عرض مشاركة واحدة
  #172  
قديم 10-15-2017, 10:16 PM
 
ذهبي







قرأ ذاتَ مرة أن الفرصة تأتي مرة واحدة وبشكل خاطف ..
لذا إذا أردت تحقيق أو إنجاز شيء فيجبُ عليك استغلالها ما إن ترى الوقت المناسب لرؤيتها.. فلربما تحققُ فيها مراداً تمنيته منذُ أزل أو تحررَ من شيء يتشبثُ بك ..
كما هو الحال معه تماماً فقد قرر استخدام هذه البطاقة حيثُ فرصته بعدمِ وجود أخته التي أقنعها وبشقِ الأنفس بأن تذهب لحضورِ محاضراتها رغمَ عنادها الكاسر ..
بالإضافة إلى بِينْ الذي أرسله في مهمة وهمية بحجة الاستعداد لمقدم والده الذي سيأتي قريباً و لم يعلم أنه في الطريقِ إليه .
مدّ ذراعه نحو عكازه الأبيض الذي أعطاه إياه الطبيب في حالة إن أراد التحرك بنفسه .. فقد استعجل بطلبه ..
ففكرة أن يلازم السرير بدونِ أي حركة جعلته يشعرُ بالتصلب وكأنما أحدٌ يقيد جسده .
ابتسامة سعيدة ارتسمت على شفتيه وهو يمسكه بيده بإحكام فهو يريد أخذ حريته في بيته وليسَ هنا بين رائحة المستشفى .

كاد يسقط في أول محاولة له للوقوف فهذه هي أول مرة له بدونِ مساعدة أحد .
اتكأ على السرير من خلفه .. رويداً رويداً استطاع موازنه نفسه ورفع قدمه المصابة عن الأرض ..
وهكذا استطاع المشيء ببطء بمساعدة عكازه ..
وصل إلى مقبضَ الباب فتسللت الفرحة إلى قلبه ...
هو يشعرُ بأنه أحدُ أولئك الأبطال الذي يقرأ عنهم في كتبِ الروايات الذين ينتهزون الفرص وينجحون فيها .
تأكد من التريكو التي يضعها على رأسه حتى لا يتعرف عليه أحد فقد كانت هدية من أخته أليسا بمناسبة افتتاح مطعمه ... وعندما تأكد من كل شيء بدأ بالشروع في خطه هروبه .
كانت خطته الأساسية بل و الأضمن بدرجة كبيرة هي بالنزول من خلال سلالم الطوارئ حتى لا يراه أحد وهذا ما فعله تماماً ...

ما إن عكست عيناه مرأى تلك الدرجات الكثيرة التي يتوجب عليه نزولها حتى تزعزع للحظة .
شعر بالتوتر وهو يرى الأمر صعباً لكن كما يؤمن بداخله بالنجاح فقد قرر البدء بخطوة واحدة وستتوالى الخطوات من بعدها ..
نجحً في الأولى ببطء شديد فعرف الطريقة وتسهل الأمر بقرارة نفسه .. لكن ما إن وضع قدمه السليمة على الخطوة التالية حتى أخذ يفقد توازنه فهو لم يعتد بعد على استخدام العكاز ...

كاد يسقط للأمام ويحصلُ على إصابات إضافية فلطفَ به القدر .
وضعَ يده على قلبه الذي فزع كثيراً وأخذ يتخيل كيفَ سيكون إن سقطَ بالفعل ..
لم يردِ المخاطرة بنفسه وشعرَ بالتردد كثيراً فقرر أخيراً العودة إلى الطريقة السليمة واستعمال المصعد كما هو المعتاد فسيكونَ آمن بعكس استخدام السلالم وأخذ يسمي ذلك بالخطة البديلة .

.....

