عرض مشاركة واحدة
  #30  
قديم 01-10-2017, 08:39 PM
 
heart1 الخطيئة الرّابعة: الجَشَع!

[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:70%;background-image:url('https://www.up4.cc/image99839.html');border:4px solid darkred;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]



[/ALIGN]
[ALIGN=center]
شيءٌ من اللطافَةِ وشيءٌ من الحَذاقَةِ قد تمثَّلَ في مشيته اللّعوب، ابتسامتِه الواثقة ومظهَرِهِ الغَريب.

يسيرُ في أحد الممرّاتِ قاصِداً وجهَةً مُعينة مُرتَدياً زيَّهُ العسكريَّ الأسود،
وعصابة قُرمُزيّة يلفُّها حولَ رأسِه والّتي تُقيِّدُ بعضاً من خِصلاتِ شعره السّوداء،
وتترُكُ البقيَّةَ طليقةً تتهدَّلُ على أذنيهِ وجبهته. وعيناهُ تحملانِ اللونَ القُرمزيَّ ذاته،
وتتناوَبُ عليهِما لمحَةٌ للّطافَةِ وأخرى للحَذاقة.

وَصَلَ نِهايَةَ الممرِّ واستَدارَ يميناً ليسيرَ في ممرٍّ آخر وُصولاً إلى بابٍ عَريضٍ بدفَّتين
وُضِعتْ على زُجاجِ نافِذَتِهِ الصّغيرة بطاقة كُتِبَ عليها بالانجليزيّةِ "Laboratory" ..

أوشَكَ على فتحِهِ لكن صادَفَهُ أحد العاملينَ بالروب الأبيض يخرُجُ من ذاك الباب،
ابتَسَمَ لهُ وحيّاهُ بإيماءةٍ وبادَلَهُ الآخر بالمثلِ ثمَّ دَخَلَ المُختَبَرَ وأطبَقَ البابَ خلفه.

كلمَةُ مختبر تلخِّصُ كلَّ ما في تلك الغُرفَةِ الكبيرة.
قبالةَ الباب الّذي دَخَلَ منه هُناك آخر بدفَّةٍ واحدة، والطّريقُ إليه مملوءةٌ بالأجهِزةِ مختلفةِ الأنواع،
والمناضد التي تحمِلُ عُلب المواد والأدويةِ وأنابيب الاختِبار.

نَظَرَ إلى الجِهةِ اليُسرى له وابتَسَمَ بمَرَحٍ وقال:
مرحباً د.جاكلين.. كيفَ الحال؟

كانَ المعني يجلِسُ قُربَ الزّاويةِ إلى إحدى المناضِدِ وينظُرُ عبرَ عدسةِ المجهر..
ردَّ بهدوءٍ دونَ أن يرفَعَ رأسَه: أهلاً.

اتّجَهَ نحوَ إحدى المناضِدِ المُقابلةِ لد. جاكلين واتّكَأَ بظهرِهِ إلى الجدارِ القريبِ منها،
وَبَدَاَ يحمِلُ الأنابيبَ واحِداً تلوَ الآخر وينظُرُ إليها بطريقةٍ عابثة ثُمَّ يُعيدُها إلى مكانِها،
وتلكَ الابتِسامةُ لم تفارِق وجهَه.

قال د. جاكلين دونَ أن يرفع رأسَه عن عدسة المجهر: لا تلمس تلكَ الأشياء، نيكولاي!

أعادَ نيكولاي ما بيدِهِ ونَظَرَ إلى د.جاكلين وابتَسَمَ ابتِسامةً مُشاكِسَةً.
نَظَرَ إليه د.جاكلين وقال: ما الّذي أتى بِكَ إلى هُنا؟

- ألستَ مُهتمَّاً بمعرِفة ما جرى في اجتِماعِ اليوم؟!

عاوَدَ النّظَرَ عبرَ مجهَرِه وردَّ بهدوء: لو كنتُ مهتمّاً لَما تخلَّفتُ عنه.

أطلَقَ نيكولاي ضحكةً قصيرة وتمتم بينَما يلعَبُ بإحدى العُلب: هذا صَحيح.

