عرض مشاركة واحدة
  #25  
قديم 12-10-2016, 09:59 AM
 
heart1 الخطيئة الثّالثة: الغَضَب

[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:70%;background-image:url('https://www.up4.cc/image99839.html');border:4px solid darkred;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]

[/ALIGN]
[ALIGN=center]


وأخيراً الفصل نزل

قراءة ممتِعة





كانَ يَقِفُ قُبالَةَ ذاك الّذي تحوَّلَ إلى وحْشٍ تكسو الدِّماءُ الكريستاليَّةُ ،اللامعةُ
بفعلِ أضواءِ الشارع، جَسَدَه ، ويُحاوِلُ رفعَ سِلاحِهِ الكبير الّذي ما عادَ بمقدورِه حملُه
بيديهِ المُرتَجِفَتين.

عيناهُ العسليّتانِ الجاحِظتانِ والعَرَقُ الّذي يتصبَّبُ على وجهه، فضْلاً عن بدنه المرتَجِف،
إشاراتٌ كافيةٌ لتدُلَّ على كمِّ الرُّعبِ الّذي اجتاحَ قلبه..

بالتّأكيد..! فَجُثَثُ أصدِقائه الملقاةُ على الأرضِ، من بينِهم أكثَرُهم قوَّةً؛ نيكولاي..
وأكثَرُهم تبجُّحاً؛ آليك.. وغيرهم كوزما ومالفينا،
وأخيراً لوكا الّذي لا زالَ يُمسِكُ به من رقبته وقد غادَرتِ الحياةُ جَسَدَه، قد رَسَمت
له صورةً واضِحَةً عن المستقبَل الّذي ينتَظِرُه..

بَدَأ ذلك الوحشُ بجرِّ جَسَدِ لوكا على الأرضِ ويتقدَّمُ نحوَهُ ببطء، وقد كانَ صعباً عليهِ
مع سِلاحه الثّقيلِ الّذي يُثقِلُ خُطواتِه أن يتراجع بسرعة..
ألقى الوحشُ جُثّةَ لوكا بطريقَةٍ لا مُباليةٍ ومُهملة واستمرَّ في تقدُّمه والآخَرُ يتراجَعُ بتثاقل.

وبصعوبَةٍ استطاعَ رفعَ سِلاحه..

إنّهُ بحاجَةٍ إلى أن يُطلِقَ فَحسْب..

يَدُه ترتَجِفُ فوقَ الزِّنادِ وكأنَّ إصبعه قد تشنَّج، ومع كلِّ خطوَةٍ يخطوها إلى الوراءِ
يزدادُ خوفه، فذاكَ الوحشُ يقتربُ منه أسرَعَ مما يتراجع..

استجمَعَ كلَّ ما لديهِ من قوّةٍ وَضَغَطَ على الزِّناد.. كانَ قد بَلَغَ حدَّهُ بالفعل..

تشوَّشَتِ الرُّؤيَةُ في عينيه وبَقِيَ خيالُ ذلك الوحشُ أمامه.

ورغمَ أنَّهُ لم يكن يستَطيعُ الرُّؤيَةَ جيِّداً إلّا أنَّهُ أرادَ أن يشهَدَ نِهايته..


رَمَشَ رمْشَةً واحدة..

الطّلقةُ الّتي أطلقها أصابت يوليان !! وقد كانَ آخِرُ ما في ملامِحه هو ابتسامةٌ كالمُعتادَةِ منه؛
عذبةٌ، رقيقةٌ وتُشعِرُ بالدِّفء..



ثمَّ لم يَعُد يرى غيرَ السّواد!



...........................



آمم.. أَحَدُهم يلمِسُ جبهتي.. يدٌ ناعِمةٌ ودافئة..!

فَتَحَ عينيه شيئاً فَشيئاً.. أوّلُ شيءٍ يراه هو وجهُ ماشا البريء وقد استمرَّت ترمِشُ ببراءةٍ
وهيَ تَضَعُ يدَها على جبهتِه رافِعةً خِصلات شعرِهِ المحمرّ وتنظُرُ إليه..

أغمَضَ عينيهِ براحَةٍ وَهَمس: حُلم!!

قالت بنبرتها الرّنانة: شاهدتَ حلماً إذن؟! خِلْتُكَ مريضاً..
صَمَتت قليلاً ثُمَّ قالت: أنتَ بخير؟!

