أكثر منه داخِلَ المنزل، ولدى خُروجِه التقى شابينِ مراهقين.
ناداهُما: يوليان.. يارو..

ردَّ ثانيهما متقدِماً نحوه: نعم جدّي

بدأ يلاعِبُه ويربِّتُ على شعرِه ويشدُّ وجنتيه، وهو بدوره يتجاوَبُ معه بشكلٍ طبيعيّ
على غرارِ الآخر، الّذي بقيَ بعيداً بعضَ الشيء، عابِسَ الملامِحِ وينظُرُ إليه بشك.
ابتَسَم وقالَ بينما يلوِّحُ لهم: ثِقوا بي.. وتمنّوا ليَ التوفيق.

واستدارَ مبتعِداً إلى آخرِ الحيّ.


.......................


الحاضر / مقاطعة الدكستروكارديا – المقهى


يوليان يجلِسُ على أحدِ الكراسي في المقهى ويتحدَّثُ بينَما يوجِّهُ أنظارَهُ نحوَ الأرض:
حتّى هذه اللحظَةِ إنّي أجهَلُ سرَّ ثقته تلكَ بأنّهم سيوافِقونَ على عريضته المتعلِّقةِ بالإبقاءِ على حيِّنا
المُهمَّشِ آنذاك.. شخصيّاً ، لم أضعْ ولو احتمالاً ضئيلاً أن تنجَحَ فكرتُه..
أردتُ مصارَحَتهُ بقسوةٍ بهذا الشّأن. لكنّي خشيتُ أن أقضيَ على بصيصِ الأملِ الوحيدِ لديه،
أو حتّى أن أكسِرَ ثقةَ جدّتي به.. أجل! جميعُهم كانَ يثِقُ به ثقةً عمياء،
حتّى أنتَ يارو!


خلفَ منضَدةِ الشّراب كانَ يقِفُ يارو يمسَحُ كؤوسَ الشّراب، يطأطِئُ رأسهُ بأسىً وامتِعاض،
ولمعةُ الحزنِ واضِحةٌ في عينيه،
ليسَت الذّكرياتُ البائسةُ السّبب في ذلك.. بل كلماتُ يوليان الّتي تضرِبُ تماماً موضِعَ الألم.


تقدَّمَ ديميان يحمِلُ صينيّةً عليها كؤوسُ شراب، قدَّمَ أوّلها للوكا الجالِس أقرب إلى منضدةِ الشّراب،
ضرَبها بشدَّةٍ إلى الطاوِلةِ حتّى تناثَرَ جزءٌ من الشّرابِ حولها، وحَدَجَ لوكا بنظراتٍ قاتلة،
ثُمَّ قدّمَ البقية لنيكولاي ويوليان وسيميون بذات الطريقة وبذات النّظرات.
أمّا خاصّةُ ليليا فقد قدّمها بشكلٍ لائق.

قالَ لوكا بجَزَعٍ زائف: هل أنتم يا رفاق من أعدَّ هذا الشّراب؟! هل سأموتُ إنْ تناولتُه؟

ضَحِكَ يوليان بخفّةٍ ثمّ تابع:
لقد أخبرنا كيفَ عانى حتّى مَثُلَ أمامَ إرمولاي أبتيكار رئيس هيئةِ الإعمار آنذاك،
الشّخص الّذي بلّغَ عن جدّي للحكومة بالأخص الكولونيل كوستيا فازوف.
وأخبرَنا كم كان متكبِّراً في تعامُله، كلماتِه بل حتّى نبرةُ صوتِه، ونظراته إليهِ بدونيَّةٍ واحتقار.
لكنَّ جدّي ظلَّ مُتيقناً أنَّ هذا هو السّبيلُ الوحيد للإبقاءِ على حيّنا حتّى لو اضطرَّ للتضحيةِ بكبريائه.
لكنَّ كلَّ ذلك ضاعَ هباءً، وقد قوبِلَ بالرّفضِ الفوريِّ دونَ حتّى الاستِماعِ إليه حتّى النّهاية!