حلَّ الصّمتُ لفترةٍ كان د.جاكلين يُتابِعُ خلالَها عملَهُ، ونيكولاي عَبَثه.
أعقَبَ هذا الصّمتُ صوتُ جَلَبَةٍ خلفَ البابِ الآخر للمُختبر،
انتَبَهَ نيكولاي بينَما بَقِيَ د.جاكلين على حاله، وما هيَ إلّا لحظاتٍ حتّى دَلَفَ مُصدِرُ تلكَ الجلبةِ

من ذاكَ الباب، فَهَتَفَ نيكولاي بمرح: يوليان!

- نيكو؟!

فورَ أن وَصَلَه تصافَحا بحرارة واستَمرّ كلٌّ منهُما بإمساكِ يدِ الآخر، وقامَ نيكولاي
بإحاطَة عنق يوليان بِذِراعه وقال:
ماذا كنتَ تفعَلُ في الدّاخل؟ أوَ لستَ تعتني بسيميون؟!

- سأعودُ إلى سيميون قريباً، كنتُ أنظُرُ إلى ما لدينا من الدّكستروكارديا.

- الكثير، أليسَ كذلك؟

- أجل.. حَصيلَةُ عشرةِ سنوات.

- لقد أَمَرَ الكولونيل باصطيادِ المَزيد!

التَفَتَ يوليان برأسه نحو نيكولاي وقالَ باستغراب: لديكَ مهمّة إذن؟

- أجل.. بعدَ ساعتين!

- هممم.. هذا غَريب.. لم يسبق وأن كانوا عَجولينَ هكذا!!

تدخَّلَ د.جاكلين قائِلاً بنبرةٍ حادّة:
ذلكَ أنّ الأمرَ تعدّى الحاجةَ وبَلَغَ حدّ الجَشع.. ذاك الكولونيل لا يُفكِّرُ إلّا بالمالِ وإرضاءِ الحكومة..
رغمَ أنّ ما لدينا كافٍ بالفعل، فهم مثلَ مصادِرَ متجدِّدَةٍ للدّماء..
اصطيادُ المَزيدِ ليسَ سوى إشعارٍ لبلوغِ حدِّ الجَشَع.

في قرارَتِيهما كانا يؤيِّدانِ ما يقولُه الدّكتور، لكن بالنّسبةِ لنيكولاي فهذا أوامرُ ولا صلاحيّةَ له بالرّفض.

ابتَعَدَ عن يوليان واستَدارَ نحوَ أحد الأجهزة وأخَذَ يحرِّكُه بطريقةٍ عشوائيَّةٍ عابثة،
ونادى يوليان الّذي شاركَهُ العَبث، وقد استمرّا يعبثانِ ويتهامسان ويضحكانِ حتّى سَمِعا صوتَ طرقٍ
على الطّاولةِ صادِرٌ عن الد.جاكلين والّذي قالَ باستهجان:
إلى متى تنويانِ العَبثَ بأغراضي؟!

استَقامَ نيكولاي ووقَفَ وقفةً عسكريّةً وهو يبتَسِمُ ابتِسامةً مُشاكسةً،
ويوليان يَبتَسِمُ بحنوّ.

قالَ د.جاكلين كمن تذكَّرَ شيئاً:
هل قُلتَ إنّ لديك مهمَّةً الآن؟

عدَّلَ نيكولاي وقفته وقال: أجل!!

نَهَضَ د.جاكلين من مَكانِه وبَدَاَ يمشي نحوَ إحدى الثّلاجات ويقول:
بطريقةٍ ما.. هناكَ شيءٌ أودُّ منكَ تجربته.

- وما هو؟!

فَتَحَ الثّلاجَةَ وأخرَجَ منها شيء كالكبسولة، أمسَكَها بينَ إصبعيه السَبابة والإبهام
وعَرَضها لنيكولاي:
هذا مُميِّعٌ للدِّماء، لَهُ تأثيرٌ فوريّ، يَجِبُ أن يكونَ فعّالاً ضِدَّ أولئك الّذين
يستَخدِمونَ دِماءَهم الكريستاليّة كأسلحة، لن يَكونَ الدّكستروكارديا قادرينَ على استخدامِ دمائِهم بعدَ ذلك،
وسينزِفونَ حتّى الموت.
الأسلِحَةُ التّقليديَّةُ والّتي تتسبَّبُ بارتِخاءِ العَضلاتِ لن تكونَ فعّالةً في المَعارِك، لو حَصَلت واحدة.
خاصّةً وحسبَ تقريرِ يوليان الأخير فهم أقوياء بالفعل.