بَدَأَ يسنِدُ نفسَهُ فابتَعَدت عنه وبقيَ يحدِّقُ بِلا شيء وهوَ شارِدُ الذّهن.

- أنتَ بخير؟

نَظَرَ إليها بطرْفِ عينه، صَمَتَ قليلاً قبلَ أن يُجيب: أجل! بخير!

- هل كانَ حلماً عن عائلتك؟

استمرَّ ينظُرُ إليها بصمتٍ ثمّ قال: أجل!

- لا بُدَّ وأنَّهُ كانَ سيئاً.. لا أدري لماذا.. ولكنّني أيضاً عندَما أحلُمُ بأخي ديميان ويارو
تكونُ بأغلَبِها أحلاماً سيئةً ومزعجة..

ضَحِكت برقّةٍ وتابَعت: لكنّي اعتدتُ الأمر..

حلَّ الصّمتُ، كانت هي تنظُرُ إليه متفحِّصةً وهوَ يُقابِلُها بالبُرود، ثمَّ قال:
أنتِ وديميان إخوة؟


قالت بابتسامةٍ عريضة: أجل.. حتّى إنّني أشبهه

وختمت عِبارَتَها بضحكةٍ أو لربما رنّة قصيرة

- هذا صحيح..
صَمَتَ لبُرهَةٍ ثُمَّ قال: ماذا عن يارو؟!!

- همم.. كُنّا نعيشُ معاً في بيتٍ للأيتام.. لذا هو مثل الأخ الكبير لنا..
وعندما تمكّن من افتتاحِ هذا المقهى أخَذَنا لنعيشَ معه.. إنّه لطيفٌ جِدّاً
ويستمِرُّ بالاعتِناءِ بِنا رغمَ كلِّ شيء.. ماذا عنك؟ هل لديكَ إخوة؟


فكَّرَ قليلاً ثُمَّ أجاب: كلّا..
دُهشت وقالت: يااه.. هذا فظيع.. ألِهذا السَّبب لا تبتَسم؟! هممم.. حسناً حسناً..
ما لو أصبحتُ أنا أختاً لك؟

- حقّاً؟

- أجل ^___^

- سيكونُ هذا رائعاً..

قالت بنبرةٍ جادّةٍ والحَماسُ يلمَعُ في عينيها: إذن.. أختُكَ الجديدَةُ سَتُريكَ شيئاً سَيُبهِجُك..
أنا لا أتوقَّفُ عن الضَّحِكِ عندَما يُريني ديميان ذلك.. انتظر قليلاً.. سَأعود..

وغادَرت راكِضَةً وخِصلَتا شعرِها تقفِزانِ مع عَدوِها..

شيء يُبهِجُني؟! الابتِسام؟! هل جرَّبتُ هذا الأمر حتّى؟ هذه الفَتاةُ مُثابرةٌ حقّاً..
هذه وُجِبَ أن تكونَ مهمَّةُ يوليان.. يوليان!!

ما الأمرُ مع هذا الحُلم؟ هل كانَ ذاك الوحشُ من الدّكستروكارديا؟ هل بإمكانِهم الوصولُ
إلى تلكَ الدّرجةِ من الصُّمود؟ هل هم خالِدون؟ ما الّذي جاءَ بيوليان؟
وما بالُ تلك الابتِسامةِ البلهاء؟ لقد ابتَسَمَ لي رغمَ أنّني أطلقتُ عليه!!

انتَفَضَ جَسَدَه، ثُمّ هزَّ رأسَهُ..

لا تُهوِّلِ الأمرَ سيميون.. إنَّهُ مجرَّدُ حُلُم..

تنهَّدَ وهو يُغمِضُ عينيه وعندَما فَتَحَهُما وَجَدَ ماشا تَقِفُ أمامه وهُناك ابتِسامةٌ عريضَةٌ
تَشُقُّ فاها.. تقدّمت وهيَ تقول:
كانَ الحُصُولُ عليها صعْباً دون أن يراني يارو..

كانَ سيميون ينظُرُ إليها باستفهامٍ، وقد كانَ صعباً عليهِ أن يعرِفَ عمّا تتكلّمَ قبلَ
أن تكشِفَ عمّا بيدِها ليزدادَ ذُهولاً..