..........................


قبل 10 سنوات / مكتب إرمولاي أبتيكار


أشارَ له بالتّوقُّفِ عن الكلامِ دونَ النّظرِ إليهِ حتّى، فما كانَ منهُ إلا الامتِثالَ مرغَماً،
والغصَّةُ تخنقه إذ يُراقِبُ أملَهُ الوحيدَ يتبعثَرُ بإشارةٍ من يد،
وإشارةٍ أخرى للحارسين لإخراجِه من المكتب!

في حين، هذا الّذي يصغُرُ بيتيا سنّاً، لم تَطْرُف عينُه طَرْفَةَ احتِرامٍ أو شفقة!

حتّى إنَّ ملامِحَهُ لم تنطِقْ سوّى بالتّبجّحِ والغرور؛
عينانِ زرقاوانِ حادّتا النّظرات، ذقنُ مثلّثةُ الشّكلِ وتجاعيدُ خفيفة تحتَ جفنيهِ وعلى جبهته.
وشعرٌ أسودُ أشيبُ الجانبينِ والنّاصية.

يشبِكُ كلتا يديهِ على مكتبِه العريضِ الفاره، بنيّ اللونِ كسائرِ أثاثِ المكتب، مع ستارٍ سكريِّ اللون
ينسَدلُ على النّافذةِ العريضةِ خلفَ كرسيّ المكتب.
وساعة بنيّة كبيرة ببندولٍ ذهبيٍّ طويلٍ يتحرَّكُ داخِلَها ذهاباً وإياباً،
وواجهتُها الأماميّة زُجاجيّة، تستقِرُّ على أرض الغرفة.
بعدَ إشارته الثّانية سادَ صمتٌ تام، خَلا صوت بندولِ السّاعة.


بُرهة.. ثمّ تحرّكَ الحارسان وأمسكا بيتيا من ذراعيه وبدآ يسحبانِهِ إلى الخارِجِ، بينَما يحاوِلُ عبثاً
التّخلُّصَ من قبضتهما، كنعجةٍ تساقُ إلى مقصَلَةِ الذّبح، تماماً كما نُحِرَ أمَلَهُ الأخيرُ بدمٍ بارد!

تحرَّكَ حركةً عنيفةً أفلَتَ بها من قبضتهما وسَقَط أرضاً، وضَرَبَ جَسَدَهُ السّاعة،
فتحطَّمَ زَجاجُها وجُرِحَ ساعِدُهُ الأيسر!

وكانت هذه إشارةً على أنَّ الأمورَ من الآن ستسوءُ أكثر، ولن يكونَ بمقدورِه التّراجُع.
اكتفى يُراقِبُ ردَّةَ فعلهم باستسلامٍ كحمَلٍ وديعٍ بينَما تتحجَّرُ الدّماءُ المتدفِّقَةُ من ساعده مشكِّلةً
أجساماً كريستاليّة حمراءَ لامعة.

ولم تكُنْ سوى لحظاتٍ حتّى تبدّلت نظراتُهم المشدوهة إلى أخرى تفيضُ بالمكر!

ضَحِكَ أبتيكار بِغِلٍّ ثُمّ قالَ ساخراً: روسلان بيتيا قلت؟
بإمكانِكَ الذّهاب!!

وتابَعَ ضحكته

(ملاحظة: الرّجاء مراجعة الفصل التمهيدي)


..................


الحاضر / مقاطعة الدكستروكارديا – المقهى


تابَعَ يوليان: كانَ يجدُرُ به أنْ يترُكَ الأمورَ على ما هي عليه.
لم تكن سوى بضعَ ساعاتٍ بعدَ عودتهِ إلى الحيِّ حتّى جاءَ جنودٌ من الجيشِ وقبضوا عليه.
ثمَّ تأسست منظمةُ ال Cardio X بما فيها من جيشٍ ومراكِزَ للأبحاث. ثُمّ أعلنوا حيَّ غريغور الثّالث
مقاطعةً مغلقة وانتقلنا بلحظةٍ من واقِعَ تعيسِ إلى آخَرَ أتعَسَ منه.

