عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 01-12-2017, 06:23 PM
 














الفصل الثاني :لقاء | الأقدار ترقص






لم ترى شيئا وسط العتمة المتخضبة بالدجنة ، لا شيء بتاتا ، حتى نفسها لا تبصرها ، أحست و كأنها وسط سائل هلامي يبتلعها ، و رويدا رويدا بدأت تفقد قدرتها على التنفس ، شعرت بالفزع و حاولت الصراخ لكن صوتها أبى أن يغادر حنجرتها

و شيئا فشيئا أظلمت الدنيا في عيني مارينيا ظلاما أحلك مما هي فيه





روزبيل | حانة داريوس


ـ ماري ! كأسا أخرى رجاءا



صرخ بهذا وسط ضجيج الرجال و قهقهاتهم حتى تسمعه المقصودة ، وضع رجلا على الأخرى و قد أسند وجنته على يده اليسار بينما ينظر إلى الرسالة التي بيده اليمنين و قد حملت بين طياتها شيئا جعل الابتسامة تغزو وجهه

ابتسمت رملية الشعر لحالته و هي تضع الكأس الكبير نسبيا أمامه



ـ ما الذي يشغل بالك وودي ؟


نظر نحوها بعينيه الذهبيتين لتزداد ابتسامته اتساعا


ـ لا شيء مهم ، الأمر أن شخصا طال انتظاره قد وصل منذ مدة قصيرة


رمى بضع عملات على الطاولة دون أن يلمس كأسه ثم غادر الحانة على عجالة و ابتسامته الغريبة لم تفارقه بتاتا






أصدرت سماوية الشعر تأوها خفيفا ، تحركت إنشا واحدا متقلبة ثم أخذت تفتح عينيها الزرقاوتين تدريجيا ، عدلت جلستها و قد كانت مستلقية على الأرض ، شعرت بأسفل ظهرها ينبض بالألم ، فركت عينيها حتى تتوضح لها الرؤية و ليتها لم تتوضح فإذ بها تجد نفسها مفترشة لأرض مكان مقفر ، بحثت بعينيها بتوتر لكن لم ترى غير الأرض و السماء الممتدين بشساعة و كأنها في إحدى أراضي تكساس ، شعرت بالفزع للحظة لعدم رؤيتها لمعالم الحياة



ـ اهدئي مارينيا ، لا داعي للفزع فأنتِ لم تلتقِ بتلك الوحوش


هدأت نفسها متمتمة هذه الكلمات ثم وقفت نافضة التراب عن ثيابها الزيتية و قد شعرت بألم طفيف في رأسها


ـ علي أن أحذر من ظهور تلك المخلوقات لي


غمغمت مارينيا لنفسها مقطبة حاجبيها ثم استرسلت في المشي إلى الأمام دون وجهة معينة لعلها تجد في مكان ما أثرا للحياة








شعرت بأشعة الشمس المسجورة تلفحها للمرة الألف ، أمسكت حنجرتها و قد جعلها الأوام في حالة من التيبس ، ابتلعت ريقا جافا لعله يعيد الرطوبة إلى حنجرتها لكنه زادها اهتياجا لشرب الماء

مشت مشية أتولا و قد شعرت أن تنفسها يكاد ينقطع جراء القيظ ، فمن دون أن تدري وجدت مارينيا نفسها وسط أرض قاحلة قادتها لها قدماها أكثر إقفارا من المنطقة التي استيقظت بها


ـ اللعنة ! متى تنتهي هذه الطريق و تظهر بلدة ما ؟


تمتمت مارينيا بحنق و هي تلعن حظها السيء جدا ، زادت من سرعتها متحاملة على نفسها و بعد ساعة من المسير المتواصل مجددا ، أحست بجسمها يتثاقل و رويدا بدأت بصيرتها تصبح ضبابية ، ارتخت قدماها و سقطت مغشيا عليها دون أن تدري مكانها