بدأت بتقريبِ الشّفرةِ الّتي تحمِلُها من عُروقِ رُسغِها وهيَ تنظُرُ إلى سيميون بسعادةٍ وفَخر..

أمّا هو فما كانَ بمقدورِهِ أن يستوعِبَ ما تُقدِمُ على فعلِه..
صوتٌ ما بداخِلِهِ كانَ يَحُثُّهُ على إيقافِها.. وآخَرُ يطلُبُ منهُ التَّريُّث،
فَملامِحُ الثِّقَةِ والحَماسِ المرسومَةِ على وجهها تستحِقُّ ذلك..

انصبَّ جلُّ تركيزِهِ على يَدِها مُتلهِّفاً لرؤيَةِ ما يُمكِنُ لطفلَةٍ من الدّكستروكارديا فِعلَه..

شيءٌ يُبهِجُه!!

لكنّ الدِّماءَ العاديّةَ الّتي تدفّقت من يَدِها أرجعَت لهُ آمالَهُ وقد كَسَرتها الخيبة..

سَخافَةُ الموقِفِ وما احتواهُ من سَذاجَةٍ بعدَ الآمالِ الكبيرةِ الّتي رَسَمَها في بالِه مُستَنِداً
على ملامِحها الواثِقَةِ وحَماسِها المفرطِ أنساهُ أنّ الطِّفلَةَ أمامَهُ تنزِف..
أجل.. فمن ذا يُقدِمُ على فِعلَةٍ عقيمَةٍ كهذه مع هذا الكمِّ من الثّقة؟!!

والّتي قد تبدّدت بالفعل.. فقد حلَّ عِوضاً عنها شُعورٌ بالخيبةِ والخذلان..

كانت تنظُرُ إلى النّتيجَةِ الّتي خلّفتها فِعلَتُها المتهوِّرَةُ ببلاهةٍ، ثُمّ رفعت رأسَها ببطءٍ
لتنظُرَ إلى سيميون، ومضمونُ نَظرَتِها؛ اعتِذارٌ وخوفٌ وطلَبٌ للنّجدةِ قد تأخَّر سيميون
بتلبيته بسبب بلاهةِ الموقف، لكنَّ سقوطَها أرضاً قد قَشَعَ ملامِحَ البُرودِ عن وجهه وجَعَلهُ
يَهُبُّ من فِراشِه صارِخاً يُنادي: يارو.. ديميان.. يارو..
وبصوتِ أخفض: اللعنة!

أمسَكَ يَدَها ورَفَعَها إلى الأعلى بسُرعة، حلّ إحدى ربطاتِ شعرِها المطّاطيّةِ
ورَبَطَ بِها ساعِدَها وهو يستَمِرُّ بالضّغطِ على موضِعِ الجُرح.

............

ما كانَ ليستَجيبَ لِنداءِ سيميون لو لم يَحمِل تلكَ النّبرةَ الجَزِعة،
وشُعورِه المُطلق بأنّ هُناكَ خَطباً ما يتعلَّقُ بماشا..

كانَ يوشِكُ على تقديمِ الشَّرابِ لأحدِ الزّبائن، لكنّه فورَ سماعِهِ لذاكَ النِّداءِ ألقى الصّينيَةَ
من يده على الطّاوِلَةِ أمامَ الزّبونِ.. وقد كانت استِجابَتُه أسرَعَ من استِجابةِ ديميان الجالس
على الأريكةِ ولا يفعَلُ شيئاً كالمُعتاد!

يارو الّذي صَعَدَ الدّرجاتِ اثنَتين اثنَتين قد وَصَلَ أوّلاً، وَقَفَ لدى البابِ يلتَقِطُ أنفاسَه
وكَتِفاهُ يأخُذانِ طريقَهُما صُعوداً وهُبوطاً، ويُحاوِلُ تهيئةَ نفسِه لأمرٍ قد يَهولُه.

أمسَكَ مقبَضَ البابِ، رَمَشَ بِخِفّة وتوتُّرٍ مرّتين، أدارَ المقبض ثمَّ دَفَعَ البابَ بِخفّةٍ
ليفتَحَ بدوره حتّى آخِرَه وبانَ من خلفِهِ سيميون وهوَ يَحمِلُ ماشا بينَ ذِراعيه،
ويَنظُرُ نحوَ يارو بِجزع..