مشى نحوَ نيكولاي وأعطاهُ الكبسولة فردّ يوليان: وأنتَ تُريدُ منّي تجربته في هذه المهمة؟!

- ألديكَ مانع؟

ردّ نيكولاي بتردُّد: اممم.. حسناً.. أنتَ تعلم.. نحنُ لا نقتُلُ الدكستروكارديا!

عاوَدَ د.جاكلين سيرَهُ نحوَ منضدته وهو يقول: هذا لأجلِ حِمايتكم فيما بعد..
لو حَصَلت معركةٌ حقيقيّة مع أولئك الدّكستروكارديا فستكونون أنتم الطّرفَ الأضعَفَ فيها.
إنْ أردتَ الموتَ فلا بأسَ بعدمِ تجربتها.

احتارَ نيكولاي وقالَ بذاتِ النّبرةِ المتردّدة: أعني.. سلبُ حياةِ شخصٍ لأجلِ تجرِبةٍ ما..
أليسَ هذا شَنيعاً؟!

ثارَ الد.جاكلين وقالَ بغضب:
ماذا عن آلاف الرّاقدينَ هُنا؟ أوَ لمْ تُسلبْ حيواتهم؟ أينَ الحياةُ في كونِهم مكبَّلينَ بالأسرّةِ
والدِّماءُ تسحَبُ من أجسادِهم باستمرار؟ أوَ ليسَ هذا شَنيعاً أيضاً؟
يسَ عليكَ تجربةَ الأمرِ لتعرِفَ أنَّهُ الجَحيمُ بحدِّ ذاته؟
إنّ الأمرَ مُشابه.. لكن..! رضوخُكَ لأوامِرِ الكولونيل الّتي تقتضي باصطيادِ الدّكستروكارديا
ليسَ إلّا رضوخاً لأطماعِ المنظّمةِ والحُكومةِ لجنيِ المزيدِ من الأموال.. ثُمَّ ماذا يكونُ نصيبُك؟
راتِبُ جُنديٍّ عاديّ.
أمّا موافقتُكَ على تجربةِ هذا السِّلاح فهوَ لأجلِ حِمايَتِكم، كي تتمكّنوا من الخُروجِ من جَحيمِ تلكَ
المُقاطَعَةِ بسلام. لو حَصَلَ ومُتُّم هُناك، فَلنْ يَعبَاَ بكم أحد.. سيُنكِّلُ الدِّكستروكارديا بِجُثَثِكم
وستتعفَّنونَ في تلكَ الأزِقّةِ المُظلمة، ثمَّ يتِمُّ استبدالُكم ببساطة!



أثناءَ حَديثِهِ كانت عيناهُ تشتَعِلانِ بِحقّ. كلُّ ذلك الهُدوء قد هَوى ليحِلَّ عِوضاً عنهُ
غَضَبٌ جامِحٌ. كانَ يعي كلَّ حرفٍ يَقولُهُ ويؤمِنُ به.

أمّا نيكولاي ويوليان فقد فَجَعتهُما الصّدمَةُ مما يسمَعان.
إنّها المرّةُ الأولى الّتي يُقالُ فيها كلامٌ كهذا داخِلَ المُنظَّمةِ، وإنّهُ الأشدُّ تمرُداً بِحُكمِ ذلك.

ازدّرَدَ نيكولاي ريقَهُ بينَما ارتَسمت ابتِسامةٌ حيويَّةٌ على شفتيّ يوليان، قد بانَ فيها الفَخرُ والنّشوة.


لا تُشبِهُ أيّاً من تلكَ الابتِسامات اللطيفَةِ المُعتادَةِ منه، وقد لاحَت في وجهه أماراتُ الخَلاص،
وصورَةُ ذاكَ المُتمرِّدِ تنعَكِسُ في عينيه الرّماديتين.

تلكّأ نيكولاي وهوَ يُحاوِلُ جمعَ عِباراتٍ يقولُها ردّاً على ما سَمِعه، لكنّه وبعدَ أن يَئِسَ أطلَقَ ضحكةً
بصعوبةٍ استطاعَ التّحكُّمَ بها.