قالَ نيكولاي مستفهِماً: وأنت؟ كيفَ تمكنتَ من الوصولِ إلى المنظمة

- كانَ ذلِكَ بعد القبضِ على جدّي مباشرةً وقبلَ إغلاقِ الحيّ، استغلّيتُ أوّلَ فرصَةٍ للانضِمامِ
إلى المنظّمة، كانَ الانخراطُ فيها متاحاً بسهولة إذ كانت قيدَ التّأسيس.
وقد كانَ هدفي من الانضمامِ إليها أن أعيش، ثُمَّ بدأتُ أفكِّرُ كيفَ سأخلِّصُ الدّكستروكارديا
من هذا البؤس، ووجدتُ أنَّ ظهورَ دكستروكارديا قادرينَ على القتالِ بدمائهم، مثل يارو،
ديميان وغيرهم فرصةً للقضاءِ على المنظمة.

سَألَ ديميان بشكّ: هل هُناكَ آخرونَ مثلنا؟

- أجل الكثير فعليّاً..

- وماذا سنفعَلُ نحنُ الآن؟!

- أنتم مخيَّرونَ في ذلك؛ إمّا أن تنضموا إليّ وتُحاربوا المنظمةَ لصالح الدّكستروكارديا،
وسأتكفَّلُ بتأمين الحمايةِ لكم. أو أن تعودوا إلى المنظمةِ وستكونُ أرضُ المعركةِ هي الفاصِلَ بيننا.
لقد أمرتُ كوزما ومالفينا بالعودةِ والتّستُّرِ عليّ حتّى يتمكنانِ من اتّخاذِ قرارٍ بهذا الشّأن،
وفور اتّخاذه سنعرِفُ فوراً لصالِحِ من سيقاتِلان.
آليك سيبقى أسيراً هُنا في الوقتِ الرّاهن.
أمّا على الجهةِ الأخرى؛ فلاريسا وإفريم من فرقةِ المراقبة فأنا أضمَنُ بأنّهُما سيقفانِ إلى صفّي..
والد.جاكلين على علمٍ بكلِّ شيء.

- الد.جاكلين يعلم؟!

- أجل!


...............................


قبل أيام / مركز أبحاث المنظمة


أجالَ ببصره بينَ الأسرّة الموضوعةِ في سطرين أحدُهما عن يمينه
والآخر عن يساره، وعلى كلِّ سريرٍ تمتدُّ أنابيبُ موصولةٌ مع أجهِزةٍ من جهة،
وفردٍ من الدكستروكارديا من جهةٍ أخرى يزوِّدُ الأنابيب بدمائه.
الكثيرُ من أصواتِ الأجهِزةِ تُسمعُ هنا وهُناك، ولا صوتَ لشيءٍ آخَرَ،
حتّى خطواتُ يوليان بينها.

توقَّفَ عندَ أحدِ الأسرّةِ على يساره، ترتيبُه هو الثاني بعيداً عن الباب المقابِلِ ليوليان.
وجَسَدُ أحدِهم هامِدٌ فوقه؛ عجوزٌ في السّتينَ من العمر، خائرُ القوى، هزيلُ الجسد،
يفتَحُ عينيهِ كخطِّ الشّهُب ولا يرمِشُ بجفنيه كأنّهُ قد تجمَّدَ على هذه الحالةِ منذُ أمد.

ستةُ حروفٍ قد أخذتِ الكثيرَ من الوقتِ حتّى استجمَعَها:
يـ.. ـو.. لـ .. ـيـ.. ـا.. ن

ردَّ المعنيُّ بنبرةٍ آلية متكبِّرةً بعض الشّيء: أجل جدّي.. يوليان..
من كُنتَ تظنُّه يائساً ومستسلماً لواقعه البائس، وبعدَ ذلكَ خائناً أنتَ وآخرون من الحيّ.
هذا الخائنُ موشِكٌ على تحقيقِ ما عجزت عريضتُكَ عن تحقيقه..
شاهدني.. وتمنَّ ليَ التَوفيق.