سيفيل | البوابة الرئيسية




ابتسم كهرماني الشعر مكشرا عندما وصل إلى البلدة المنشودة ، انجذب نحو جمع غفير ملتف حول شيء ما أبعد ببضع أمتار عن البوابة ، شعور ما دفعه للإندساس بينهم ليرى ما حصل




فتاة ذات شعر سماوي ساقطة أرضا بملامح نائمة غزت وجهها و قد استكانت الأتربة في كامل جسدها و بدى من تقطيبة جبينها أنها متعبة بجدية




انزلقت – بفتت – قصيرة من فمه ثم أبعد الناس عنها حاملا إياها بين ذراعيه و قد أعطى مجالا لإرتفاع الهمس أكثر من ذي قبل








شعرت بحرق في حنجرتها و تيبس ، أشبه بما يصاب به المرء عند الحمى ، التقى حاجبيها في تقطيبة ثم أصدرت صوتا لتبدأ بفتح عينيها تدريجيا ، عينين انسكب فيهما العسجد كان أول ما وقعت عليه بؤبؤيها السماويتين ، فتحت فمها لتتكلم لكن ابتسامته الغريبة أحجمتها عن ذلك


ـ استيقظتي أخيرا آنستي الجميلة


جفلت مارينيا للحظة ثم وقفت لتجلس باستقامة فوق السرير ، ارتسمت معالم الجدية على وجهها عندما قالت :من أنت؟
أطلق وودي ضحكة رنانة ذات نغمة ثم قال : أهكذا تقابلين معروف منقذك أيتها الفاتنة ؟
شعرت مارينيا أن عليها الحذر أكثر مع هذا الشاب و أطلق باتجاهه نظرات متوجسة


ـ لا داعي للخوف ، لست أخطط لشيء


تكلم وودي بنبرة ساخرة ، حدجته وقتها مارينيا بنظرة حادة ألجمته


ـ وودي ميلر و أنتِ؟


ـ مارينيا لانكستر


تمتمت مارينيا بهدوء لتستطرد : ما الذي أحضرني هنا ؟ و من أنت تحديدا ؟


تنهد وودي ثم قال :يا لك من مستعجلة يا عزيزتي مارينيا ، لدينا الوقت كله للتكلم عن التفاصيل


ردت عليه و قد احتدت نظرتها أكثر : بالنسبة لك لا لي


قابلها وودي بنظرة مداعبة و أكثر لطفا


ـ أنا هنا لمساعدتك


بدى على مارينيا الاهتمام فشجعته على الإكمال قائلة : ماذا تقصد؟


ـ لقد جئت من عالم البشر أليس كذلك ؟



اتسعت عينيها بفزع عندما تذكرت أنها في أكواريلا بالفعل فقد غابت عنها هذه الحقيقة و دق قلبها بجنون ، انكمشت على نفسها مرتعبة ثم قالت : كيف لك أن تعرف ؟ هل أنت عميل لأولئك المخلوقات ؟


ـ أووه أتقصدين الآجاريس ؟ إنهم مجرد بشر عاديين ، مواطنين في أكواريلا و أنا منهم عزيزتي


ـ عاديين ؟ بحق خالق الجحيم ! هل تمزح معي ؟ إن قلت عنهم عاديين فالبتأكيد أنت مجرد أحمق لعين لعوب فأولئك الوحوش دمروا مدينتي و قتلوا أبنائها و يسعون لإبادة عالمي و هم بالفعل يبدون أقرب للشياطين منك يا رجل !