كانَ قد حضَّرَ بالفعلِ ما سيقولُه كي لا يَظُنّا أنَّهُ من تسبّبَ بذلك، فما أصابَهُ من جَزَعٍ
كانَ لخوفِهِ منهُما على خُطَّتِهِ أكثَر من خَوفِه على الطّفلة..

لكنّه احتَفَظَ بتبريراتِه لنفسه..
فيارو لم يتفوَّه بكلمةٍ ولا حتّى ديميان الّذي بَقيَ واقِفاً لدى الباب.

خَلَعَ يارو مئزَرَ العَمَلِ وألقاهُ أرضاً.. بِهدوءٍ مشى نحوَ سيميون الّذي قالَ بصوتٍ مكتومٍ:
تحتاجُ إلى طبيب..

تناوَلَ يارو ماشا واستدارَ ليخرُج
بالنّسبَةِ لسيميون؛ المشهَدُ برمَّتِهِ بدا غريباً وبِحاجَةٍ إلى تفسير،
منذّ أن أقدَمت ماشا على فِعلَتِها المجنونةِ وانتِهاءً بتجاهُلِ يارو لهُ وعدم استجوابِهِ بشأنِ ما حَدَث.

فاستِناداً إلى الصُّورةِ الّتي رَسَمَها في عقلِه لشخصيّةِ يارو، فَهُوَ بالتّأكيدِ سيسأل: كيف؟
متى؟ ولماذا و.. ؟ أو سيقطَعُ له رأسَهُ فوراً ولن يكونَ هُناكَ فُسحَةٌ لأيِّ سؤالٍ أو جَواب!

وقد يَكونُ امتِناعُ يارو عن كلِّ ذلك هو لأنّهُ يَعرِفُ تماماً ما حَصَل.
فالنّظرَةُ القاتِلَةُ الّتي استَهدَفَ بِها ديميان قُبيلَ خُروجِه، ودفعِهِ لإبعادِهِ عن الباب
وقولِهِ بنبرةٍ متوعَّدَةٍ: إيّاكَ والاقتراب..

دَلالاتٌ كافِيَةُ على وجودِ صِراعٍ بينَهُما بشأنِ شيءٍ ما..

زَفَرَ بتوتُّرٍ فَجاءت تنهيدّتُه متقطِّعة ثُمَّ مَشى ليلحَقَ بيارو ونظراتُه المستفهِمَةٌ مثبَّتَةٌ على ديميان.

.............

لَقد تَحوَّلَ إلى بُركانِ ثائِرٍ استفزّتهُ رؤيَةُ ديميان وقد جاءَ إلى المشفى بعدَ أن
طَلَبَ منهُ عَدَمَ الاقتِراب.. وقد جَلَبتهُ ضرورةُ أن يَكون، ونزعَةُ التّحدي الّتي لطالما
كانت مغروسَةً فيه. يُحِبُّ أن يواجِهَ فوضى الكونِ بشريَّةَ الخلقةِ بِرُكودِ المُحيطِ الأزرق في عينيه.

ولطالَما استفزّ ذلك في الآخَرينَ الغَضَبَ والحَذر، فكون أنّ مُحيطاً راكِداً يبقى صامِداً
دوماً وسطَ ثورَةِ البراكين ليسَ أمراً يسهُلُ توقُّعُ عواقِبِه ولا يصنَعُ نِهايَةً لأيِّ سيناريو،
ولا يَقِفُ عند حدِّ الرُّكود!

في المُقابِلِ فإنَّ ما لدى يارو من تهوُّرٍ، أو ما قد يكونُ حَميَّةً، لا يَجعَلُه شخصاً يُؤْمَنُ
أو يُقرَبُ جانِبه! فقد خُلِقَ تَهَوُّرُه منظّماً وَيخضَعُ لقوانين لا تسمحُ له بأن ينَجرِفَ خلفَ
نزعَةِ الغُرور. إنّ المبدَأَ الّذي يحكُمُهُ هو أن لا يجعَلَ تهوُّرَهُ يُؤذي من يهتمُّ بأمرِهم
بالدَّرَجَةِ الأولى، ثُمّ لا يعبأُ بغيرِهم، فيكونُ هذا التّهوُّرُ جَحيماً عليهم.