توقفت السيارة السوداء أمام بوابة المشفى الداخلية .. فخرجَ منها السيد هايدن مسرعاُ يريدُ طمئنه عينيه برؤيته فسبقً بذلك ميلان الذي نزل بعده ..
استنشقَ ميلان رائحة موطنه العطرة حيثُ سماءه المعتادة وشعورُ الارتياح الذي ينتشرُ في أجواءه
أخذ يمددُّ ذراعيه ليستعيد نشاطه فهو بعكسِ الذي سبقه .. مطمئن البال فهو يعرفُ ألفريدو وطباعه ..
أشار إلى أحد رجالِ عمه وطلبَ منه استدعاء شيمون .. فعودته كانت سريعة وغير متوقعة ..
هو حقاً يكره شرعَ عمه الذي ألزمه بضرورة جعل من يعملون تحت إمرته بأخذِ إجازة كل ما ذهب .. بينما فقط يبقى بعض الحراس الذي يستأجرهم لحماية بيته وقصره .. ولو كان بيده لرفضَ ذلك وجعلهم يعملونَ ليل نهار .

تخطى البوابة الزجاجية وهو يفكر بذلك بوجه عبوس .. نظر من حوله فلم يجد عمه الذي بدى وأنه قد وصل إلى غرفة ألفريدو قبله ...
اتجه كما هو المعتاد إلى المصاعد وما إن فُتحَ حتى رأى آخر شيء يتوقعه ! ..
تلاقت أعينهما سريعاً في لحظة خاطفة فظنّ من بالداخل أن عدسة عينه هي من سبقته فالتفت سريعاً حتى يسترَ وجهه وجسده عن العقبة التي ستفسد عليه خطته وهو وصول ميلان المفاجئ !! .
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه وهو يرى ذلك الجسد المتخفي بهيئته المضحكة .. قدمه المكسورة وعكازه الذي لم يعتد عليه بعد ! ..
تقدم ليركب هو الآخر وادعى تجاهله كما يريد والنظر إلى الأسفل .. ليساير لعبته التي يريدُ خوضها .. وبابتسامة ساخرة قال ليربكه .
ـ أمتأكد أنك لا تريدُ النزول !! .

كان كمن يخالُ له بأنه على شفى هفوة تكادِ تسقطه أرضاً وتقتله البطل الذي بداخله عضَ على شفتيه وهز رأسه نافياً فقد كان على بعد خطوات من النجاة والخروج ..
تنهد ميلانْ بعمق وهو يقومُ بالضغطِ على زر الطابق الذي توجد فيه غرفته ... لم يرد أن يمر الأمر عليه كأي شيء عايدي .. فألفريدو تختبأ بداخله روح مرحة محبة للمغامرات والتأثر من خلال انغماسه بقراءة الروايات التي هي هوايته منذُ زمن .
لم يكن بالجديد عليه أبدا .. فقد سبقَ بأن رأى منه الكثير رغم هيئته البالغة وعقله الراشد والذكي إلا أنه في مثل هذه المواقف كطفل صغير ناقصَ عقل ! .
أخذت الأفكار تترواد إليه يريدُ استخلاص فكرة تجعله عاجزاً وتظهر ضعفه .. ثبتت تلك الفكرة الشيطانية في عقله فكم أراد ذلك مراراً وتكرارً فقام بالبوحِ بها وقد قرر أن يعلنَ إفساد خطته مبكراً .
ـ ما رأيك بأن أساعدك على الخروج ! .. تعلم بأن أباكَ لن يرضى وسيجعلك تمكث ربما أسبوع آخر .
اتسعت عينُ ألفريدو وخيمت عليه غيمة توتر .. وبسلاسة وكأنه لا زال يمثل تحدث بصوتِ مختلف وهو يضعُ يده على فمه ليغير صوته .
ـ أنا لا أعرفك يا هذا .
ضحكة صدرت من فمِه الذي انتعش بالفعل فكم يحبُ هذا الجانب منه .. لذا قال جملته التي سيفضح بها ألفريدو نفسه .
ـ لقد أقنعت أباكَ بأن يقومَ بطردِ خادمكَ بيْن .
انتصب سريعاً والتفت نحوه بطريقة خاطفة وفي وجهه علاماتُ عدمِ رضى وقد صدمه ما قاله ..
هو يعلمُ بأنّ هذه أمنيته التي لطالما أرادها أن تتحققَ ..
منذُ ذلك اليوم وهو يحذره من الوثوق بخادمه المخلصْ بِيْن .. لم ييأس رغم مرور الكثير من السنوات ... يرى زلة بسيطة لا تذكر !! فتبدأ محاضراته بفكرة إخراجه .. فكثيراً ما ألحَّ على أبيه .