ـ صدقيني، لا أعلم كيف تخيلتنا في عالمك لكن أنت تجلسين أمام واحد منهم


تنهدت مارينيا لتقول :لا تتوقع مني قبول كلامك و تكذيب عيني ، هات ما يمكنك درأ حجتي به فكيف تفسر لي رؤيتكم على شكل وحوش في عالمي ؟


هز وودي أكتافه ثم قال :من يدري ؟ ربما كنتم تحت تأثير شيء ما ، سحر مثلا ، كوني منهم لا يجعلني أعلم بكل شيء


ـ يبدو أنه يعوزك العقل أيها الوودي


همهمت بحرية الشعر بصوت منخفض ثم قالت و بدى كأنها تذكرت الأمر الآن : و كيف وجدتني و أحضرتني هنا و علمت أني من عالم البشر إن كنتم لا تختلفون عنا بشيء ؟


ابتسم وودي بثقة ليقول :مصادر وثيقة أخبرتني ، تعرفين هناك الكثيرون ممن يفضلون جني المال عن طريق الهمس ، ثم إنني وجدتك مباشرة ما إن وصلت إلى سيفيل بعد أن تعرفت على ملامحك التي وصفت لي و الدليل الأكبر كان البرومروس البارزة من سترتك عندما كنت أنظفك و …..


قاطعته مارينيا صارخة : هل لمستني أيها المنحرف ؟


نظر عسجدي العينين بجمود نحوها ثم قال بلا مبالاة : أجل لما؟


ـ لما ؟ هل تسأل لما؟ …. أيها المنحرف اللعين !


تمتمت مارينيا بغيظ و قد شعرت بالحرارة تصعد لرأسها بينما تخضب وجهها بحمرة شديدة




انبلجت ابتسامة ماكرة على محيا وودي ليقول :أووه هل آنستي الفاتنة خجلة ؟


وضعت مارينيا يدها على سريرها و لم يلاحظ وودي إلا و وجهه يتلقى وسادة من طرفها




تنهدت مارينيا ثم قالت : و ما الذي يدفعني للوثوق بك ؟


أجابها وودي بمكر :و هل لديك خيار آخر ؟


ـ أستطيع ضربك بوسادة أخرى و الهرب ؟


ـ هل هذا سؤال ؟


هزت مارينيا رأسها ثم قالت : إذن لم كنت تبحث عني ؟


أجابها وودي :أعرف صديقا أتى من عالمك


اتسعت عينا مارينيا : حقا؟


ـ أجل و هو يتوق للقاء أشخاص مثله
ـ إذن البرومروس لا تصل لشخص واحد فقط


ـ أجل، لا أعتقد أن شخصا واحدا يكفي للمهمة الصعبة التي تكلفه بها تلك الرسالة


ـ هل من الممكن أنها وصلت لأشخاص غيري و صديقك ؟


سألته مارينيا مستفسرة ليرد عليها : أجل ، بنسبة عالية


تعجبت مارينيا قائلة : و أين هذا الصديق خاصتك ؟ !


ظهر شبح ابتسامة على محيا من تكلل بالذهب ليقول : في بلدة تدعى أرفاسيل ، للقاءه علينا الذهاب إلى هناك


همهمت مارينيا بشكل غير مفهوم لتسأل بعدها : حسنا أعتقد أن لا خيار لي غير الذهاب لها ، هل يمكنني أن أكون تحت رعايتك ؟


ابتسم وودي لها دليلا على موافقته ، وقف بعدها و هو ينظر لمارينيا من رأسها إلى أخمص قدميها بينما هي شعرت بالحرج و التوتر لذلك فاستعدت لتعطيه وسادة أخرى هدية لوجهه ، لكنه تدارك الأمر فرفع يديه ملوحا بعشوائية ثم قال : حقا لا أقصد سوءا ، أفكر فحسب بأن نحصل لك على ملابس أخرى ، فهذه الملابس تعتبر غريبة هنا و سيعلمون عن طريقها أنك من العالم الآخر عاجلا أم آجلا


قطبت مارينيا حاجبيها لتتمتم :ملابسكم أغرب من خاصتي ، انظر إلى ملابسك مثلا


قهقه وودي ليقول : أنت طفلة مارينيا


صرخت : لست كذلك !