بوقوفِهما صامِتين، ولا حَديثَ دائِرٌ بينَهُما سوى بالعينين، وموجَة الغَضب الّتي طَرَحت
اللطفَ من ملامِحِ يارو، وأوَّلُ مدٍّ أخَذَ يَشُقُّ طريقَهُ في ذاك المُحيط الرّاكد ليَفيضَ على
ما لدى ديميان من هُدوءٍ ولا مُبالاة، كانَ جليّاً أنَّ ما سيحدُثُ لن يَقِلَّ عن كونِه صِراعاً
دمويّاً لا يبقى فيه اثنين.

شَرارَةٌ صَغيرةٌ كَفيلَةٌ ببدءِ ذلك..

الاشمئزازُ الّذي يشعُرُ به يارو من هذا اللامُبالي الواقف أمامه قد قَتَلَ نبرَتَهُ الهادئة،
قالَ بتعالٍ والاشمئزازُ يُغلِّفُ كلَّ كلمةٍ يقولُها:
ألم أخبركَ ألّا تقتّرِبَ؟!

ردّ بنبرةٍ ساخِرة: أوه.. حقّاً؟ تلكَ أختي كما تعلم!

- أجل.. رأيتُ حقّاً ما حَدَثَ لَها بسببك.

أخرَجَ ديميان شَفرَةً صَغيرةً وقرّبها من رُسغه وقالَ بنبرةِ غاضبة: ذلك ليسَ من شأنك.

حرَّكَ يارو عينيهِ نحو رُسغِ ديميان، ضَيَّقَ عينيه وقال بعدَ أن عاوَدَ النّظَرَ فيه عينيه:
وهل كانَ من شأنِكَ أن تُحقِّقَ بشأنِ أفعالي وأن تُلقِيَ عليَّ الدُّروسَ بشأنِ ما أفعل..
وأن تتوعّدَني بِعقابٍ إن سبّبتُ لها الأذى؟ ألا تَرى أنَّ أفعالَكَ تُناقِضُ أقوالَكَ ومبادِئك؟

آخِرُ عِبارَةٍ دَفَعت ديميان لقطعِ شرايينه وتدفَّقَ الدَّمُ منها، وبَدَأ يتحكَّمُ بالشّكلِ الّذي سيكوِّنه،
فشكَّلَ شيئاً معقوفاً وبِهِ أكثَرُ من رأسٍ حادّة..
قالَ يارو: أجل.. أرِها الآن كيفَ أنّ ذاك الشّيء الجميل الّذي كُنتَ تتفاخَرُ بِه أمامَها
سيقتُلُ صديقاً

جَرَحَ نفسَهُ بدورِه مشكِّلاً شيئاً حادّاً كبيراً، وما لَبِثَ أنهى تشكيلَهُ حتّى انقضَّ عليه ديميان لتبدَأ
بينَهُما معركةٌ ضاريةٌ يحضُرُها سيميون وقد شُدِهَ عقلُهُ مما يرى، فيكادُ ما يَحدُثُ يكونُ
خَيالاً أكثَرَ منه حقيقةً (هو خيال بالفعل.. بس هم عايشين الجو )

يَقولُ ديميان بينَما يوجِّهُ ضربَةً ليارو: وكأنَّكَ لم تستخدِم دِماءَكَ الكريستاليّةَ
لقتلِ النّاس.. الجميعُ يتحدَّثُ عن قتلكِ وتنكيلِكَ بأولئكَ العُملاء، أتظُنُّ أنّ ذلك لن يؤذينا
بطريقةٍ ما؟

- لقد قلتَها.. عُملاء.. قَتلي للعُملاءِ لن يؤدّي بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ لجعلِكم عُرضَةً للخطر،
ليسَ كما فَعَلَ استِهتارُك

اشتَعَل ديميان غَضَباً وازدادت ضرباتُه حِدَّةً وسُرعة..
- اللعنةُ عليك! تستَطيعُ تبريرَ ذلكَ بكلِّ بُرود!

- بل بكلِّ فخر.. تلكَ كانت أولى خُطواتي لمُقاوَمَةِ هذا الواقِعِ القّذر، وقد اكتَسَبتُ
قوّةً تُمكِّنني من القَضاءِ على أيِّ فردٍ من المُنظَّمَةِ ولن يُخيفني ما لديهم من معدّات.