تنهَّدَ بينَما ينظُرُ إلى ما بداخل تلك الكبسولةِ وهو يرفَعُها إلى وجهه، ثُمّ ابتَسمَ وقال:
لا أدري الآن.. أ أخشى منكَ، أم عليكَ دكتور !

رَمى الكبسولة في الهواء وعاوَدَ التِقاطَها بقبضته وقالَ وشرارةُ تحدٍّ تلمَعُ في عينيه القرمزيتين:
إذن سيكونُ عليَّ تجرِبةُ هذا الشّيءَ فَحسب.. لكَ ذلك.. أيُّ شيءٍ آخر؟

ردّ د. جاكلين بهدوء: لا!

مشى نيكولاي نحوَ البابِ الّذي دَخَلَ منه وقالَ وهو يلوِّحُ ليوليان: أنا ذاهب..

ردّ يوليان مع ابتِسامةٍ لطيفة: اعتَني بنفسك.

خَرَجَ .. وقالَ يوليان مُبتَسِماً بإعجاب: لماذا استمرّيتَ بهذا العملِ رغمَ كُرهِكَ له؟
- لأجلِ حِمايتكم!
صَمتا قليلاً فَسَألَ د.جاكلين وهو يولّي يوليان جُلَّ اهتِمامه:
إذن.. لماذا استمرّيتَ أنتَ بذلك؟
- هل عَرفت؟
- كان من الصّعبِ تَجاهُلُ ابتِسامتكَ قبلَ قليل.
- عرفتَ من مجرَّدِ ابتِسامة؟
- وأشياء أخرى... إذن .. لماذا؟!
- لأجلِ حماية من أُحب..
- هممم.. يَصْعُبُ التّنبُّؤُ فيمن يكونون!
أطلَقَ يوليان ضحكةً خفيفة ثمَّ قال: ألمْ تَقُلْ ابتِسامَتي تلكَ أنّك واحِدٌ منهم؟!
- الأمرُ معقَّدٌ بعضَ الشّيء..
ضَحِكَ مرَّةً أخرى وتمتم: ربّما!
نَظَرَ د.جاكلين عبر عدسةِ مجهره وقال: وما هيَ خطوتُكَ القادِمة؟
- حِمايَةُ سيميون وإخراجُهُ من ذاك المكان في أقرَبِ فرصَةٍ ممكِنة.
...........
ليسَ بالشّخصِ الّذي يُخشى عليه.

كانَ سهلاً عليه التّأقلُمُ مع بيئةٍ جديدةٍ، الدُّخولُ تماماً في عمقِها، ولا يَسَعُ ساكنيها
سوى الحَذَرَ منهُ بصمت، إذ لم يسمَح لغرابته أن تَشِيَ به، حيثُ أنَّ هذه الغرابةَ كامنةٌ
في جوهَرِهِ لا شكله!



كلُّ ما مرَّ به في هذه البيئة كانَ غريباً بطريقةٍ عاديّة، أو.. متوقَّعة،
لكنَّ رؤيةَ زُملائه في هذه اللحظة كانت غريبةٍ بطريقةٍ مؤلِمة.

عمومُ الموقِفِ روتين، اعتادَهُ الجميع، واتَّخَذَ كلٌّ منهم له تدبيراً.
لكن بالنّسبةِ له، ورغمَ معرفته الأكيدة بأنَّ لا مكروهَ سيصيبُه،
كانَ الأمرُ مُخيفاً.

رؤيَةُ تلكَ المروحيّةِ وهي تستقرُّ مُحلِّقَةً على ارتِفاعٍ ثابتٍ وضجيجُها يهزُّ
الأركانَ والأفئدة، ونزولُ أولئكَ الشّياطين والّذين لأوّلِ مرّةٍ يراهُم من هذا المنظور،
قد ألجَمته، وجمّدت حركته.



كانَ الصِّراعُ برأسِهِ قائماً ما بين الهرب، كما يفعلُ الجميع، وبين البَقاء،
فهذه الشّياطينُ صديقَةٌ في النّهاية!!

كانَ هُناكَ مروحيّتان الأولى في نفسِ المنطقةِ الّتي يتواجَدُ فيها،
والأخرى تُحلِّقُ فوق منطقةٍ مُجاورة.