ـ رضيعة إذن ؟


شعرت بالغضب يتصاعد إلى رأسها و قالت بحدة : إن لم تذهب من هنا فسيسرني أن أهديك وسادة أخرى


ابتسم وودي بسخرية : حسنا حسنا لا تغضبي


توجه نحو باب الغرفة بهدوء ثم استدار ناحيتها


ـ ما الذي تفعلينه ؟ علينا الإسراع للحصول على ملابس جديدة لك


نظرت مارينيا ناحيته لتقول : ألم تقل منذ قليل أنه ليس من الجيد أن يراني أحد بهذه الملابس؟ اذهب وحدك


ابتسم وودي بسخرية ثم قال : هل يعني هذا أنك ستكونين مسرورة بإعطائي جميع قياساتك ؟


حدقت به مارينيا للحظات غير مصدقة ثم صرخت به :وودي ميلر ! أيها المنحرف توقف عن هذه المهزلة أو سأكون بإرسالك إلى الجحيم المستعرة بنفسي







سيفيل | سوق تورين




مشى وودي بتؤدة و الابتسامة المستفزة خاصته لا تفارق محياه و كانت مارينيا قد تبعته متخلفة عنه ببضع خطوات و قد ارتدت عباءة أدجنية اللون ذات قلنسوة كبيرة كانت كفيلة بتغطيتها بالكامل و لم تكن سيئة أيضا في جذب الانتباه لها !




احترق ظهر وودي بفعل النيران المنبعثة من نظراتها الغاضبة ، لم يسعها إلا الإزدراء من ملابسه التي تراها غريبة ، تنقلت نظراتها بين قميصه بني اللون طويل الياقة و سترته المفتوحة باذنجانية اللون طويلة الذيل ، تقززت و هي تلاحظ أطراف السترة المطروزة بوردي فاتح ممزوج بالفضة و اشتعلت نظراتها باستهزاء و هي تتابع الحزام الفيروزي الذي التف حول خصره مشكلا تناسقا مع سرواله السكري

تمنت في قرارة نفسها ألا يكون ذوقه في ملابس النساء مماثلا لذوقه في الملابس الرجالية


ـ عزيزتي مارينيا هل أنت مفتونة بي لدرجة أن تحدقي في بهذه الطريقة !


قال وودي و قد امتزجت كلماته بشيء من السخرية لترد عليه هي ساخطة : بل متقززة لدرجة التحديق فيك بهذه الطريقة


قهقه وودي مبتسما كعادته حيث لا تكاد تفارقه ابتسامته لتطلق مارينيا بحنق – تسك – غاضبة

تنفست شهيقا و زفيرا ثم كلمت وودي مجددا : بعد أن نجد ملابس لي ماذا سنفعل ؟
تنحنح وودي و هو يحرك رأسه يمينا و شمالا فاحصا المتاجر التي تعرض الملابس ثم استدار لها ليجيبها : سنطعمك أولا فلابد أنك جائعة بعد قطعك للأرض المقفرة غرينوول كما بدى لي من حالتك عندما التقيتك ، لا يسعنا الإنطلاق نحو بلدة أرفاسيل فقد استيقظتي متأخرة و نحن في المساء الآن و لا أظن أن السفر ليلا فكرة جيدة ، لذا سنبحث عن غرفتين لنا في نزل ما ثم ننطلق غدا نحو وجهتنا


ـ لما الغرفتين؟


ـ ما استيقظتي فيه لم يكن سوى حانة لصديق


ـ لا أملك نقودا كما تعلم


قالت مارينيا بصوت هادئ متمتمة ليجيبها وودي بلطف : لا تقلقي آنستي سأتدبر الأمر


صمتت مارينيا لوهلة ثم قالت شاكية : كان صديقك ليسهل الأمر علينا لو كان إلى جانبك بدل جعلنا نبحث عنه في أرفاسيل هذه


ارتسم شبح ابتسامة على وودي عندما قال :صديقي لا يحب اليسر أبدا!