ـ أخبرني أنك تمزحُ معي !! .
ولوهلة نسيّ ما به من أذى وقرر الاقتراب سريعاً منه فاختل توازنه وكاد يسقطُ للأمام لولا أن الأخير قد التقطه بذراعيه منقذاً إياه .. وعلى غير المعتاد نطقَ ميلان بنبرة ضاحكة وقد فُتحَ المصعد .
ـ أجل .. وإن كررتها مرة أخرى فستكون حقيقة ..كيفَ تقومُ بالخروج ولا تلتزم بكلمة أبيك وهو ممتلئ بالقلق عليك !! .
أخذ يساعده بالمشي وجعله يتكأ عليه ليقوما بالخروج من المصعد سويةُ .. فاعتلت ابتسامة شفتي ألفريدو الذي لا زالَ القلق بادياً على ملامحه فهو لن يستغربَ بتاتاً إن فعلَ ذلك .
رغمَ أنها أمنيته إلا أنه رأى أنه ليسَ الوقت المناسب ليعيد فتح الموضوع من جديد إنما أراد تحذيره من تصرفه الطائش الذي كاد يفعله .

كانت الممرضات يركضن بتوتر وعلى ملامحهم ارتباكِ واضح .. والسيد هايدن خلفهم بوجه قلق وخائفَ ومتجهم ما إن رأى سرير ابنه الخالي !! .
جاء للاطمئنان عليه وأتمنهم عليه وبالنهاية لا يجده ولا يعلم أحدُ عنه شيئاً ! ..
كادت تحلّ مشكلة عميقة وكبيرة إن نطقَ السيد هايدن بكلمةِ ضدهم فهو رغم لطفه وكرمه إلا أنه إن غضب بحق !! فله كلمته التي لا يستطيع أحدُ أن يراجعه فيها .
سرعانَ ما انفرجت أساريرهن ما إن شاهدوه يخرجُ من إحدى المصاعد برفقة أحدهم .
غشيتْ نفسه السكينة وهو يرى قرة عينيه يظهران أمامه .. ميلان الذي يساعده بابتسامة جميلة وابنه الذي بدت على شفتيه ابتسامة ضاحكة ..
ذلك المنظر الأخوي بينهما جعله ينسى ما أراد فعله في وقت غضبه من محاسبةِ وعقاب .. تقدم أمامهما بكل حبّ .. فكانت أول جملة سمعها قبل أن يستفسرَ عن عدمِ وجوده .
ـ لقد أراد مفاجئتك باستقبالك في الأسفل لكن يبدو أنك قد سبقته .
تلمسَ ألفريدو في قلبه دفئاً من جملته .. لقد قام ميلان بالتغطية عليه بل وبدلاً من ذلك جعلَ ذلك في صالحه .. !
هو حقاً طيب القلب وليّن الكلم خاصة في المواقف الحقيقة .. ميلان ليسَ بشخص سيء على الإطلاق !! هو يملكُ قدراً كبيراً من الأخلاق .. لكن في حالةِ واحدة فقط ينقلبُ لشيطانْ لا يعرفُ الأخلاق ! .
عانقهما بحبِ أبوي كبير .. وعادوا جميعاُ ..
جاء الطبيب وشرح حالته مطمئناً بذلك السيد هايدن بأنه الآن بخير فقط يحتاج للراحة حتى ينجبر الكسر .. و إن كان يريد المغادرة فيمكنه ذلك وهذا ما أسعد قلبَ ألفريدو كثيراً حتى كادت عيناه تدمع فرغم تردد أبيه إلا أنّ ميلان كان يعزز ما يقوله الطبيب ويخبر أباه بأنّ ذلك سيجعله يتحسن بشكل كبير .