بينَما نَزَلَ كوزما ومالفينا من تلك، فإنّ هذه نَزَلَ منها آليك أوّلاً،
فكَّ الحبلَ من حِزامِه، وسَرعانَ ما رَسَمَ تلكَ الابتِسامةَ الشّيطانيّةَ
على شفتيه قائِلاً بهمجيّة: وقتُ الصّيد..
ثُمَّ انطلق..

من بعدِهِ نَزَلَ لوكا، فكَّ الحبل، عدَّلَ نظّارته الواقية وقفّازه الأسود الّذي يترُكُ أنصافَ
أصابعه مكشوفة، وانطَلَقَ يُمارِسُ لُعبَتَهُ المُفضَّلة.

آخِرُ النّازلينَ كانَ نيكولاي، بعدَ أن فكَّ الحبلَ غطّى عينَهُ اليمنى بالعصابَةِ القُرمزيّة،
رَفَعَ سِلاحَهُ ثُّمَّ مضى..

كانَ قد رآهم في مشهَدٍ مشابِهٍ لكن ليسَ من منظورِهِ هذا، لذا فإنَّ الحيرةَ ألزمتهُ مكانه.

كانَ ليبقى حائِراً يفكِّرُ بالّذي سيفعلُه، لولا أنَّ تلكَ الفتاةَ قد حَسَمت له أمرَه
عندَما مرّت من جوارِهِ راكِضَةً بخفّة، وبذاتِ الطّريقَةِ أمسكت بيدِهِ مُجبِرةً إيّاهُ على المُضيِّ معها.

لم يستَطِع رؤيَةَ وجهها.
من الخلف كانَ بإمكانِه ملاحَظَةُ رشاقَتِها وخفَّةِ حركتها، شعرِها القصير الأزرق
كلونِ السّماء، وقد كانَ يتطايَرُ مع خطواتِها ويكشِفُ عن الوشمِ على الجانب الأيسر
من عُنُقِها.



استمرارُهُ بمراقبة خطواتِها بعدَ أن أبهَرَهُ حُضورُها الهادئ، كانَ ناتِجاً
عن اهتِمامِهِ حديثِ العهدِ بهذهِ السُّلالة، إذ باتَ يرى أنَّ كلَّ ما فيهم مميّز، وجميل!

قاطَعت شرودَهُ بقولِها بنبرةٍ هادئةٍ مُتّزنة:
في مواقِفَ كهذه.. يتوجَّبُ عليكَ الهَرَب، لأنَّكَ لا تعلَمُ متى تكونُ مستهدّفاً.

سادَ الصّمتُ إلّا من صوتِ خطواتِهم الهاربة، وأنفاسِهم اللاهثة.
كانا قد عَلِقا في زُقاقٍ سُدَّ منتَصَفُهُ ببوابةٍ حديديّةٍ مقفَلَةٍ بسلسلةٍ وقفل.

نَظَرَ إلى الخلفِ لمعرفةِ إلى أينَ وَصَلَ مُطارِدُهم.
إن كانَ يتبَعُهُم حقّاً، فهوَ يستهدِفُ الفتاةَ لا محالة.


بالنّسبةِ له؛ هذا شيءٌ لا يستساغ.

شَعَرَ بأنَّ ثاني أوراقِهِ ستُكشَفُ لأجلِ فتاةٍ أخرى،
لكن هذه المرّة لا تربِطُهُ بها أيّة صلة.

الأولى كانت عندَما أنقَذَ ماشا من موتٍ شبهِ أكيد بإيقافِ النّزيف.
ما كانَ لطفلٍ في الخامسةَ عشرةَ من عُمُره أن يقومَ بذلك لو لم يتلقّى تدريباً!
بِحَرَكةٍ رشيقةٍ وسريعةِ تسلَّقَ البوابةَ وقَفَزَ إلى الجانِبِ الآخر،
استَدارَ نحوَها وقال:
تسلّقي وسأُمْسِكـ..

بُتِرت جملَتُهُ عندَما رآها تستخدِمُ دِماءَها الكريستاليّة الّتي تدفّقت من سبّابتها
وتغلغلت في حيِّزِ المفتاح في القفل متَّخِذَةً شكلَهُ ثمَّ قامت بفتحِهِ وعبرت البوّابة.