بَدأ قِتالُهم يزدادُ حِدّة؛ الضّرباتُ الّتي يتبادَلانِها تُصِبحُ أسرَعَ وأقوى،
وأجزاءُ السِّلاحِ الكريستاليِّ تتكسَّرُ وتتناثَرُ هُنا وهُناك، أصابت إحداها وجنَةَ يارو
فَجَرَحتها فسالَ الدَّمُ وتصلَّبَ من فورِهِ مشكّلاً كريستالة صغيرة سدّت الجُرح،
ثمّ أبعَدَها يارو بظهرِ يده..

من القتالِ بأكمله كانت تلك الكريستالة الصّغيرة أكثَر ما لَفَتَ انتِباهَ سيميون،
فلقد أعادت إلى ذاكِرَتِهِ جُزءاً من حُلُمه.. فماذا لو كَسَتِ الجُروحُ جَسَده؟
هل ستتشكَّلُ الدِّماءُ الكرستاليّةُ وتغطيها؟ سيصبِحُ يارو مثل ذلك الوحشَ بالتّأكيد.

انشِغالُ يارو بإزاحةِ تلكَ الكريستالة أعطى فُرصَةً لديميان ليقومَ بهجومٍ آخر..
فبينَما يَصُدُّ يارو ضربَتَهُ تلك قامَ بكسرِ سِلاحِه والّذي قد تناثَرَ كرمالٍ صَغيرةٍ لامعة
وقامَ بسرعةٍ كبيرةٍ بتشكيلِ آخَرَ مكَّنَهُ دون القيامِ بأيِّ حركةٍ من بُلوغِ عُنُقِ يارو،
وقد قامَ بجرحِها بالفِعل لتتشكَّلَ كريستالة أخرى..!



ثمَّ توقَّفا يلهَثانِ عندَ هذا الحد.. وقد ابتعدا عن بَعضِهما

قالَ ديميان بينما يقطَعُ عليهِ اللُّهاثُ كلامَه: وما الّذي يمكِنُكَ فِعلُهُ وَحيداً أمامَ جيشِ
المُنظَّمة؟ ليسَ وكأنَّكَ تمتلِكُ جيشاً من الدِّكستروكارديا القادِرينَ على استِخدامِ دمائِهم
الكريستاليَّةَ كسِلاح.. نحنُ وَحيدونَ في ذلك.. يارو..

- لا آبَهُ حَقَّاً.. لا أحتاجُ لجيشٍ لأهزِمَ جُنودَ المُنظَّمةِ، فَهُم حفنَةٌ من الجُبناء
(أو البعوض على رأي هيما ) الّذينَ يتحصَّنونَ وراءَ معدّاتِهم..
ما أضعَفَنا هو الجَحيمُ الّذي نعيشُ فيه.. وقد سَئِمتُه بالفِعل وأريدُ الخُرُوجَ منه
ولو عَنى ذلكَ إلى الموت.

- تتحدَّثُ وكأنَّ الأمرَ بتلكَ السُّهولة، لو كانَ كذلكَ لما صَبرنا كلَّ تلكَ السِّنين.

- لم يَكُن الدّكستروكارديا قادِرينَ على التَّحكُّمِ بدمائهم الكريستالية، ووجودُ أمثالِكَ من اللامُبالين والّذينَ يَثِقونَ بكلِّ من هبَّ ودبّ هُم السّببُ في ذلك..

كانت وتيرةُ الشِّجار تهدأ وتخبو لكنّها عادت لتثورَ مع قولِهِ وقد أشارَ فجأةً نحوَ سيميون
وقالَ بِغَضَبٍ وعيناهُ تجحظان: ذاكَ الفتى.. لِمَ وثقتَ به؟ أ لأنَّهُ جاءَكَ باكياً؟ ألم تعتَقِد
لوهلَةٍ أنّهُ من المُنظَّمةِ وقد دُسَّ إلينا؟ اللعنة! أكادُ أجزِمُ بذلك..

نَظَرَ إلى سيميون وقالَ بتوعُّدٍ وكلُّ بدنه يرتَعِد:
الويلُ لَكَ لو تأكَّدت ظُنوني..