ــــــــ

تتلفتُ بعينها يمنة ويسرة وهي تعانقُ محاضراتها وكتبها وعلى محياها يظهر قلق لم يزل .. تخشى أن تصابَ صديقتها التي تعرفت عليها حديثاً أيّ مكروه .. كما هو كلُ يوم تحضره ولا تراها .
فجاءت البشرى سريعاً ما اقتربت منها إحدى الفتيات التي قد رأتها مرة بين الصديقات اللاتي يجتمعن مع أليسا .. قامت مصافحتها وأخبرتها بوجه بشوش وكأنما ترى لهفتها بسماعِ ما تنتظره .
ـ لقد حضرتْ أليسا .. يمكنك رؤيتها إذا أردت ذلك .
انتعشت وارتوت نفسها بما سمعته منها وبادرت بالابتسام لها بكل لطف .
ـ أشكرك .. حقاً أنا شاكرة لكِ كثيرا .

ولو رأت جميع الفتيات فتنة ابتسامتها تلك لأصبح الجميع صديقاتِ لها !! ولكنها كمحارة خجولة تختبأ في الأعماق تنتظرُ فقط من يأتي إليها فتظهرُ لمعانها له .
خطت بقدميها مبتعدة فلم يتبقى سوى وقت قليل حتى تستطيع رؤيتها وتطمئن قلبها .. سارعت نحو كشك الكعك لتطلب نفسَ ما تذوقاهُ سابقاً وعلى شفتيها ابتسامة سعيدة ..
وكما ظنتْ تماما ماهي إلا دقائق حتى أطلتْ أليسا وبرفقتها العديد من الفتيات .. تقابلتْ أعينهما للحظة فشعرتْ ميدوري بشيء بداخلها هي بالفعل محاطة بالعديد من الفتيات الجميلات واللاتي يظهرُن عليهن الثراء والإغتناء ولكن كعادة أليسا الاجتماعية قد لاحظت التي تقفُ منتظرةً إياها ... فتقدمت نحوها بابتسامة سعيدة هاتفة باسمها بكل سرور .
ـ ميدوري لقد اشتقت إليك يا فتاة .
تقدمت نحوها وصافحتها بحرارة قائلة لها بابتسامة اللطيفة المعتادة .
ـ لقد كسرتْ قدم أخي وكنت معه في المشفى .
هكذا قالت مختصرة للجميع سببَ غيابها .. فبدلاً من أن يسألونها هي فضلت البدء بذلك بكل لباقة .. فهذا مما تعلمته بما أنها من طبقة مخملية ... فمن الطبيعي أن يسألها بعضُ ممن لا يعرفون ... لذا كانت الطريقة المثلى هي بإخبارهم ..
وقبل أن تسمع كلمةً منها رأت مغلف الكعك بين يديها فهتفت مبتهجة وهي تمسكُ بالنوع الذي تحبه .
ـ إنه لي أليس كذلك .. ! .
ابتسمت ميدوري لها رغم ما بدى في عينيها من حزنِ على أخيها .. لم تشعرُ إلا وهي تتبعُ خطاها وهي ممسكة بيديها ليجلسا في طاولة بالقربِ منهما ...
رأتها وهي تفتحُ مغلف الكعك الخاص بها وتتذوقُ قطعة الفراولة التي وضعت فوقَ الكريمة اللذيذة فهمست بصوت خجول .
ـ .. أرجوا له الشفاء والسلامة .

لم تكد تمرّ عدة ثواني حتى اجتمع العديد من الفتيات من حولهم جميعهم يحمدون الله على سلامة أخيها .. فكان ذلك بداية لتدرج ميدوري في تكوين صدقات مع الغير .. هي حقاً شعرت بالطمأنينة ما إن رأتها بخير ولكن شعرت بالأسى على أخيها ..
ولم تدرك أنها هي الوحيدة التي لم تتعرف عليه !! بينما رفيقا دربها قد سبقاها بذلك .