حرفانِ آخرانِ نَطَقَ بهما بيتيا: يـ.. ـو..

بعدَها ولّى يوليان له ظهرَه ومشى مُتّجهاً نحو باب الغُرفةِ حيثُ كانت هُناكِ أصواتُ حديثٍ خلفَهُ
في الغرفةِ المجاورة، وعندَما دَلَفَ إليها كانَ نيكولاي يَقِفُ قبالةَ د.جاكلين ويعبَثُ بأغراضه،
وفورَ أن رأى يوليان هَتَفَ بمرح: يوليان!

- نيكو؟!

فورَ أن وَصَلَه تصافَحا بحرارة واستَمرّ كلٌّ منهُما بإمساكِ يدِ الآخر، وقامَ نيكولاي
بإحاطَة عنق يوليان بِذِراعه وقال:
ماذا كنتَ تفعَلُ في الدّاخل؟ أوَ لستَ تعتني بسيميون؟!

- سأعودُ إلى سيميون قريباً، كنتُ أنظُرُ إلى ما لدينا من الدّكستروكارديا.

- الكثير، أليسَ كذلك؟

- أجل.. حَصيلَةُ عشرةِ سنوات.

- لقد أَمَرَ الكولونيل باصطيادِ المَزيد!

التَفَتَ يوليان برأسه نحو نيكولاي وقالَ باستغراب: لديكَ مهمّة إذن؟

- أجل.. بعدَ ساعتين!

- هممم.. هذا غَريب.. لم يسبق وأن كانوا عَجولينَ هكذا!!

تدخَّلَ د.جاكلين قائِلاً بنبرةٍ حادّة:
ذلكَ أنّ الأمرَ تعدّى الحاجةَ وبَلَغَ حدّ الجَشع.. ذاك الكولونيل لا يُفكِّرُ إلّا بالمالِ وإرضاءِ الحكومة..
رغمَ أنّ ما لدينا كافٍ بالفعل، فهم مثلَ مصادِرَ متجدِّدَةٍ للدّماء..
اصطيادُ المَزيدِ ليسَ سوى إشعارٍ لبلوغِ حدِّ الجَشَع.

في قرارَتِيهما كانا يؤيِّدانِ ما يقولُه الدّكتور، لكن بالنّسبةِ لنيكولاي فهذه أوامرُ ولا صلاحيّةَ له بالرّفض.

ابتَعَدَ عن يوليان واستَدارَ نحوَ أحد الأجهزة وأخَذَ يحرِّكُه بطريقةٍ عشوائيَّةٍ عابثة،
ونادى يوليان الّذي شاركَهُ العَبث، وقد استمرّا يعبثانِ ويتهامسان ويضحكانِ حتّى سَمِعا صوتَ طرقٍ
على الطّاولةِ صادِرٌ عن الد.جاكلين والّذي قالَ باستهجان:
إلى متى تنويانِ العَبثَ بأغراضي؟!

استَقامَ نيكولاي ووقَفَ وقفةً عسكريّةً وهو يبتَسِمُ ابتِسامةً مُشاكسةً،
ويوليان يَبتَسِمُ بحنوّ.

قالَ د.جاكلين كمن تذكَّرَ شيئاً:
هل قُلتَ إنّ لديك مهمَّةً الآن؟

عدَّلَ نيكولاي وقفته وقال: أجل!!

نَهَضَ د.جاكلين من مَكانِه وبَدَاَ يمشي نحوَ إحدى الثّلاجات ويقول:
بطريقةٍ ما.. هناكَ شيءٌ أودُّ منكَ تجربته.

- وما هو؟!