قالَ ديميان ناهِراً: إنّهُ من الدّكستروكارديا يا أبله! ألا تَرى الوشمَ على عُنُقه؟

نَظَرَ يارو إلى ديميان وقالَ باستخفافٍ وغَضَب:
وهل سيَكونُ من الصّعبِ تزويرُ واحد؟
عاوَدَ النَّظَرَ إلى سيميون وقال: كُن واحِداً منهم.. وسأقضي عليك.


........................



مثلَ وحشينِ ضارِيَين.. كما لم أتوقّع أن أراهُما قط.. حتّى آخِرِ لحظَةٍ قبلَ ذلكَ وأنا أخالُهم
مجرَّدَ خرفانٍ ضالَّةٍ عاجزة.. إنّ الأمرَ أشبَهَ بمُشاهدةِ نزالٍ بينَ فضائيَّين!
كم من الممكِنِ أن يكونَ الأمرُ غريباً وجديداً!

كادَ يُغمى عليَّ من فرطِ الحماسِ لرؤيةِ المَزيد، ولمعرفةِ ماذا يُخبِّئُ الدّكستروكارديا
غيرَ ما نعرف، وغيرَ ما رأيت!

إنّ الأمرَ يتعدّى كونَهُم بِقلوبٍ يُمنى ويملِكونَ دِماءً كريستاليّة، بل إنّهُم يشكِّلونَ
بُعداً آخَرَ للحياة..

لقد كانَ النِّزالُ بينَهُما لدافِعِ التّعبيرِ والتنفيسِ عن الغَضَبِ أكثَرَ من كونِه نِزالاً لأجلِ
أن يبقى واحد.. رغمَ أنَّ حِدَّتَهُ قد أوهَمت بذلك..
العَلاقَةُ بينَهُما قد تُصبِحُ وثيقةً أكثَرَ مما كانت عليه.

وعلى صَعيدِ الدِّماء، فقد كانَ الأمرُ جنونيّاً، تتشكَّلُ وفقَ رغباتِهم، بإمكانِهم صُنعُ أسلِحةٍ
أو ألعابٍ يتسلونَ بِها، ولا أنكِرُ ما تتمتَّعُ به من جَمالٍ في كِلا الحالَتين..
وفي أيِّ لحظَةٍ بإمكانِهم كَسرُها وتحويلُها إلى فُتاتِ بِكُلِّ سُهولَةٍ رغمَ صَلابَتِها.

يتمتّعانِ بقوَّةٍ كبيرةٍ وسرعةٍ خارقة في القِتال.. إنّي محظوظٌ كوني أوَّلَ من رأى ذلك..

المدعوُّ يارو، وحشٌ بالفعل.. الحِدَّةَ الّتي قاتَلَ بِها صديقَهُ جَعَلتني أفكِّرُ
بأنّ الطريقةَ الّتي قَتَلَ بِها العُملاءَ هي ألطَفُ ما لديه.



إنّه قادِرٌ على تشكيلِ أسلحةٍ كبيرةٍ صُلبَةِ ولا تنكَسِرُ بسهولةٍ، ولم أرَ أنّهُ يواجِهُ مشاكِلَ
مع حجمِ دمائه أو أنَّ نقصَ الدِّماءِ يؤثِّرُ عليه،
فالواضِحُ أنّه يتدرّبُ منذُ زَمنٍ ولا شكّ أن تعويضَ النُّخاعِ لديهِ سريعٌ جدّاً.

وكما قيل، فقد قامَ وحدَهُ بإبادَةِ العُملاء، لا شُركاءَ له في ذلك..
بل لا مثيلَ لهُ في القدرةِ على تشكيلِ الأسلِحةِ الكريستاليّة غيرَ صديقِهِ ديميان؛
الفتى الّذي تحدَّثَ عنهُ لوكا، وهو لا يَقِلُّ عن يارو، بل لربّما يمتَلِكُ قوَّةً أكبر،
فالتّبديل بينَ الأسلِحةِ المصنوعةِ من دمه سريعٌ للغاية وهو أيضاً لا يتأثَّرُ بفقدانِ
تلكَ الكميّاتِ من دمه.

على غِرارِ يارو الّذي يُظهِرُ عِداءَهُ للعُملاءِ والمنظمةِ ولا يفوِّتُ فرصَةً للقضاءِ عليهم،
فإنَّ ديميان لا يُظهِرُ ذلك، لكنّهُ وبلا شكِّ لن يَتغاضى عن أيِّ اعتداءٍ للمنظَّمةِ عليهم..