أكملا كلاهما الطريق صامتين و كانت مارينيا شاردة الذهن تماما مطئطئة الرأس ، توقف وودي فجأة مما جعلها تصطدم بظهره


ـ لقد وصلنا


تمتم وودي لترفع مارينيا رأسها و تجد نفسها أمام متجر للملابس، بدى قديما جدا مقارنة بمتاجر سياتل التي تعودت إرتيادها لكنها رغم ذلك تبعت وودي فهو أعلم منها بالمكان

عندما فكرت في هذا لعنت نفسها للمرة الألف لترددها في القفز في الحفرة ، لكانت قد عرفت بعض المناطق و لم تحتج لمساعدة كهرماني الشعر لو لم تتردد


فحص الملابس و تلمس أقمشتها بينما هي اكتفت بمراقبته بصمت ، لديها الكثير من الأسئلة له لكنها فضلت تركها فيما بعد عندما يكونان لوحدهما ، توقف وودي فجأة ليصب اهتمامه نحوها و قد عاد لفحصها مجددا ، التمعت عينيه و هو ينظر إلى قميصها الأبيض و إن غزته بعض البقع الترابية و قد توارى وراء سترتها الرسمية زيتية اللون ، توجهت نظراته الدقيقة نحو ربطة العنق النيلية التي تهدلت من عنقها و قد بدى له و كأنها لم تهتم بربطها جيدا ، قطب جبينه و هو ينظر نحو قبعة ربابنة البحار التي شابهت في اللون السترة و لاحظ باهتمام أن تنورتها الطويلة نسبيا تحمل نفس اللون


ـ و تقول أن ملابسي غريبة !


تمتم ذهبي العينين و قد شكر الرب أنه فكر في تغطية ملابسها بالعباءة ، سمعته مارينيا و كان وجهها قد احتقن غضبا فغمغمت هي الأخرى بحنق :ليس و كأنه من الخطأ أن تحب فتاة ما الملابس الرسمية ….. وودي أيها الأحمق عديم الذوق


تركها وودي ليندس بين الألبسة فتبتلعه و لم تجرأ هي على اللحاق به

غاب ما يقارب الـ 15 دقيقة ليعود حاملا معه ملابس رماها باتجاهها ، أشار لها بيده إلى مكان التغيير قاصدا أن تجرب الملابس و لم تعترض هي كعادتها و هذا ما كان غريبا بالفعل بالنسبة لوودي


نظرت باتجاه المرآة المتشققة القديمة ، دارت حول نفسها و هي تفحص الملابس لم تشعر بالإرتياح و هي ترتدي القميص السماوي ذو الفتحة الظهرية دائرية الشكل مع العقدة الذي اختاره لها و لم تستسغ التنورة القصيرة المبطنة بالحرير ذات لون الألماس الفاقع و هي التي تعودت على لبس الطويل ، حملت السترة الجلدية البيجية عديمة الأكمام و تفحصتها بين يديها و هي ترتديها ، لفت نظرها الزخارف بلغة غريبة و انتبهت إلى تشابهها مع الحزام الذي تزين به خصرها غير أن وجه الإختلاف الوحيد أن الحزام زخرف بالحرير المذهب ، خرجت بسخط لتقول صارخة: وودي يا فاقد الذوق ، ما هذه الملابس المبهرجة بحق خالق الكون؟


ـ أولم تنل استحسانك عزيزتي مارينيا ؟ و أنا الذي ظننتك محبوبة السماء فاخترت لك ما يقارب لونها


قال وودي بدرامية ساخرة لتقابله مارينيا بنظرات باردة و قد بدى لها أنه لن يغير رأيه بشأن هذه الملابس حقا، غادرت إلى خارج المتجر القديم ليتبعها وودي كانت قد لاحظت أنه قدم بضع قطع فضية للبائعة مما دفع مارينيا للإستغراب كون سكان أكواريلا لا زالوا يتعايشون بمثل هذا النظام المالي القديم و يستخدمون الفضة للدفع



شعرت بألم مفاجئ في معدتها و تذكرت أنها لم تأكل شيئا منذ ظهور تلك الحفرة الملعونة فرفعت رأسها حتى تخبر وودي بشأن أنها مستعدة للأكل حاليا ، لكنها لم تجده !