ابتَسَمَ بدورِهِ مستَخِفَّاً بالعرضِ الّذي كانَ يوشِكُ على تقديمِهِ لها، ثُمّ لَحِقَ بِها.
وخلالَ هذه الثّوانِي القليلة استَطاعَ رؤيةَ ملامِحِها؛
قرينتُهُ في السّن، عينانِ عسليّتانِ كعينيه لكنّهما أقرب إلى الاصفِرار، رُموشٌ طويلة
وبشرةٌ بيضاءُ كالحَليب.

في المُجمَلِ تبدو ملامِحُها شقيّةً بِهدوء!!

سألتْهُ بينما تسبِقُهُ راكِضَةً ببضعَةِ خطواتٍ: أنت..هل تُجيدُ استخدامَ دمائِكَ الكريستاليّة؟

ردّ تلقائيّاً وكأنّما أرادَ للإجابَةِ أن تخرُجَ على حقيقتها: لا!

- قفزَةٌ كتلك.. خلتُها قد تُصادِفُ أنّك تُجيدُ استخدامَ دمائِكَ!



توقّفا أمامَ مبنىً مهدَّمٍ، دخلت هيَ أوّلاً قافِزَةً من النّافذة، وتَبِعَها سيميون،
وجلسا يحتميانِ تحتها.

سيطَرا على أصواتِ لُهاثِهِما بعدَ فترةٍ، كانَ هو خِلالَها يستمِرُّ بالنّظرِ إليها بينَ فينةٍ وأخرى.

وقد سَرَقَ لُبَّهُ مَظهَرُها؛
عيناها الصّفراوتان تتوسّطانِ شعرَها الأزرقَ مثل شمسينِ صَغيرتين وَسَطَ السّماء.

كلُّ ما فيها مُشع، وحركةُ جُفونِها فوقَ عينيها ساحِرَةٌ ببُطئِها وهدوئِها.

كانَ يُفكِّر:
أستَطيعُ الشُّعورَ بخوفِها، رغمَ ما تُحاوِلُ استدعاءَهُ من بسالة.
ربّما لأنّها تعلَمُ أنّها المستهدَفة، وتعلَمُ أنَّ ما من فريسةٍ أفلحت بالهربِ من صائِدِها.
لا بُدّ وأنها تفكِّرُ بطريقةٍ تمكِّنُها من ذلك، أو معجزةٍ تُحقِّقُ لها ذلك.
ضرباتُ قلبِها تصدَحُ في المكان..
يَدُها المرتَعِشة.. لو لم أرَ ما فَعَلتهُ الآنَ بدمائِها، لأمسكتُها أواسيها..
ستكونُ بخيرٍ وحدَها.!

نَهَض، وقد لَفَتَ انتِباهها إذ أطلَّ برأسِهِ لرؤيةِ أينَ وَصَلَ مُطارِدُهم،
وقد كانَ قريباً بالفعل..
إنّه نيكولاي وقد تجاوَزَ البوّابةَ المعدنيّةَ وهو يتقدَّمُ بخطواتٍ هادئةٍ حذرة،
ويوجِّهُ سِلاحَهُ إلى كلِّ مكانٍ باحِثاً عن فريسته.

عاوَدَ الجلوسَ إلى جوارِها وَهَمس بنبرةٍ لطيفة:
لِمَ ساعدتني قبل قليل؟

ردّت بينَما لا تنظُرُ إليه: لأنّك كنتَ بِحاجَةٍ إلى المُساعدة.

قالَ وهو ينهَضُ ببطءٍ وقد تبدّلت نظراتُه البريئة إلى أخرى خاوية تماماً:
أخشى أنّكِ أنتِ من يحتاجُها الآن..

عبارَتُهُ تلك وخاصَّةً بعدَ أن رأتهُ يهمُّ بإظهارِ نفسِهِ مع تلك النّظرات قد
أثارتِ بقلبِها شُكوك الخيانة، حاولت إيقافَهُ مستفهِمة:
هيه.. توقَّف !!

الجَلَبَةُ الّتي أحدَثَها فورَ خُروجِه جعلت نيكولاي يوجِّهُ سِلاحَهُ نحوَهُ فوراً،
لكنّه بعدَما رآهُ قالَ باستفهام: سيميون؟! ماذا تفعَلُ هُنا؟!