وبالأخص أختُهُ الصّغيرة ماشا، هيَ أيضاً من الدّكستروكارديا لكنّ صغرَ سنِّها
لا يُعطيها القُدرَةَ على تشكيلِ الدِّماءِ الكريستاليّة بعد..

إنَّهُما يُشكِّلانِ خَطَراً كبيراً، وأيُّ إجراءٍ سيتَّخَذُ بِحَقِّهم يجبُ أن يكونَ مدروساً بدقّة.

انتَهى من سردِ تقريرِه لقائِدِه الّذي ربّتَ على رأسِه بعدَ انتِهاءه وقالَ مع ابتِسامةٍ لطيفة:
أحسنتَ عزيزي، سَعيدٌ لِرؤْيَتِكَ بِخير.

نَفَخَ سيميون وجنَتيهِ وتحدَّثَ بنبرةٍ طفوليَّةٍ وهو يُشيحُ ببصره عن قائِده:
أجل.. ماذا عنكَ يوليان؟ هل كلُّ شيءٍ بِخَير؟

- أجل! بالتّأكيد! وما الّذي سيجري لي؟

ردَّ سيميون متلكِّئًا وبذاتِ النبرةِ الطّفوليّة:
اممم.. حسناً.. لقد حلمتُ بك حلماً سيّئاً..

- هممم.. وهل مِتّ؟

- لا أدري.. دعكَ من ذلك فلقد كانَ حلماً أحمَقاً.

حدّقَ به يوليان بتقصٍّ لفترة بينَما يُشيحُ الآخَرُ ببصره، ثمّ ابتَسم، ثُمَّ استَدارَ
ليُقابِلَ مُقاطَعَةَ الدّكستروكارديا..

هُما يَقِفانِ على سطحِ أعلى بِنايَةٍ فيها والّتي تُشرِفُ على المُقاطَعَةِ بأكمَلِها.
من منظُورِهِما يظهَرُ الجِدارُ الضّخمُ الّذي يُحيطُ أحياءَها الفقيرة، القديمة وشبه المُهدَّمة،
وقد كساها الظّلام إلّا من بضعَةِ أسرِجَةٍ مُتمرِّدَةٍ هُنا وهُناك.
لا يَعِكسُ الظّلامُ المسيطِرُ على كلِّ ركنٍ فيها سِوى هيمنةِ الشّرِّ..
وهوَ السِّتارُ الّذي يموتُ النّاسُ وراءَهُ بِصَمت!

يبدو جليّاً كيفَ أنَّ مُقاطَعَةَ الدّكستروكارديا تشكِّلُ البُقعةَ المظلِمَةَ من موسكو.
حتّى تلك الأسرِجَةُ القليلةُ ، فهيَ تُسرِجُ بخفوتِ واستِحياء، على عكسِ الأضواءِ المُنارَةِ
خارِجَ الجِدارِ والّتي تُضيءُ بجرأةٍ وسُطوع.


تنهَّدَ يوليان وقد لفتت تنهيدَتُه انتِباه سيميون ثُمّ قال:
هذا الظّلام...... مُختلف...

صَمت وانتَظَرَ سيميون تفسيراً لم يَحصُل عليهِ لكمة "مُختَلِف"

استَدارَ يوليان وقالَ مع ابتِسامةٍ باهِتة:
إن أردتَ فبإمكاني إخراجُكَ من هذا المكان.

- لِماذا؟

- أعني.. إن بدأتَ تشعُرُ أنّ الأمرَ يصبِحُ خَطيراً..

- كلّا.. إنّ الأمرَ يُصبِحُ أكثَرَ مُتعةً من الآن.. وأنا أرغَبُ برؤيةِ المَزيد..

صَمَتا لفترةٍ ثُمَّ قالَ سيميون بِجديّة: بَدأتُ أُحِبُّ ما هم عليه..
هذا الاختِلاف..... رائِعٌ بالفِعل
...............







شُكراً جزيلاً للمُتابعة والقِراءة

بانتِظاركم جميعاً





[/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
__________________


التعديل الأخير تم بواسطة Aŋg¡ŋąŀ ; 07-12-2019 الساعة 12:20 AM
رد مع اقتباس