فَتَحَ الثّلاجَةَ وأخرَجَ منها شيء كالكبسولة، أمسَكَها بينَ إصبعيه السَبابة والإبهام
وعَرَضها لنيكولاي:
هذا مُميِّعٌ للدِّماء، لَهُ تأثيرٌ فوريّ، يَجِبُ أن يكونَ فعّالاً ضِدَّ أولئك الّذين
يستَخدِمونَ دِماءَهم الكريستاليّة كأسلحة، لن يَكونَ الدّكستروكارديا قادرينَ على استخدامِ دمائِهم بعدَ ذلك،
وسينزِفونَ حتّى الموت.
الأسلِحَةُ التّقليديَّةُ والّتي تتسبَّبُ بارتِخاءِ العَضلاتِ لن تكونَ فعّالةً في المَعارِك، لو حَصَلت واحدة.
خاصّةً وحسبَ تقريرِ يوليان الأخير فهم أقوياء بالفعل.

مشى نحوَ نيكولاي وأعطاهُ الكبسولة فردّ يوليان: وأنتَ تُريدُ منّي تجربته في هذه المهمة؟!

- ألديكَ مانع؟

ردّ نيكولاي بتردُّد: اممم.. حسناً.. أنتَ تعلم.. نحنُ لا نقتُلُ الدكستروكارديا!

عاوَدَ د.جاكلين سيرَهُ نحوَ منضدته وهو يقول: هذا لأجلِ حِمايتكم فيما بعد..
لو حَصَلت معركةٌ حقيقيّة مع أولئك الدّكستروكارديا فستكونون أنتم الطّرفَ الأضعَفَ فيها.
إنْ أردتَ الموتَ فلا بأسَ بعدمِ تجربتها.

احتارَ نيكولاي وقالَ بذاتِ النّبرةِ المتردّدة: أعني.. سلبُ حياةِ شخصٍ لأجلِ تجرِبةٍ ما..
أليسَ هذا شَنيعاً؟!

ثارَ الد.جاكلين وقالَ بغضب:
ماذا عن آلاف الرّاقدينَ هُنا؟ أوَ لمْ تُسلبْ حيواتهم؟ أينَ الحياةُ في كونِهم مكبَّلينَ بالأسرّةِ
والدِّماءُ تسحَبُ من أجسادِهم باستمرار؟ أوَ ليسَ هذا شَنيعاً أيضاً؟
يسَ عليكَ تجربةَ الأمرِ لتعرِفَ أنَّهُ الجَحيمُ بحدِّ ذاته؟
إنّ الأمرَ مُشابه.. لكن..! رضوخُكَ لأوامِرِ الكولونيل الّتي تقتضي باصطيادِ الدّكستروكارديا
ليسَ إلّا رضوخاً لأطماعِ المنظّمةِ والحُكومةِ لجنيِ المزيدِ من الأموال.. ثُمَّ ماذا يكونُ نصيبُك؟
راتِبُ جُنديٍّ عاديّ.
أمّا موافقتُكَ على تجربةِ هذا السِّلاح فهوَ لأجلِ حِمايَتِكم، كي تتمكّنوا من الخُروجِ من جَحيمِ تلكَ
المُقاطَعَةِ بسلام. لو حَصَلَ ومُتُّم هُناك، فَلنْ يَعبَاَ بكم أحد.. سيُنكِّلُ الدِّكستروكارديا بِجُثَثِكم
وستتعفَّنونَ في تلكَ الأزِقّةِ المُظلمة، ثمَّ يتِمُّ استبدالُكم ببساطة!

أثناءَ حَديثِهِ كانت عيناهُ تشتَعِلانِ بِحقّ. كلُّ ذلك الهُدوء قد هَوى ليحِلَّ عِوضاً عنهُ
غَضَبٌ جامِحٌ. كانَ يعي كلَّ حرفٍ يَقولُهُ ويؤمِنُ به.


أمّا نيكولاي ويوليان فقد فَجَعتهُما الصّدمَةُ مما يسمَعان.
إنّها المرّةُ الأولى الّتي يُقالُ فيها كلامٌ كهذا داخِلَ المُنظَّمةِ، وإنّهُ الأشدُّ تمرُداً بِحُكمِ ذلك.
ازدّرَدَ نيكولاي ريقَهُ بينَما ارتَسمت ابتِسامةٌ حيويَّةٌ على شفتيّ يوليان، قد بانَ فيها الفَخرُ والنّشوة.