قالَ سيميون: أيُّها القائد.. قل لي.. لِمَ نحنُ نصطادُ الدّكستروكارديا؟

صَمَتَ نيكولاي قبلَ أن يُجيبَ بملل: ما الأمر مع الجميع؟!
صَمَتَ مرّةً أخرى ثُمَّ أردف: فعليّاً.. أنتَ تعلَمُ لِمَ نفعَلُ ذلك..
من جِهتي.. أنا لستُ سوى جُنديٍّ ينفِّذُ الأوامر.

- إذن.. ماذا عن الوقوفِ عند هذا الحد؟

- ماذا تقصد؟

- لِمَ لا نترُكُهم وشأنَهم فحسب!!

صَمَتَ، أدارَ بَصَرَهُ في السّماءِ بحثاً عن إجابة ثمَّ تنهَّدَ قائلاً:
اللعنة! فقط ما الّذي يحدُث؟!

قاطَعتهُما نبرةٌ حادّة: إذن ففي النّهايةِ أنتَ منهم!

نَظَرَ كلٌّ منهُما إلى الاتّجاهِ الّذي جاءَ منهُ الصّوت..

في تلكَ الزّاويةِ المُظلمةِ من الزُّقاق ظَهَرت لمعَةُ عينيه الزُّمرُّديتين،
أظهَرَ نفسَهُ وتبختر بينَما يقتَرِبُ منهُما أكثر، ما استدعى نيكولاي إلى توجيهِ سلاحِهِ
نحوَه.

أردَفَ موجِّهاً كلامَهُ لسيميون: ألم أقل أنّي سأقضي عليكَ لو كُنتَ واحِداً منهم؟!

ارتَسَمت ابتِسامَةُ تحدٍّ على شفتي نيكولاي وقال:
ياااروو.. وأخيراً.. وجهاً لوجه..
...................

تنبَّهَ إلى تأخُّرِهِ قبلَ أن يسمَعَ صوتَ المروحيتينِ ويعلَمَ بقدومِ أولئكَ الصيّادين،
وقد ازدادَ قلقه بعدَ ذلك.

كانَ يُفتَرَضُ بيارو أن يجيءَ لزيارةِ ماشا في المستشفى، لكنّه استغرَقَ وقتاً أطوَلَ مما يجب.

أمسَكَ بكفِّ ماشا وقالَ بلُطف: انتَظِريني هُنا.. سأذهَبُ لإنجازِ أمورِ خروجِكِ
من المشفى ثمَّ أعودُ على الفور لاصطِحابكِ إلى المنزل.
- ويارو؟!

- سيجيءُ معنا بالطّبع.. لا تبرَحي غرفتك!

خَرَجَ راكِضاً والقَلَقُ يكسو مَلامِحَه، وتوجَّهَ إلى حيثُ من الممكِنِ أن يتواجَدَ يارو؛
المنطقةُ الأكثر اضطِراباً!

قَطَعَ الشّوارِعَ والأزِقَّةَ واحِداً تلوَ الآخر في اتّجاهٍ يُعاكِسُ الفارّين من الصّيد.
هذا المشهد بدا لَهُ كخلفيَّةٍ باهِتةٍ لكثرَةِ ما رآه..

وحَدَهُ ذاك الفتى بَرَزَ فيها بِسلاحِهِ الكبير، عينيه الخضراوين العميقتين،
شعرِهِ الأشقر وابتِسامته الطّفوليّة اللعوبة، وقد كانَ يُطارِدُ فريسته؛
فتاةٌ قد انصبَّ الرُّعبُ في قلبِها فباتت تتخبَّطُ في سيرِها
ولا تدري أينَ تَحُطُّ بقدميها.

مع مشهَدٍ متكرِّرٍ كهذا، خالَ ديميان أنَّ ذاك الفتى سيستمرُّ بممارسةِ لُعبته ولن يعبَأ به.

لكنْ فورَ أنْ لَمَحَهُ لوكا توقَّفَ عن مُطارَدَةِ فريسته واستدارَ مواجِهاً ديميان
والّذي يقِفُ على بضعَةِ أمتارٍ منه.

اتّسعت ابتِسامتهُ اللعوبة وقال بنبرةٍ ساخِرة:
وَ.. جدْ.. تُكـ.. !
.................



انتهى







[/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة Aŋg¡ŋąŀ ; 07-12-2019 الساعة 12:19 AM
رد مع اقتباس