بحثت بفزع بين المارين لكنه لم يكن هناك


هل أضعته ؟ !

فكرت بقلق و زادت من سرعتها مديرة رأسها نحو المتاجر و الأكشاك باحثة عنه ، بحق الاله أين اختفى ؟

لمحت مجموعة من الجاريات و قد لفت أجسادهم بقماش حريري أبيض فخم ، حوالي خمس أو ست يدخلن لحانة بيترليش كما كتب في العارضة المتدلية و كان رأس ذو شعر بلون الكهرمان مميزا بينهن ، فكرت أنه تشابه فقط فنسبة وجوده هناك منعدمة فأي سبب قد يجعله بينهن لكن لا ضير من التأكد

توجهت نحو الحانة و دفعت الباب المصنوع من الخشب المحروق بقليل من الجهد فأحدثت صريرا مع صوت رنين جرس كان قد عَلق فوق الباب مباشرة لتلفحها رائحة الكحول و أصوات العديد من الرجال ، اشتمت رائحة الطعام و بدت لها أشهى رائحة اشتمها أنفها منذ دهر، دخلت باحثة بعينيها بين الرواد فليس لها مال لتدفع ثمن أكل أو شرب ، للحظة تحركت حتى تغادر و قد قررت أنها أخطئت الشخص كما توقعت فلا وجود لوودي هنا لكن صوته و هو يناديها أوقفها

قلبت رأسها بحيرة لكنها أخيرا لمحته جالسا في أحد الزوايا محاطا بأولئك الجواري اللواتي رأته بينهن سابقاو كل واحدة منهن أحاطت ذراعا له محاولة كسب اهتمامه لها


ـ ليس لديه ما يفعله هاااه؟ نسيت أنه منذ البداية بدى كزير نساء


تمتمت بلهجة لاذعة و قد التمعت السخرية في نظراتها الموجهة نحو وودي



ـ أهذا مفهومك حول انقاذ العالم ؟


قالت هذا إبان وصولها أمامه ليقول وودي بابتسامة ساحرة و نبرة أكثر لطفا مما تعودتها منه : لا ضير في بعض الراحة قبل الولوج إلى المخاطر فاتنتي مارينيا


ما إن أكمل كلامه حتى شعرت سماوية العينين بنظرات النساء أجمعن تخترقها كسهام و كأنها تجردها من ملابسها، و لم تكن بالنظرات الودود بتاتا ، ابتلعت ريقها بتوتر ثم قالت بغضب طفيف: لقد تركتني دون تنبيه لذهابك و تعلم جهلي بالمكان


ـ ليس ذنبي شرودك يا عزيزتي الصغيرة و اقبلي آسفي فقد ظننتك أصبت بالتخمة من مرافقتي فتشبعتي من الكلام معي إضافة إلى المشي معي الذي كنت تكرهينه أصلا


قال وودي بنبرته الساحرة ظاهرا و المستهزءة كعادته باطنا ، فتحت مارينيا فاهها لترد عليه الصاع صاعين لكن وودي سبقها داعيا إياها للجلوس معه حتى تتناول طعاما يشبع معدتها الخاوية صارفا الجاريات اللاتي التصقن به



ـ من هن؟
سألت مارينيا بإزدراء و قد جلست قابلة دعوته برضوخ لا له بل لمعدتها كما أخذت تقنع نفسها في قرارتها

أجابها وودي و ابتسامته لم تفارقه : معجبات لي ، عليك التعود على هذا ، إنهن جاريات لأحد التجار الأثرياء ، لقد عرضن علي دفع الطعام لي من نقود سيدهن و قبلت عرضهن السخي


صمت وودي حيث أتت النادلة واضعة أطباقا كان قد طلبها مهديا لها ابتسامته الودود ، لم تنتظره مارينيا هذه المرة ليدعوها بل بدأت الأكل لوحدها و قد تبعها هو في ذلك ، تكلمت مارينيا وسط طعامها :أتعتقد حقا أن ملابسي الآن مناسبة؟ إنها تبدو كملابس العروض في عالمي