ـــــــــ

كعادته يعمل بكلِ إخلاص واجتهاد .. يبتسم لهذا ويشاركُ رأي تلك .. يساعد بعضهم في شراء الهدايا وآخرين في اختيار شيء مميز لأحبائهم ..
كان جايد يتابعه بنظراته .. هو حقاً قامَ بقفزة قوية لمبيعات محله .. لم يتوقع يوماً أن يصلَ إلى هذا المعدل من النجاح والازدهار وأن يمتلئ محله بالزبائن ! ..
لم يكن ذلك بسبب وسامة ذلك الشاب ! بل لحلوِ حديثه وحسنِ أخلاقه التي تجذب الناسَ إليه .. ففي بعض الأحيان مهما بلغ المرء من جمال و اغتناء إلا أن الأخلاق تأتي في المرتبة الأولى ..
ضيقٌ حل بصدره وهو يرى مصدر نجاحه سيذهب من أمامه اليوم .. فقد علمَ من مصادره أن ميلان قد عاد !! وكما رأى أنه يحبًّ أن يذله منذُ أول لقاء فلن يتركه عنده أبداً مهما أصر عليه .
تحدث بصوت متنهد ويائس وهو بقربِ رولند الذي كان يقومُ بأداء واجبه .
ـ لقد عادَ سيدك يا هذا ..! لو استطعت أن تقنعه بالعمل لدي فسوفَ تنال الكثير من الترف .
اتسعت عيناه الجميلة لقوله المفاجئ .. لقد أخبره بشيء مهم للغاية !! سيده المتبختر قد عاد من سفره ..
والمبلغ لم يكتمل بعد ولم يعد يمتلك أي وقت !!.. تكلم رولند بجدية وبشكل مباشر بدون أيّ مقدمات هادماً بذلك ما أراد من بجانبه زرعه فيه من محاولة لمجيئه للعمل لديه والتفكير بإعطائه عهداً بحسنِ معاملته .
ـ قم بإعطائي مرتبي للأيام المنصرمة .
شَخُصَ بصره لقوله الغير المتوقع .. وانكسر ما كان يحلمُ به قليل من نجاح إن بقيّ معه .. عقد حاجبيه باستياء ونطق بانفعال لجملته المفاجئة .
ـ ليسَ لديك حقٌ عندي !! .
لماذا يدفعُ له وقد عمل لديه بدونِ أي طلب منه بل جاء إليه كطبقِ جاهز من سيده ! , شعرَ بوقاحة كبيرة صادرة منه وهو يخبره بذلك بأعين جادة .
اقترب منه كثيراً حتى أصبحَ أمامَ وجهه بالتمام وأخذ ينظرُ لعينه تلك التي تنظرُ إليه بكل جدية فهوَ يعتبرها وقاحة منه أن ينظرُ إليه بهذه الطريقة !! .. رفعَ اصبعه ووضعها على جبينه قائلاً له بكلِ تحذير .
ـ لم أتوسل إليه ليرسلك إلي لقد جئت إلي بأمر منه .. لذا لقد أخطأت يا عزيزي .. .

صحيح ما قاله .. ! لكن أليسَ بداخله روحاً تستحقُ المكافأة لما أنجزه وعمله .. ! لكن ذلك لم يكن ما يفكر به رولند إن لم يكن لديه هدف لما طلبَ منه بتاتاً .. يعلمُ يقينا بأنه إن عاد فلن يستطيع مساعدة ذلك الطفل الذي علم مسكنه بالفعل ..
تبقى القليل فقط .. فإن دفعَ له مقابلَ أعماله فسيكتمل المبلغ الذي يدين به جايد لتلك العجوز ..
لم يكن رولند مكلفاً بذلك !! لكن ما قد عاشه قبلاً بنفس موقفه قد أثر في نفسه الطيبة ولو اجتمع أطفال الأرض ممن هم في نفس شاكلته لكدّ حتى الممات من أجلهم متجاهلاً نفسه !! ..

تجاهل عمله وكلُّ من أمامه وبصره فقط معلقٌ بجايد الذي يبتعد عنه !! رافضاً له طلبه ..
لحظات مرت وكأنما قد انعزل عن العالم الذي هو فيه .. حتى أصبح لا يستمع لطلباتِ الزبائن .. الذين يصطفون أمامه
خرجَ من مكانه وتبعَ خطاه .. فهذه هي الفرصة الوحيدة ليقومَ بما أرادَ تحقيقه ..
وجده يجلسُ في الغرفة الخلفية الصغيرة المتصلة بالمتجر وهو يقومُ بمراجعة الحسابات ..تقدمَ أمامه حتى أصبح قبالته و أعادَ الكرة مرة أخرى قائلاً برجاء .
ـ أرجوك قم بإعطائي مرتب عملي الذي قضيته هنا .. .