لا تُشبِهُ أيّاً من تلكَ الابتِسامات اللطيفَةِ المُعتادَةِ منه، وقد لاحَت في وجهه أماراتُ الخَلاص،
وصورَةُ ذاكَ المُتمرِّدِ تنعَكِسُ في عينيه الرّماديتين.

تلكّأ نيكولاي وهوَ يُحاوِلُ جمعَ عِباراتٍ يقولُها ردّاً على ما سَمِعه، لكنّه وبعدَ أن يَئِسَ أطلَقَ ضحكةً
بصعوبةٍ استطاعَ التّحكُّمَ بها.

تنهَّدَ بينَما ينظُرُ إلى ما بداخل تلك الكبسولةِ وهو يرفَعُها إلى وجهه، ثُمّ ابتَسمَ وقال:
لا أدري الآن.. أ أخشى منكَ، أم عليكَ دكتور !

رَمى الكبسولة في الهواء وعاوَدَ التِقاطَها بقبضته وقالَ وشرارةُ تحدٍّ تلمَعُ في عينيه القرمزيتين:
إذن سيكونُ عليَّ تجرِبةُ هذا الشّيءَ فَحسب.. لكَ ذلك.. أيُّ شيءٍ آخر؟

ردّ د. جاكلين بهدوء: لا!

مشى نيكولاي نحوَ البابِ الّذي دَخَلَ منه وقالَ وهو يلوِّحُ ليوليان: أنا ذاهب..

ردّ يوليان مع ابتِسامةٍ لطيفة: اعتَني بنفسك.

خَرَجَ .. وقالَ يوليان مُبتَسِماً بإعجاب: لماذا استمرّيتَ بهذا العملِ رغمَ كُرهِكَ له؟

- لأجلِ حِمايتكم!

صَمتا قليلاً فَسَألَ د.جاكلين وهو يولّي يوليان جُلَّ اهتِمامه:
إذن.. لماذا استمرّيتَ أنتَ بذلك؟

- هل عَرفت؟

- كان من الصّعبِ تَجاهُلُ ابتِسامتكَ قبلَ قليل.

- عرفتَ من مجرَّدِ ابتِسامة؟

- وأشياء أخرى... إذن .. لماذا؟!

- لأجلِ حماية من أُحب..

- هممم.. يَصْعُبُ التّنبُّؤُ فيمن يكونون!

أطلَقَ يوليان ضحكةً خفيفة ثمَّ قال: ألمْ تَقُلْ ابتِسامَتي تلكَ أنّك واحِدٌ منهم؟!

- الأمرُ معقَّدٌ بعضَ الشّيء..

ضَحِكَ مرَّةً أخرى وتمتم: ربّما!

نَظَرَ د.جاكلين عبر عدسةِ مجهره وقال: وما هيَ خطوتُكَ القادِمة؟

- حِمايَةُ سيميون وإخراجُهُ من ذاك المكان في أقرَبِ فرصَةٍ ممكِنة.

صمتا لبُرهةٍ تحدَّثَ بعدها يوليان: هيه جاكلين، هل أنتَ مستعِدٌّ لدعمي
حتّى بعدَ أن عرفتَ أنّي من الدكستروكارديا؟

- يبدو أنّك لم تفهم ما قلتُه قبل قليل!!

- ههه بلى.. لكنّي أردتُك أن تطمئنني.. نسيتُ أنّك لا تحبُّ الأجواء الشّاعريّة.


...............


الحاضر / المقهى – مقاطعة الدكستروكارديا


ضَرَبَ يارو المنضَدَةَ بيدِه بقوَّةٍ مُخرِجاً بذلك غضباً جامِحاً وقال:
هذا هُراء! كيفَ عسانا نَثِقُ بك؟!!







[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة Aŋg¡ŋąŀ ; 07-12-2019 الساعة 12:22 AM
رد مع اقتباس