طمأنها وودي قائلا :صدقيني هذه هي طريقة اللباس الشائعة هنا ، لو وصلتي من قبل لغيرتي ملابسك لوحدك


عاد الصمت ليطغى على الجو بينهما حتى أكملا الطعام ، لاحظت مارينيا الجدية على رفيقها على غير عادته حين قال : مارينيا ألا تلاحظين أنك وثقتي بي بسهولة ؟


ابتلعت مارينيا آخر لقيمة ثم رشفت الماء لتقول :ما الذي تقصده؟


شبك وودي أصابع يديه أمام وجهه ليرد : أعني أنا غريب عنك و ما إن أخبرتك أنني أعرف شخصا من نفس العالم الذي أتيتي منه حتى تقبلتي الأمر و وثقتي بي رغم أن لا دليل لي على ذلك


صمتت مارينيا مشدوهة لوهلة عاجزة عن الرد ثم قالت ببطئ :لقد تكلمت عن البرومروس


ـ هذا ليس كافيا لتثقي في ، قد يكون الأعداء عالمين بشأنها أيضا


قال وودي بصوت هادر أجفلت له مارينيا ليستطرد قائلا :مارينيا الجميع ليس أنا و أنا لست الجميع ، عليك تعلم الحذر ، صحيح أنني صديق لكن في عالم غريب عليك يجب أن لا تثقي في الآخرين بسهولة لذا دعي بصيرتك و عقلك ما يقودانك في المرة القادمة لا قلبك و أحاسيسك


أومئت مارينيا موافقة و قد تردد كلامه في رأسها ، كان عليها التفكير في ذلك ، إنه على حق ، رفعت رأسها نحوه لتجده قد عاد لطبيعته البشوشة و كأنه لم يكن الشخص الذي كان عليه منذ لحظات ، أفرغ ما في كأسه في جوفه ثم أخبرها بأن هناك غرفا تستأجر للنوم فوق الحانة و سيطلب غرفتين فوافقته و قد تساءلت إن كان غنيا فهو لديه وافر من المال !




عاد بعد دقائق و قد دبر أمر الغرف ، تنحنحت مارينيا ثم قالت : وودي أنت تعرف مهمتنا في هذا العالم فلماذا تساعدنا أنا و صديقك ؟ أعني أليس من المفترض أن تقف إلى جانب بني عالمك و تكون عدوا لنا ؟


أطلق وودي - هممممم – مفكرة ثم قال مبتسما :أعتقد أن حلول السلام بين العالمين سيكون أفضل من حرب لا طائل منها


ابتسمت له مارينيا بدورها ليقول هو :أعتقد أنه وقت الراحة الآن فنحن سنغادر مع الفجر


أومئت زرقاء الشعر موافقة ثم توجه كل منهما نحو السلالم التي في زاةية الحانة المؤدية إلى الدور الثاني ، دفع وودي بضع قطع نقدية للنادلة قبل صعوده ثم تبع مارينيا ، أرها وودي غرفتها فانحنت قليلا شاكرة له ثم ولجت إليها

نزعت سترتها و حزامها و تمددت على السرير الذي أصدر صريرا حادا ما إن وضعت ثقل جسمها عليه ، بعثرت شعرها مفكرة في وودي و في أن المخلوقات أو الآجاريس أو أيا كانت ليست كلها بذلك السوء لكن حذر وودي في إخفاء هويتها له معنى واحد و هو أنها ستكون في خطر إن تعرف عليها أحد


ـ هل يعقل أن وودي هو الشخص الوحيد الطيب هنا ؟


تمتمت مارينيا بارتعاب متقلبة على جانبها الأيسر و كان النعاس قد داعب أجفانها ، تثائبت ثم استرسلت في النوم تاركة هواجسها المخيفة في سراديب عقلها








__________________





التعديل الأخير تم بواسطة وردة المودة ; 03-04-2017 الساعة 12:58 PM
رد مع اقتباس