رُجفَ جسده لرؤيته بدون أي توقعٍ منه !! تركَ ما بيده وظهرَ محيا الغضب على ملامحه فكيفَ يتركُ عمله الذي هو في منتصفه ويتبعه إلى حيثُ هوَ ليطلب منه وقد فرغَ منه قبل قليل !! ..

تجاهله وكتمَ غيضه وقالَ بكل برود وهو يعاود فتح دفتر حساباته .
ـ عد لعملك لا مطلب لكَ عندي .. أحْسنْ فيما تبقى لك من وقتٍ هنا ! .
غشيّت عيناه حزن كتوم ! كيفَ يتحدثُ عن الإحسان ولم يرَ فيه أي خصلة منه !!
عجيبٌ هو أمر البشر ! يتحدثون وينصحون !! وهم بنفسهم لا يلتزمون بذلك إلا ثُلةٌ قليلون !!
لم يستسلم وسيفعل ما اعتاده ليقومَ بإعطائه ما يريد اقتربَ منه وأحنى ظهره بكل احترام بينما ما يراه ذلك الشخص هو الذلُّ والحاجةُ والهوان !! .
ـ أرجوك .. إني أحتاج المالَ كثيراً .. قم بصرفِ المال لي قبل عودة سيدي أرجوك .

بعضُ الكلمات التي ننطقها وتلفظُ بها يلتقطها سمعُ من لا نتوقعه أن تصلَ إليه !! ولا ندركُ موقفَه منها إلا عندما يظهر !! وهذا ما حصل بالفعل !! .

عضّ على شفتيه حتى كادَ يدميها لرداءة الشخص الذي يعملُ لديه .. يأتي ليعيده إلى العمل وحتى يمتعَ نفسه بالنظرِ إليه وهو يعمل ! فيصدمُ بموقفه وهو يتوسلُ له بكل وضاعة .

أجل لم يكن ذلك الشخص سوى ميلان الذي جاء قبل لحظات وشاهد ما يحدثُ أمامه !
غضبُ تصاعد بداخله .. واكتسى وجهه حُمرًه وكأنها الجمر ! .. خادمه الحقير كما يطلقُ عليه يتوسل بكل شفقة لجايد بإعطائه المال ...

رغمَ سوء أخلاقه مع الخدم إلا أنّه لم يظلم أحدهم يوماً إلا لحق أمّا عن لقائه الأول به وإخباره إنه لن يصرفَ له المالَ أبداً .. لم يكن ذلك إلا بدافع فضوله بمعرفة رده ! والحقيقة أنّه قد أرسل مال عمله عبرَ تلك البطاقة البنكية .

تقدم نحوهما وهو يدخل يده في جيبه بغير وعيه منه أخرج بعض المال الذي معه ورمى به لتتطاير فوقَ رأس رولند ..
لم يكتفِ بذلك بل تحدث بصوتِ مزلزل وقد تصاعدت حممّ بركانه .
ـ أيها الحقير !! ألم يكفكِ المالُ الذي أصرفه لك كل شهر !؟ .

صوتٌ يعرفه !! وموقفُ لم يتمنى أبداً أن يجدَ ذلك الشخص فيه .. وريقات النقود التي تساقطت عليه أشعرته بوخز شديد في قلبه ,
هوَ حقاً ليسَ بإنسانٍ شحاذ بل شخصٌ دعته الحاجة
وإن كان ذلك من حقه فهوَ ليسَ الآن سوى ما يظنه به سيده ميلان .

أغمض عينه بألم وهوَ لا زالَ بوضعية الانحناء .. فما أقسى اللحظات .. وما أصعب الاعتبارات .
سلامٌ على نفسه التي امتلأت جراحاً وندوباً وليبتلعَ غصة ما يشعرُ به ويُسَيّرُ ما يحدث كما يريدُ الآخرون ! .

[ نهاية الفصل الثامن عشر ]

رد مع اقتباس